في شوال سنة عشر من النبوة ، خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، وهي تبعد عن مكة نحو ستين ميلًا ، سارها ماشيًا على قدميه جيئة وذهوبًا ، ومعه مولاه زيد بن حارثة ، وكان كلمّا مرّ على قبيلةٍ في الطريق دعاهم إلى الإسلام، فلم تجب إليه واحدةً منها.
فلما انتهى إلى الطائف عمد ثلاثة إخوة من رؤساء ثقيف ، وهم : عبد ياليل ومسعود وحبيب أبناء عمرو بن عمير الثقفي ، فجلس إليهم ودعاهم إلى الله ، وإلى نصرة الإسلام ، فقال أحدهم : هو يَمْرُط ثياب الكعبة (أي يمزقها) إن كان الله أرسلك، وقال الآخر : أما وَجَدَ الله أحدًا غيرك
وقال الثالث : والله لا أكلمك أبدًا ، إن كنت رسولًا لأنت أعظم خطرًا من أن أرُدّ عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله؛ ما ينبغى أن أكلمك.
فقام عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لهم : إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني.
فقام عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لهم : إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني.
وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أهل الطائف عشرة أيام ، لا يدع أحدًا من أشرافهم إلا جاءه وكلمه ، فقالوا : اخرج من بلادنا. وأغروا به سفهاءهم ، فلمّا أراد الخروج تبعه سفهاؤهم وعبيدهم يسبّونه ويصيحون به ، حتى اجتمع عليه الناس، فوقفوا له سِمَاطَيْن [أي صفين]
وجعلوا يرمونه بالحجارة ، وبكلمات من السفه ، ورجموا عراقيبه ، حتى اختضب نعلاه بالدماء. وكان زيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى أصابه شِجَاجٌ في رأسه ، ولم يزل به السُّفهاء كذلك حتى ألجأوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة على ثلاثة أميال من الطائف، فلما التجأ إليه رجعوا عنه
وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حُبْلَة من عنب فجلس تحت ظلها إلى جدار.
فلما جلس إليه واطمأن، دعا بالدعاء المشهور الذي يدل على امتلاء قلبه كآبة وحزنًا مما لقى من الشدة، وأسفًا على أنه لم يؤمن به أحد، قال :
فلما جلس إليه واطمأن، دعا بالدعاء المشهور الذي يدل على امتلاء قلبه كآبة وحزنًا مما لقى من الشدة، وأسفًا على أنه لم يؤمن به أحد، قال :
( اللهم إليك أشكو ضَعْف قُوَّتِى ، وقلة حيلتى ، وهوإني على الناس يا أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين وأنت ربي ، إلى من تَكِلُنى؟ إلى بعيد يَتَجَهَّمُنِى؟ أم إلى عدو ملّكته أمري؟ إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي
أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك ، أو يحلّ علي سَخَطُك ، لك العُتْبَى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك )
فلما رآه ابنا ربيعة تحركت له رحمهما ، فدعوا غلامًا لهما نصرانيًا يقال له : عَدَّاس.
وقالا له :
فلما رآه ابنا ربيعة تحركت له رحمهما ، فدعوا غلامًا لهما نصرانيًا يقال له : عَدَّاس.
وقالا له :
خذ قطفًا من هذا العنب ، واذهب به إلى هذا الرجل، فلمّا وضعه بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مدّ يده إليه قائلًا : (باسم الله) ثم أكل.
فقال عداس : إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد
فقال عداس : إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من أي البلاد أنت؟ وما دينك؟ قال : أنا نصراني من أهل نِينَوَى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قرية الرجل الصالح يونس بن مَتَّى). قال له : وما يدريك ما يونس ابن متى؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ذاك أخي، كان نبيًا وأنا نبي) ، فأكبّ عدّاس على رأسِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ويديه ورجليه يقبِّلها.
فقال ابنا ربيعة أحدهما للآخر : أما غلامك فقد أفسده عليك ، فلما جاء عداس قالا له : ويحك ما هذا ؟
فقال ابنا ربيعة أحدهما للآخر : أما غلامك فقد أفسده عليك ، فلما جاء عداس قالا له : ويحك ما هذا ؟
قال : يا سيدي ، ما في الأرض شيء خير من هذا الرجل ، لقد أخبرني بأمر لا يعلمه إلّا نبى ، قالا له : ويحك يا عدّاس ، لا يصرفنك عن دينك ، فإن دينك خير من دينه.
ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق مكة بعد خروجه من الحائط كئيبًا محزونًا كسير القلب ، فلما بلغ قرن المنازل بعث الله إليه جبريل ومعه ملك الجبال ، يستأمره أن يطبق الأخشبين على أهل مكة.
وقد روى البخاري تفصيل القصة ـ بسنده ـ عن عروة بن الزبير، أن عائشة رضي الله عنها حدثته أنها قالت للنبى صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ قال: (لقيت من قومكِ ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة
إذ عرضت نفسي على ابن عبد يالِيل بن عبد كُلاَل، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت ـ وأنا مهموم ـ على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقَرْنِ الثعالب ـ وهو المسمى بقَرْنِ المنازل ـ فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال :
إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردّوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملك الجبال، فسلم عليّ ثم قال: يا محمد، ذلك، فما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ـ أي لفعلت
والأخشبان: هما جبلا مكة: أبو قُبَيْس والذي يقابله، وهو قُعَيْقِعَان ـ قال النبي صلى الله عليه وسلم : بل أرجو أن يخرج الله عز وجل من أصلابهم من يعبد الله عز وجل وحده لا يشرك به شيئا ).
وتحقّق دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الطائف.
وتحقّق دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الطائف.
وأفاق رسول الله صلى الله عليه وسلم واطمأن قلبه لأجل هذا النصر الغيبي الذي أمده الله عليه من فوق سبع سموات، ثم تقدم في طريق مكة حتى بلغ وادى نخلة، وأقام فيه أيامًا. وفي وادى نخلة موضعان يصلحان للإقامة ـ السَّيْل الكبير والزَّيْمَة ـ لما بهما من الماء والخصب.
ومن سياق هذه الآيات ومن سياق الروايات التي وردت في تفسير هذا الحادث يتبين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم حضور ذلك النفر من الجن حين حضروا وسمعوا، وإنما علم بعد ذلك حين أطلعه الله عليه بهذه الآيات، وحضورهم هذا كان لأول مرة، ويقتضى سياق الروايات أنهم وفدوا بعد ذلك مرارًا.
كتاب : الرحيق المختوم | ص ١٤ | :
المرحلة الثالثة : دعـوة الإسـلام خـارج مكـة.
الرسول صلى الله عليه وسلم في الطائف.
المرحلة الثالثة : دعـوة الإسـلام خـارج مكـة.
الرسول صلى الله عليه وسلم في الطائف.
جاري تحميل الاقتراحات...