لي رأي خاص في كتابة المنشورات العلمية على وسائل التواصل الاجتماعي، وسأبديه في هذا المنشور لمن أحب أن يناقشني فيه، أو أحب أن يأخذ ببعض ما فيه في خاصة أمره، وملخصه في هذه النقاط:
- العلم قسمان: علم للعامة، وعلم للخاصة، وليس كل الناس في تلقي العلم سواسية، ولكنهم في تلقي المنشورات على وسائل التواصل سواسية، وعدم بلوغ فروع علم الخاصة لأهله أخف ضررًا من التسبب في فساد التصورات الذي يحصل بتلقي العامة علوم الخاصة.
- وصح عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال: "خاطبوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذَّب الله ورسوله؟!" فكيف يسوغ لنا أن نطرح مسائل هي من متشابه العلم، يتلقاها العامة والخاصة، فيبني بها العامة تصوراتهم دون سؤال لأهل العلم، والتبعة على من تسبب في ذلك قائمة، لأن المنبر ليس منبر علم
وأما الخاصة فمعظمهم بالتجربة لا يشارك في هذا الباب بشيء، وستجد المشاركين معك باطراد لا يتعدون أصابع اليد الواحدة.
- من صيانة العلم عدم تجرئة الجهال عليه، والواقع يشهد أن طرح المسائل العلمية العميقة على أغرار الطلاب ينمي فيهم آفة التعالم، ويمتعهم بعيون العلم ومسائله، فلا يصبرون على طلب ما دون ذلك من المسائل، ولا تتحرك نفوسهم له، فيكون في الإكثار من ملح العلم ونوادره ضررٌ بالغٌ عليهم
ودائما أقول: لو لازم أحد الناس منشورات العلماء على مدى عشر سنين لما كان له في العلم قيمة -وأعتذر لقسوتي في ذلك القول- ولا كان له أدنى اعتبار في الوسط العلمي، ولا يقدّمه ذلك في المجالس، ولو قرأ مختصرًا واحدًا في العلم على أحد الشيوخ في ثلاثة أشهر لأثمر ما لم تثمره له العشر السنون.
- أكثر المسائل العلمية إثارة للجدل في العقد الأخير في كافة العلوم منشؤها وسائل التواصل، والحاصل أن نتيجة إثارتها كانت (لا شيء)! فلا تحرر الخلاف، ولا ازداد العالم علمًا، ولا ارتفع الجهل عن الجهال، بل هاج الناس وماجوا، ولا أظن مثيري هذه الفتن بمعزل عن السؤال عن ذلك يوم القيامة.
- طرح المناقشات العلمية العميقة لغير أهل العلم يجرئ الجهال من الطلاب والعامة على أهل العلم والفضل، وذلك لقلة التزام ناس من أرباب وسائل التواصل بأدب الخلاف، وما زال بعضهم يستخدم أساليب الثمانينيات التي كانت أروقة الجامعات آنذاك، ويستصحب عبارات كتب الجرح والتعديل،
وغير ذلك من الأساليب التي تستخدم في غير محلها، وكأن المتكلم هو الحافظ أبو زرعة، أو الإمام ابن حبان أو ابن حزم، أو الإمام المتولي، وما هو غالبًا إلا شاب له أثارة من علم قليل، ومتابعة لبعض العلماء على وسائل التواصل، أو رجل قديم في التعليم ولكن علمه أكبر من عقله،
أو هو قليل العلم لكنه ظن أنه عميق العلم لمرور السنون عليه!
فيستصحب هؤلاء الأغرار روح كتابات بعض العلماء ولا علم له كعلمهم، ولا فقه له في مسائل الخلاف، ولا أدب العلماء، كما هو لديهم، والله المستعان.
فيستصحب هؤلاء الأغرار روح كتابات بعض العلماء ولا علم له كعلمهم، ولا فقه له في مسائل الخلاف، ولا أدب العلماء، كما هو لديهم، والله المستعان.
- صحبة العلماء (إلكترونيا) لا تنقل لك أكثر من ١٠٪ من سمتهم وأدبهم، ووالله لجلسة واحدة لمدة ساعتين تفوق متابعتهم لمدة سنة.
- المنشورات المناسبة في رأيي لوسائل التواصل الاجتماعي هي المعلومات العامة في أصول العلوم، والإعلانات عن الفعاليات العلمية، والمواعظ المكتوبة أو المسموعة أو المرئية، والمنشورات ذات الطبيعة الاجتماعية.
- لا أدعو لادخار العلم عن الناس، وإنما أدعو إلى نشر العلم "المناسب للمخاطَبين" في المكان "المناسب" لذلك، على سبيل المثال: المجموعات المغلقة التي تجمع المهتمين الجادين، وتسمح بتعاطي المسائل دون الوقوع في المحاذير السابقة، أو القنوات العلمية المتخصصة على التيليجرام أو غيره،
أو المنتديات أو المواقع أو المدونات المتخصصة في دراسة المسائل العلمية، أو السلاسل المرئية الطويلة على اليوتيوب ونحوه، مما لا يعرض على قارعة الطريق (أي وسائل التواصل الاجتماعي) ولا يصل إلى محتواه المارون العجِلون والمبتدئون المتسرعون، أو تستخدم الكتب بنوعيها الإلكترونية والمطبوعة
فالعامة لا يتعاطون الكتب، ولا يقصدها إلا الجادون منهم، ولا يدخل بطون الكتب من اعتاد تلقي العلم من منشورات لا تتجاوز ٢٨٠ حرفًا، أو نصف صفحة.
- عند الاضطرار لكتابة منشور علمي عميق فأنصح إما بتقييد المنشور للمضافين المتخصصين، ويمكن عمل قائمة بذلك لمن لا يعلم، أو أنصح باستخدام لغة علمية عالية عميقة، لا يتيسر فهمها لغير المقصودين بالخطاب، وفي ذلك فائدتان:
* تعسير التعالم على غير أرباب الصنعة.
* صيانة جناب العلم بتعظيم صورته (وهي حقيقةٌ بذلك) في نفوس من لا يبلغونه، لأن علوم الدين صارت مطية من لا مطية له، ممن لو قرأ حاشية أو قصد إلى متن لعرف أن تشدقه يتقاصر عن بلوغ حدة ذكاء وأستاذية أئمة العلم وأرباب الفهم.
* صيانة جناب العلم بتعظيم صورته (وهي حقيقةٌ بذلك) في نفوس من لا يبلغونه، لأن علوم الدين صارت مطية من لا مطية له، ممن لو قرأ حاشية أو قصد إلى متن لعرف أن تشدقه يتقاصر عن بلوغ حدة ذكاء وأستاذية أئمة العلم وأرباب الفهم.
- يراعى أن وسائل التواصل يرتادها كل أحد، من العلماء والعوام، المسلمين المؤمنين، والمتشككين، واليهود والنصارى وأعداء الدين، فلا يكن أحدنا خبًّا.
- المنهج الحداثي المعاصر يعزز الفردانية، ويؤلِّه الفرد، ويجعله قادرًا على بلوغ الحقائق بجهده الذاتي، وهذا يتعارض مع منهجية التلقي التراثية الإسلامية في الصميم، ويضرب الحضارة الإسلامية من جذورها، ويقطع اتصال اللاحقين بالسابقين، فلا يكن أحدنا معول هدم وهو لا يعلم.
جاري تحميل الاقتراحات...