18 تغريدة 57 قراءة Jan 31, 2022
الموسيقار ( ياسر عبد الرحمن)
أسطورة الشجن في فن الموسيقى التصويرية
حينما يأتي ذكر "ياسر عبد الرحمن" أجد نفسي في حالة خاصة تجمعنى بموسيقاه، فآلة الڤيولين (الكمان) التى هى طوع مشاعره تستجيب لأنات قلبه و تفيض شجنا و حزنا يطغى على كل موسيقاه، لم اجد موسيقارا يملك كل هذا الثراء من
شجن الموسيقى في كل مقطوعة موسيقية يقدمها لجمهوره..فبجانب تمكنه الشديد و السديد في وضع جمل موسيقية طاغية الوصف فإنه يملك شخصية موسيقية رفيعة القامة يجيد توصيل الفكرة بسهولة فالموسيقي لديه تستجيب لانامله و بريقها الاخاذ يلمع مع كل نغمة يعزفها ، فهو امبراطور الآلات الوترية بلا منافس
استطاع إدخال آلات موسيقية شعبية داخل الموسيقى الفيلهارمونى و منحها قبلة الحياة لتتواجد في الصفوف الأولى من الأوركسترا، فالربابة التى قدمها فى مسلسله ( الضوء الشارد) ظلت أيقونة صامدة كلما اتى ذكر الصعيد ، بل و تحولت الربابة نفسها إلى ايقونة تلازم كل موقف يأتى فيه ذكر اهل الصعيد
ياسر عبد الرحمن هو حالة خاصة من الشجن الفنى ، موسيقاه لها ملمس و رائحة مميزة، فهى تعبق بشجن شرقي خالص لا يشوبه اى أنواع اخرى، مصري الطابع ، ألحانه مبتكرة و معقدة فهى تبهرك في مقدمتها و تختطف روحك فى منتصفها و ترتقي بك لأعلى مستوى في نهايتها..هذا العصف اللحنى لا يملكه سواه.
تميز ياسر عبد الرحمن فى موسيقي الدراما المصرية فقدم لنا عديد من الأعمال الخالدة التى ظلت مرتبطة بلمسات عزفه الراقية، فالخط اللحنى الذى يتبعه هو مسار مميز ثابت الملمح تطغى عليه شجن الآلات الوترية بنزعة مُشبعة بحنين لدمع لا يهدأ، ففى مسلسل الحقيقة و السراب نجده يلمس وترا داخل الروح
و لعل القوة الضاربة لموسيقى ياسر عبد الرحمن تظهر في أوجها حينما يلتحم صوت "على الحجار" بكلمات سيد حجاب و موسيقي ياسر عبد الرحمن، مثلث مرعب من الأداء التأثيري الموسيقى يجبرك على الانصات و الاستماع فى شغف دون ترك لحظة تفوتك، و لعل مقدمة مسلسل "الليل و آخره "مثالا حيا على ذلك.
و العنصر الإبداعى لدى ياسر عبد الرحمن لا يتوقف عند حدود الارتقاء بمستوى الموسيقى و الشجن بل يمتد لما هو أبعد ، فهو يركز دوماً على الذات الإنسانية فى موسيقاه و يصور النفس البشرية بضعفها و قوتها و مشاعرها كما هى
مسلسل "آدم"قدم فيه ياسر عبد الرحمن موسيقى تصف الذات و ما تحويه من وجع
و يذهب بنا ياسر عبد الرحمن لأبعد من حدود العقل ليختزل مفردات الشجن فى جمل موسيقية تلمس الروح و الدم و النبض، فهو يعبث فى أوجاع الروح بقدر ما استطاع أن يتوغل فيها،و رسم حدود ضعفها تحت سطوة عزفه النابع من تأثر بالفكرة و معايشة للمعنى..
موسيقي فيلم "المواطن مصري" هى احد افضل روائعه
و فى مقدمة مسلسل" الفرار من الحب" استطاع"ياسر" ان يصنع مكون عجيب من الربابة و الناى و جوقة الالات الوترية ليخرج لنا منتج موسيقي عبقري فى الأداء اللحنى و الصياغة الفنية الغير متروكة للصدفة، كل لحظة من العزف تساوى الكثير من البناء الدرامي للفكرة المقصودة..
و النقلة النوعية فى تاريخ ياسر عبد الرحمن الموسيقى كانت حينما قام بتلحين أغنية المطرب محمد فؤاد"عارف انى واحد تانى" عام ١٩٩٠
و التى احدثت ضجة كبيرة في مجال الأغنية الدرامية و الحقيقة أن تلك الأغنية من أيقونات ياسر عبد الرحمن و مفضله بالنسبة لى كلحن و أداء قوى من محمد فؤاد
و ينتقل بعدها بنفس القوة ليقوم بتلحين أفضل ما غنى عمرو دياب فى تاريخه و هى اغنية" رجعت من السفر" التى قدمها لجمهوره عام ١٩٩٥
و هى أيضاً تندرج تحت الإطار الدرامى في قصة قصيرة حزينة للغاية، الموسيقى بذاتها تتحدث عن المأساة و لكن بعقلية ياسر عبد الرحمن ذو الموهبة الراقية جدا
عبقري بحق..
موسيقاه المرهفة هى علامة مسجلة لا يمكن مضاهاتها و لا يجوز الاقتباس منها فهى حق أصيل لمنبع الفكر الذى انتج تلك العبقريات الموسيقية..
و لعل اختلاط موسيقاه بصوت " محمد الحلو" في موسيقي مسلسل" الوسية" وضع أسس جديده في مجال الموسيقى التصويرية للدراما أهمها الرقي بما يقدم.
لا تتوقف مساحات الشجن لدى ياسر عبد الرحمن عند قمم معينة
يستطيع أن يتجاوز بك حد الإبهار ليصل بك أيضا إلى حد الإمتاع لتستمع بما يصل قلبك قبل أذنك فهو يستطيع أن يتقدم برؤياه ليتجاوز المدى لديك...و من ثم يأخذك في طريقه..
مسلسل"سارة" هو المثال المقصود بذلك
فى احدى الحفلات القليلة التى قدمها ياسر عبد الرحمن.. صادفته و هو يتقدم نحو خشبة المسرح قبل أن يبدأ حفله، لا أدرى سرا انه لا يبتسم أبدا، بل نادرا ما يري مبتسماً..
لعل ذلك طغى على شخصه و على تكوينه الابداعى فصارت كل موسيقاه تفيض شجنا و حزنا
هذا السحر العجيب في موسيقاه يبهرنى
و حينما أقترب ياسر عبد الرحمن من السينما استطاع أن يحقق معادلة صعبة و غير متداولة، و هى البقاء في القمة دون التنازل عن الثوابت فالشخصية الموسيقية الخاصة به منحته لونا مميزا لا يمكن تقليده، و حينما قام بالتأليف الموسيقي لفيلم الامبراطور لاحمد زكى تبين اننا امام عبقرية موسيقية قويه
و نرتقي أكثر مع فكر ياسر عبد الرحمن فى رؤيته العميقة للموسيقى التصويرية للسينما المصرية، و يحل عام ١٩٩٦ ليقدم لنا تحفته الرائعة الراقية ( ناصر ٥٦) بعمق فنى تشخيصي قوى و ممتع و قراءة لشخصية بحجم عبد الناصر، فاستطاع بموسيقاه ان يساهم في إضافة رؤية واضحة لتلك الحقبة من تاريخ مصر
و كتكريس لتخليد الحقب و الشخصيات الوطنية قدم ياسر عبد الرحمن موسيقى فيلم"ايام السادات" التى كانت و لازالت من امتع المقطوعات التى يمكن سماعها لتعيدك الى زمن ما و حقبة ما قد لا تكون عشت فيها و لكن الموسيقى حياة..و بالحياة.. تعود الحياة.
ختاما: ياسر عبد الرحمن موهبة موسيقية لن تتكرر كثيراً، فنان ذو زخم موسيقي ضخم ، أدواته التعبيرية متنوعة و فكره الموسيقي يرتقي ليكون في أوج القوة الضاربة للموسيقى التصويرية، فهو ابن هذه الأرض الطيبة، و لانه نبت طيب فقد كانت موسيقاه خير معبر عن وطن يحيا بالامل مهما كثُرت أوجاعه.
تمت

جاري تحميل الاقتراحات...