عـمر ع. ع.
عـمر ع. ع.

@Omar_Writes

14 تغريدة 282 قراءة Feb 01, 2022
أمضيت الأيام الماضية بقراءة الكتاب الجديد الرائع لسمو الأمير تركي الفيصل، رئيس الاستخبارات السعودية لما يربو عن 24 عاماً، وهو «الملف الأفغاني».
ولأن الكتاب قيم وثمين جداً بتشخيص وتقديم أحد أكثر الملفات السياسية الهامة لفهم العالم اليوم، سأعمل على تلخيص أهم نقاطه أسفل التغريدة ↓
أود أولاً أن أنوّه أنه، إن أردت، فبإمكانك قراءة الموجز كملف PDF بطريقة أكثر وضوح عبر الرابط:
flipsnack.com
وكذلك، سأنشر الموجز تباعاً عبر تغريدات متواصلة أسفل هذه التغريدة.
قبل البدء، على الرغم من أني حاولت تقديم أهم أفكار الكتاب عبر هذا الموجز لتحقق معظم الفائدة والإدراك لأحداث أفغانستان، إلا أن ذلك لا يؤثر في كون قراءة الكتاب كاملاً مفيدة جداً؛ فبعض التفاصيل والأحداث الجانبية لم ترد في هذا الموجز.
ابتداءً، على الرغم من أن الكتاب يركز على سياسة ما بعد الغزو السوڤيتي لأفغانستان عام 1979م إلا أنه يتميز بمدارسة دقيقة ومتقدمة للملف الأفغاني، وهذا يتمثل مثلاً بالبدء بتحليل تاريخ ومجتمع أفغانستان عوضاً عن مجرد البدء بفحوى الكتاب. كذلك، راقني جداً المستوى الأدبي الرائع للكتاب.
أفغانستان، البلد ذو الموقع الجيوسياسي الحرج؛ حيث الإتحاد السوڤيتي الشيوعي في شماله، إيران الثورية الشيعية في غربه، وباكستان الإسلامية المتناحرة مع جارتها الهند الموالية للسوڤييت في جنوبه، يحوي شعباً قبلياً تقليدياً متعدد الأعراق في داخله. تلبّس الملكية، ثم الشيوعية، ثم الإسلامية.
قسّم المؤلف كتابه إلى ثلاث مراحل رئيسية:
⑴ الغزو السوڤيتي ومواجهته.
⑵ التناحر والقتال على السلطة بين فصائل المجاهدين.
⑶ التعامل مع طالبان ومحاولة استلام بن لادن منها.
وكذلك، قدم باختصار قبل ذلك تاريخ أفغانستان وتكوينها الاجتماعي، وتطرّق لقضايا حادثة كغزو العراق والكويت.
ينقسم الأفغان إلى عدة عرقيات رئيسية، لربما أهمها –وأكثرها عددها– هم البشتون، حيث يشكلون ما يقارب 40% من مواطني أفغانستان، ويعتبرهم (البشتون) الفيصل ”من أشجع الشعوب التي تعاملت معها“.
ثانيهم هم الطاجيك، وهم كذلك سكان طاجيكستان السوڤيتية (والتي هي دولة مستقلة الآن) شمال أفغانستان.
من ضمن باقي العرقيات، أكثرهم تأثيراً هم الهزارة؛ وذلك لأنهم الجماعة الشيعية الوحيدة في أفغانستان، حيث باقي السكان من السنة الحنفية.
يبدأ قص قصة أفغانستان بوصف المرحلة الملكية فيها، والذي يبتدئ بأشهر أمرائها: الأمير الحديدي عبدالرحمن خان، والمعقوب من ابنيه: حبيب الله وأمان الله.
حيث صادم الأخير أمان الله مجتمعه المحافظ بعدة أوامر إجبارية كخلع حجاب زوجات كبار المسؤولين، وإلباس ممثلي القبائل بدلات وربطات عنق على خلاف لباسهم المعتاد، ثار عليه أحد قطاع الطرق الطاجيك ونُفي لإيطاليا.
حول التعامل السياسي مع مجتمعاتها المحافظة، كالأفغانية والإيرانية والسعودية:
بعد 10 أشهر، عاد النظام الملكي عبر ظاهر شاه مرة أخرى. منذ 1947م، بدأ الروس –بحنكة وبصبر– بتطوير علاقة عميقة مع الأفغان؛ بهدف تصدير الأفكار الشيوعية لهم. شمل هذا دعوة الطلاب –لا سيما العسكريين منهم– للدراسة في موسكو، وقدموا المساعدة عموماً لأفغانستان.
يقول المؤلف: استشعر أبي (الملك فيصل) القلق من مدى الارتباط الروسي بأفغانستان عندما زارها بـ1970م، وقد كان محقاً في قلقه حيث فعلاً حكم الشيوعيين أفغانستان بـ1973م. كان ذلك بانقلاب الشيوعي سردار خان علی ابن عمه الملك ظاهر شاه، وقد أيد ذلك شخصية محورية هامة، هي الشيوعي بابراك كرمال.
بمجرد اختلاف الروس مع الحاكم الجديد، رعوا انقلاباً ناجحاً عليه عام 1978م وبه بقي بالساحة کرمال وحزبه، وتراقي وحزبه. كلاهما شيوعيان، ولكن اختار السوقييت دعم تراقي، وبالفعل حكم بعد ذلك.
يعتبر المؤلف السوڤييت مزدرين ومتعنتين ومتعالين على الشعب الأفغاني، وقدّم لذلك شواهد عديدة.
من ذلك، فرضه بالإجبار تعليم النساء على مجتمع محافظ وتقليدي. وكذلك، عارضت الحكومة الأفغانية الشيوعية الموالية لهم الدين صراحةً، وصادرت الأراضي لصالح أنصار الحزب، ونفذت الإعدامات بالتوالي بحق أعداء الحزب. حفّز ذلك إعلان العديد من قادة المجتمع الجهاد ضد النظام الشيوعي.
لمواجهة المعارضة الداخلية؛ أصر تراقي على إرسال السوڤييت لقوات لدعمه. ولأنه تعنت في ذلك مخالفاً لهم؛ أزاحوه وقدموا حفيظ الله أمين بديلاً له. ولكن على الرغم من ذلك، نوى السوڤييت في الأخير غزو أفغانستان بعدما شعروا بخطر تنامي المعارضة الإسلامية واحتمال إحلالها حليفها الشيوعي.
بمجرد بدء السوڤييت بإجراءات غزو أفغانستان، تخلّصوا من حفيظ الله أمين وجلبوا تراقي ليحكم. لم يفسر المؤلف تخلص السوڤييت من أمين، ولكن حسبما أتصور أن ذلك كان لتأمين الغزو من احتمال معارضة أمين له؛ ففي المقابل، سيضمنوا موائمة ورضى تراقي له إذا ما غرض عليه الحكم كمقابل.
مما هو بالغ الضرورة في فهم ملف أفغانستان هو إدراك سبعة رموز شكلوا سبعة أفرع مختلفة للجهاد ضد السوڤييت. أولهم هو المهندس حكمتيار، والذي وصفه المؤلف بأنه ”الأكثر صرامة بين باقي قادة المجاهدين، غير قادر على تفهم آراء الآخرين، شكاك، يحتاج للسيطرة على كل شيء حوله، صارم، نزيه مالياً“.
وكذلك، أحد الجماعات المحورية الأخرى هي حزب رباني الذي كان أحمد شاه مسعود ذراعه الأيمن وقائده العسكري.
ثالثهم هو حزب خالص، والذي قد كان ضمن حزب حكمتيار وانشق عنه.
الرابع هو سيّاف، والذي كان قد درس بالأزهر وبذلك أتقن العربية؛ ومكنه ذلك من إقامة علاقة قوية مع المجتمع السعودي.
تسمى هذه الجماعات الأربعة آنفة الذكر بـ«الجماعات الأصولية» عطفاً على كونها الأكثر ارتباطاً بالإسلام السني من بين الجماعات السبعة. الأحزاب الأخرى، بقيادة محمدي، وجيلاني، ومجددي، كانت أكثر «اعتدال» وربما ميل للصوفية، وبذلك ارتاحت أمريكا للتعامل معها أكثر من الأخرى الأصولية.
لربما أحد أكثر الحقائق وضوحاً عند تدارس الملف الأفعاني هي مدى تفرق وتشتت القادة المجاهدين الأفغان، والذي دفع المؤلف أن يصف الأفغان عموماً بأنهم: ”قساة، متفرقون، لا يعتمد عليهم. ولكن في الجانب المقابل هم كرماء، صبورون، متحملون للآلام والشدائد، صامدين، شجعان“.
قد بدت أول خيبات التشتت الأفغاني بعد ما يقرب عامين من بدء الغزو، عندما جمعت السعودية وباكستان قادة المجاهدين في مكة بـ1982م ليقسموا بداخل الكعبة المشرفة على ألا يتقاتلوا مرة أخرى عطفاً على اقتتالهم بين بعضهم في 1981م، ولكن، لم تتأخر عودة الشجار والخلاف بينهم عن اجتماعهم بالحافلة!
مما يعتبره المؤلف مشتركاً بين السعودية وأمريكا والإتحاد السوفيتي ذاته، هو أنهم جميعاً قد توقعوا إمكانات أقل للمجاهدين الأفغان في مواجهة الغزو؛ فبذلك استهان السوفييت بالغزو ودخول الحرب.
استشعر الأمريكيين سريعاً بأن أفغانستان فرصة لتكون للإتحاد السوڤيتي كما كانت ڤيتنام لأمريكا.
بالنسبة للسعودية، كان غزو السوڤييت لأفغانستان ناقوس خطر لتوسع رقعة الشيوعيين في المنطقة، والذين قد كان لهم بالفعل موطئ قدم في اليمن وظفار بعمان، هذا خلاف أن غزو أفغانستان يهدد بغزو باكستان تباعاً ليتمكن السوڤييت من الوصول لمطل مائي ذو قيمة؛ فكل مطلاتهم المائية (لليوم) غير قيّمة.
وبذلك يتضح كذلك مدى خطر الغزو على باكستان ذاتها، والتي علاوة على كل ما سبق، لا تريد أن تكون أفغانستان سوڤيتية من شمالها، ومن جنوبها عدوها الدائم الهند الموالي للسوڤييت.
وبالتأكيد، الولايات المتحدة المنخرطة في حرب باردة مع عدوها الأول لا بد أن تقف ضد غزو وتوسع كهذا.
هذه المصالح السياسية والجيوساسية حتّمت انخراط باكستان والسعودية والولايات المتحدة في حلف لدعم الجهاد بشكل غير مباشر، أي عبر تأمين الأسلحة والأموال والمعلومات الاستخبارية اللازمة، دون الإنخراط المباشر بالحرب لئلا يُصعد الموقف ويصل العالم لحرب عالمية مفتوحة.
ومن المثير أنه لذلك كان الحلف الباكستاني-السعودي-الأمريكي ملتزم بتوريد أسلحة للمجاهدين الأفغان مصنعة في الإتحاد السوڤيتي أو أحد حلفائها، وليس بتقديم أسلحة أمريكية أو أوروبية لئلا يكون ذلك سبب في تصعيد الحرب بين السوڤييت وتلك الدول إذا ما سقطت تلك الأسلحة بيد السوڤييت خلال الحرب.
بينما استخدام المجاهدين لسلاح سوڤيتي يمكن أن يُبرر بأنه مستحصل كغنيمة من خلال الحرب ذاتها، أو أن أفراد فاسدين في الجيش الأفغاني (الموالي للسوڤييت) قد باعوا أسلحتهم على المجاهدين. يقول المؤلف أن مصر، ذات العلاقات الجيدة مع السوڤييت، كانت وسيط لشراء الأسلحة المرادة وتسليمها لنا.
كذلك، حرص الحلف على الحفاظ على صورة مواجهة السوڤييت كجهاد إسلامي، وليس كقتال لمصلحة أمريكية غربية كما كان السوڤييت وحلفائهم يروّجون في محاولتهم لتثبيط المجاهدين الأفغان وداعميهم. ومن ذلك أن القادة الأفغان ذاتهم حاولوا تقليل ظهورهم الأمريكي، ومنه رفض حكمتيار الظهور مع ريغان.
كان التنسيق داخل الحلف الباكستاني-السعودي-الأمريكي يقضي بأن تتولى باكستان مهمة توزيع الأموال والأسلحة على المجاهدين بالقدر والصورة التي تراها، وأن يكون التمويل بشكل رئيس من السعودية وأمريكا. وقد التزمت إبان ذلك السعودية بسياسة تقديم نفس قدر الأموال المقدمة من أمريكا.
مما ظهر إبان الحرب وما تلاها، أن الأحزاب الأصولية الأربعة (حكمتيار، خالص، سياف، رباني ومسعود) كانت الأكثر نشاطاً والأكثر تلقي للتمويل بالمقارنة مع الأحزاب الثلاثة «المعتدلة» وذلك على الرغم من رغبة أمريكا بإعلاء «المعتدلين» على الأصوليين الذين توقعوا أن يعادوا أمريكا لاحقاً.
وهكذا، استمرت الحرب بين الإتحاد السوڤيتي والحكومة الأفغانية الشيوعية من جهة، والمجاهدين السبعة والحلف الداعم لهم من جهة أخرى. خلاف التمويل المالي والاستخباري وكذلك توريد الأسلحة الاعتيادي، كان لبعض المساهمات الغربية بالغ الفائدة في تفوّق المجاهدين على السوڤييت.
من أمثلة ذلك هو تقديم البريطانيين مركب «كربيد البورون» للمجاهدين الذين كان كل ما عليهم هو التسلل خلسة لمواقع العدو وحقن المادة في خطوط إمدادات العدو. بعد ذلك، بمجرد تشغيل آلية (كسيارة، هيليكوبتر، طائرة) وتغذيتها بالوقود الملوث بكربيد البورون فستنفجر في لحظتها بركابها.
وكذلك، عطفاً على كون تفوق السوڤييت قائم في جله على تفوق طيرانهم على المجاهدين وضعف القدرة على مقاومتهم للطيران؛ كان تقديم الأمريكيين صواريخ ستيغنر المضادة للطائرات نقطة تحول جذرية في الحرب، حيث أمالت الكفة لصالح المجاهدين ضد السوڤييت.
خلاف الدعم السعودي الرسمي بالتنسيق مع الحلف الباكستاني-الأمريكي، كانت المساهمة الشعبية السعودية تتمثل بشكل رئيس بتقديم مزيد من الأموال للمجاهدين ذاتهم أو لمخيمات اللاجئين. خلاف ذلك، وأقصد هنا انخراط سعوديين بأعمال عسكرية في أفغانستان، فكان محدود جداً وغير ذو أثر.
وبالطبع، كان الكثير من المسافرين العرب لأفغانستان متطوعين في مخيمات اللاجئين، بعيداً عن الخدمة العسكرية التي أثبتوا فيها عدم جدواهم وصلاحهم لمساعدة الأفغان عطفاً على انعدام خبرتهم العسكرية السابقة وكون تدريبهم مصدر إشغال للمجاهدين الأفغان عوضاً عن أن يكونوا معينين لهم.
وهكذا، عبر رموز کالشيخ عبدالعزيز بن باز والشيخ صالح السحيباني، وعلى الرغم من تعقيدات جمع الأموال بعد أحداث جهيمان، قدّم الداخل السعودي ملايين إضافية لما كانت تقدمه الحكومة بصورة رسمية، وقد كان إما لتمويل العمليات العسكرية عبر القادة السبعة، أو لدعم مخيمات اللاجئين الأفغان.
وعطفاً على تزايد قدوم العرب؛ أسس «عبدالله عزام» مكتباً لاستقبال القادمين العرب وخدمتهم وتوجيههم للمكان الأنسب للتطوع. قد كان، وفقاً للمؤلف، لعبدالله عزام نشاطاً داعماً إضافياً للقضية الأفغانية عبر محاولته حلحلة الخلافات بين قادة المجاهدين وبذلك كان اغتياله ”خسارة للقضية“.
بالإضافة لمكتب عبدالله عزام، شعر أحد الأثرياء السعوديين برغبة في الانهماك بأفغانستان. كانت وسيلته هي تأسيس مكتب استقبال آخر، أسماه «دار الأنصار» كنايةً عن أنصار النبي ﷺ. كان ذلك هو أسامة بن لادن، والذي اختار أن يؤسس جماعة قتالية عربية عوضاً عن إرسال العرب للقادة الأفغان كعزام.
في الحقيقة، كانت فرقة بن لادن الصغيرة والضعيفة ضارة غير نافعة؛ فهي غير مؤثرة إطلاقاً على أرض الواقع، وفي ذات الوقت تهدد بتصعيد الحرب بين السوڤييت من جهة وباكستان والسعودية من جهة أخرى عطفاً على إشراك مباشر لغير الأفغان في الحرب. كان بن لادن كذلك كثير التضخيم (والكذب) حول معاركه.
وعبر دعاياته المستمرة لأعماله، التقى بالظواهري الذي عمل على سقاية بن لادن بأفكار الضال سيد قطب، والتي يمكن تتبعها في شخص بن لادن حتى مقتله بعد أحداث سبتمبر الشهيرة. وفي العموم، استمر النزيف السوفيتي في أفغانستان حتى اضطروا للانسحاب بكامل قواتهم في 1989م.
تركوا خلفهم في كابول –عاصمة أفغانستان– الحكومة الشيوعية الموالية لهم، والتي كانت بالكاد قائمة بوجود السوڤييت؛ وبذلك كان متوقعاً سقوطها بسهولة بعد الانسحاب. بعد الانسحاب، جمعت باكستان قادة المجاهدين للاتفاق على آلية تكوين حكومة جديدة لتحل الحكومة الشيوعية بكابول بمجرد سقوطها.
كان الاستقطاب واضح بين رباني (ومعاونه أحمد شاه مسعود) من جهة وحكمتيار من جهة أخرى، والذي جعل المصوّتين يتفادون اختيار أياً منهم كرئيس لئلا تفشل العملية برمتها. ولذلك، اختاروا مجددي رئيساً، وسياف رئيساً للوزراء، وحكمتيار وزيراً للخارجية.
وكما ذكر المؤلف آنفاً في عادة التفرق والتشتت الأفغاني، وفي وصفه شخصية حكمتيار بأنه ”غير قادر على تفهم آراء الآخرين، وعاكف على السيطرة على كل ما حوله“، رفض حكمتيار نتيجة التصويت رغم إعلانه قبل التصويت التزامه بأي نتيجة تخرج.
على الرغم من خروج حكمتيار من الحكومة، اعترفت السعودية والإمارات بها. كان ذلك دون باكستان وأمريكا، حيث يعزي المؤلف ذلك لعدم توافق حكمتيار مع الحكومة وبذلك شكت دول مثل باكستان وأمريكا بها وتريثت بالاعتراف بها.
لتثبت نفسها، حاولت الحكومة الجديدة السيطرة على مدينة أفغانية هامة.
كان اختيارهم على جلال آباد، إلا أن العملية كانت مروعة ومحرجة؛ عطفاً على عدم تخطيط وتنسيق قوات الحكومة بين بعضها. وكأن الهزيمة لا تكفي، زاد الوضع سوءاً نصب حكمتيار كميناً لقوات أحمد شاه مسعود مما شب القتال بينهما بعيداً عن قتال الشيوعيين في كابول.
وهذا الخلاف بالذات، بين حكمتيار وأحمد شاه مسعود، هو ما اغتيل في خضمه عبدالله عزام بينما كان يحاول الإصلاح بين الفئتين.
قد كان بالفعل متوقعاً أن تتهاوى الحكومة الشيوعية بكابول بسهولة بعد تخلي السوڤييت عنها، إلا أن الاختلاف والتفرق والضعف بالجانب الآخر أكسبها سنيناً إضافية.
معذرةً، هذه هي الصورة الصحيحة لمولوي محمد يونس خالص. شكراً لـ@_carelessness_ على التنبيه.
عموماً، في خضم الأحداث، وبالتحديد في عام 1990م، عاد بن لادن إلى السعودية بعدما شعر بأنه لا حاجة لوجوده في القضية الأفغانية بتعقيداتها آنذاك. كان من دواعي غروره مقابلة الأمير تركي الفيصل وعرضه إسقاط اليمن الجنوبي الشيوعي عبر حفنة من مقاتليه، وأنه بذلك يطلب معاونة السعودية له.
يقول الفيصل: " كان مخططاً غبياً، غير مدروس على الإطلاق، وخطيراً، وقد كان اليمن الجنوبي الشيوعي في طريقه أصلاً للزوال من ذاته (وقد حصل) دون الحاجة للإجهاز عليه. ومن المدهش كذلك، عرضه على الحكومة السعودية أن يحل محل القوات الأمريكية في دحر صدام من الكويت. وقد قوبل، طبعاً، بالرفض.
يقول الفيصل عن اقتراحه الثاني: "كان اقتراحه هذا صادماً، يظهر جهله على جميع المستويات. يبدو أنه نسي أن مجاهديه كانوا قلة من جهة العدد؛ وبذلك لم يكن إسهاهمهم [بهزيمة السوقييت] ذا بال. كان يتجاهل حقيقة أنه في حين أن أفغانستان بلد جبلي مناسب لحرب العصابات…
فإن الكويت مسطحة تماماً، وتضاريسها مثالية للقوات التقليدية؛ يبدو أن أسامة كان يعيش في عالم الأحلام“.
يعتقد المؤلف أن رفض القيادة السعودية لاقتراحي أسامة لربما كان هو السبب الرئيس بتكوين عداء الأخير للسعودية عبر بياناته ونشاطاته اللاحقة.
حسب المؤلف، لم يكن في تصور الحكومة السعودية أن إشراك أفراد من المجتمع السعودي سيكون له مردود سلبي على أولئك الأفراد. يقول المؤلف أن اهتمام السعودية وحلفها كان منصباً بمجمله إبان الحرب على كسبها ودعم المجاهدين فحسب، ولكن بنهايتها، وبعودة المقاتلين والمتطوعين السعوديين للمجتمع…
برز أن النشاط المتطرف لأولئك العائدين مشكلة خطرة وحرجة لم تكن الحكومة متنبهة لها، والتي بالطبع كان أسامة بن لادن أحد تجلياتها.
عودةً لأفغانستان، حيث الساحة خالية من الوجود السوڤيتي وتحمل مواجهات بين الحكومة الأفغانية الشيوعية من جهة والأحزاب الجهادية من جهة أخرى…
كانت إحدى أهم الشخصيات الإضافية البارزة هي عبدالرشيد دوستم، وهو قائد عسكري في شمال أفغانستان (أي بالقرب من الإتحاد السوفيتي) وموالي للسوڤييت. كان دوستم بمثابة صمام أمان للجمهوريات السوڤيتية الجنوبية من الأصولية الأفغانية، لا سيما أن قسماً واسعاً من شعوبها مسلم.
وبالطبع كان كذلك حليف مهم للحكومة الأفغانية في كابول. ولكن، عطفاً على توترات وخلافات مع الحكومة الأفغانية بقيادة نجيب الله، حوّل من ولاءه لصالح أحمد شاه مسعود.
في هذه الأثناء، يمكن تصوير الساحة الأفغانية بتعداد ثلاث لاعبين متناحرين رئيسيين.
هم أولاً الحكومة الأفغانية الشيوعية في كابول، وقوات رباني وقائده أحمد شاه مسعود (وحليفهم الجديد دوستم)، وأخيراً قوات حكمتيار المنشق عن المجاهدين.
لربما كان من المنطقي أن ينسق أعداء الحكومة الأفغانية، وهم أحمد شاه مسعود وحكمتيار، الاستيلاء على كابول، وبالفعل كانت هناك محاولات.
على الرغم من تدخل السعودية لإنجاح الترتيب، أدى تعنت حكمتيار إلى استمرار الانقسام. في نهاية الأمر، سيطر رباني وقائده أحمد شاه مسعود على كابول وأسقطوا بذلك الحكومة الأفغانية، جاعلين حكمتيار يتحسر في الخارج. بوساطة باكستان والسعودية، شُكّلت حكومة أفغانية جديدة.
على الرغم من تواتي الظروف لنجاح الحكومة الجديدة، هوت بسرعة نحو الفشل. تقاتل المجاهدين داخلها مع بعضهم، وانشق دوستم عنها وحالف حكمتيار والجمهوريات السوڤيتية الجنوبية.
بذلك، أصبحت هناك الحكومة الجديدة في كابول، وجنوبها هناك حكمتيار، وشمالها حلیفه دوستم.
إبان هذه الاضطرابات، عكفت السعودية عبر سفارتها في كابول على إعادة السعوديين في أفغانستان إلى السعودية، وقد نجحت بالفعل بإعادة 200 سعودي. كان 10% منهم مقاتلين مع حكمتيار، الذي عمل على عزلهم من السفارة حتى لا يعودوا للسعودية، وليحقق ذلك استخدم حتى المخدرات معهم.
عملت السعودية، ومرة أخرى، على اتفاق سلام جديد. بصعوبة بالغة، وافق المجاهدين عليه، ووفقاً له أصبح حكمتيار رئيساً للوزراء. ومرة أخرى، فشل الاتفاق وعاود المجهادين القتال.
في المرفق، يصف المؤلف عمق المشكلة الأفغانية، ومدى شيوع بعض مظاهرها في السعودية التي عملت على مواجهتها.
في خضم هذه الفوضى، نشأت في جنوب أفغانستان، قرب قندهار، جماعة جديدة ستكون محورية في قصة أفغانستان. بسرعة بالغة، وبنجاح ملحوظ، نجحت «طالبان» بالسيطرة على عدة مناطق محورية، ونجحت كذلك بإنهاء حكمتيار ليبقى لها عدو واحد: أحمد شاه مسعود في كابول.
بعد صراعات عدة، تمكنت من إسقاط كابول والسيطرة عليها لتفرض سيطرتها على معظم أفغانستان. يقول المؤلف: ”وقد فرضوا نظاماً صارماً وظلامياً بشكل استثنائي؛ إذ مُنعت جميع النساء من العمل، وأغلقت مدارس وكليات البنات، وحُظر التلفزيون والفيديو وأطباق الأقمار الصناعية والموسيقى وكل الألعاب“.
بدأت باكستان بالاعتراف بطالبان كحكومة شرعية لأفغانستان، وتابعتها السعودية والإمارات. بالنسبة للمؤلف، ”بدأت [طالبان] بداية جيدة، لكنها انتهت إلى حركة أبعد ما تكون عن الحضارة، ويستحيل التعامل معها“.
في السودان، كان الحكم للحكومة الإخوانية الجديدة برئاسة عمر البشير ومنظرها الترابي.
كانت إرادة الترابي متمثلة بنشر «الثورة الإسلامية» المماثلة لأفكاره عبر العالم الإسلامي؛ ولتحقيق ذلك، رأى في أسامة بن لادن أهمية بالغة. كما ذُكر سابقاً، آنذاك، كان كل أسامة هو مجرد غني سعودي مرتبط ارتباط معقول ومقبول بأفغانستان، ثم عاد ليقدم عروضه المرفوضة للمشاركة باليمن والكويت.
في السودان، تبرع أسامة لإنشاء طريق جديد، كانت السعودية ستموله لولا مباركة النظام السوداني غزو صدام للكويت. كذلك، جعلوه يشتري مصنعاً حكومياً غير مجدي لدباغة الجلود. يقول المؤلف: ”بدا لنا في الرياض وقت سماعنا هذه الصفقات أن الحكومة السودانية تستغله“.
في مستهل 1993م، أصدر أسامة بن لادن أول بياناته المعارضة للحكومة السعودية، واستمر بترويج الرسائل المعارضة في الداخل السعودي. حاولت الحكومة السعودية، عبر سفيرها بالخرطوم، ثنيه عن ذلك، وقد حاول معه كذلك أفراد من عائلته، إلا أنه في الأخير لم يستجب.
يعتبر المؤلف أن كل هذا التعنت ناشئ بالأصل عن رفض مقترحات أسامة [الهزلية] عام 1990م في ما يتعلق بكفايته لمواجهة صدام لوحده، أو مواجته حكومة اليمن الجنوبي الشيوعية.
عام 1994 م، تبرأت عائلة بن لادن من أسامة، وأسقطت الحكومة السعودية جنسيته، وجمدت حساباته البنكية وصادرت ممتلكاته.
في نوفمبر من عام 1995م، هاجمت سيارة مفخخة مبنى للحرس الوطني في الرياض، أسفر عن مقتل 5 أمريكيين وجرح غيرهم. لاحقاً، اعترف منفذو الهجوم أنهم استلهموا أفكارهم من أسامة بن لادن.
كذلك، كان أسامة قد خطط قبلها في 1994م لقتل مدير الاستخبارات المركزية الأمريكية في الخرطوم.
في 1996م سحبت الولايات المتحدة بعثتها الدبلوماسية من الخرطوم ولوّحت بفرض عقوبات على السودان، ما لم تغير السودان من سياساتها.
سيبدو، من تصرفات الحكومة السودانية لاحقاً، أنها استجابت للضغوطات الأمريكية والسعودية وبدأت تشعر بأن أسامة يشكل عبئاً عليها.
لذا، وفي لقاءه مع ولي العهد –آنذاك– الأمير عبدالله، عرض عمر البشير تسليم بن لادن للسعودية، شريطة أن لا تتم مقاضاته، وهو الذي قوبل بالرفض من الجانب السعودي. وكذلك، عرض السودانيين تسليم بن لادن لأمريكا، ولكنهم رفضوا مبررين بعدم وجود أدلة كافية آنذاك لمحاكمته.
بعد كل ذلك، اضطر بن لادن أن يعود لأفغانستان عبر علاقاته هناك، حيث كانت عودته لجلال أباد قبيل سقوطها في يد طالبان. قالت طالبان للسعودية آنذاك أنها ”ورثت بن لادن“ و”منحته اللجوء“ دون أن تعرض تسليمه. كان الرد السعودي لذلك هو أنه بإمكانها الإبقاء عليه، لكن بأن يتوقف عن إصدار بياناته.
وعلى الرغم من تعهد طالبان بذلك، استمر بن لادن بالظهور المعارض.
آنذاك، بخلاف معارضته الواضحة للسعودية وللغرب، كان مقلقاً أكثر أنه يحرض على الإرهاب ضدهما. من ذلك أنه ختم يوماً أحد بياناته بـ: ”نفتي جميع المسلمين بالحكم التالي: إن قتـ.ـل الأمريكان وحلفائهم مدنيين وعسكرين…
فرض عين على كل مسلم أمكنه ذلك في كل بلد تيسر فيه.“ وقد بثت قناة الجزيرة هذا الخطاب.
سافر تركي الفيصل لقندهار في 1998م ليطلب من الملا عمر (أمير طالبان) تسليم بن لادن للسعودية. أبدى مبدئياً إرادته ذلك، ولكنه تحجج بالإشكالات الشرعية في تسليم من أعطى له اللجوء.
لعلاج ذلك، اقترح الفيصل إنشاء لجنة شرعية مشتركة من كلا البلدين لتقدم المباركة الشرعية للملا عمر بتسليم بن لادن.
رغم إبداء الملا عمر موافقة مبدئية لذلك، تراجع وأنكر تماماً في الاجتماع اللاحق أي التزام، بل وشرع بالتهجم على السعودية والولايات المتحدة.
رداً على ذلك، سحبت السعودية القائم بالأعمال في كابول، وقطعت علاقاتها بأفغانستان، ونشّطت من اتصالاتها بالفئات المعارضة لطالبان.
في العموم، أصبحت طالبان منبوذة على المستوى الدولي، ومن ذلك أن الأمم المتحدة مررت في 1998م قراراً هدد بعقوبات عليها.
كان ذلك في عمومه بسبب إيوائها لإرهابيين، وانتهاكها حقوق الإنسان، وترويجها المخدرات، ورفضها مبادرات الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار.
بالإضافة لذلك، كسبت غضب عالمي جديد بتفجيرها تمثالي بوذا الثمينين في 2001م، وأيضاً، أغلقت مستشفى إيطالي بالغ الأهمية في كابول لاعتبارات شرعية واهية.
بعد ذلك، ورداً على ضغوطات أحمد شاه مسعود وتقدماته، رتبت طالبان عبر القاعدة اغتياله عبر انتحاريين تنكروا كصحفيين بلجيكيين.
وبالتأكيد، 11 سبتمبر 2001م كان موعد الحدث المحوري في هذه القصة، وهو عندما وصلت جرأة بن لادن لما سيلقي حتفه بسببه.
حاولت ابتداءً طالبان التنصل عن المسؤولية، وادعت أن القاعدة، المستضافة على أراضيها، غير مسؤولة عن الهجوم. ولكن، بالطبع، لم يقتنع المجتمع العالمي بأيٍ من ذلك. بعد حوالي شهرين من الهجوم، استطاعت أمريكا وحلفائها أن تنهي طالبان بسيطرتها على كابول في 13 نوفمبر.
حول الوجود الإخواني في السعودية بعد اضطهاد جمال عبدالناصر لهم، ومدى التحور الديني الداخلي في السعودية وتأثيره على المجتمع:
✦ تمّت.

جاري تحميل الاقتراحات...