32 تغريدة 33 قراءة Jan 29, 2022
A thread:
النّظام الاقتصاديّ في الإسلام: الزّكاة أنموذجًا
عطفًا على الأوضاع الاقتصاديّة وكسادها الحاليّ في ظلّ جائحة كورونا فمن الضّرورة بمكان الإشارة لانبهاري من مِقدار الكَمال والاكتمال بالنّظام الاقتصاديّ في الإسلام عمومًا وجزئيّة الزّكاة فيه على وجه الخصوص، وصلابته ومتانته أمام الظّروف مهما كانت.
عند دِراسة النّظام الضّريبيّ الحاليّ ستجده يُحاسبك على ما يدخل حسابك ويقتطع نسبة منه، لكنّه لا يحاسبك على أيّ شيء جمعته في الماضي.
بمثالٍ بسيط، يُمكن أن يمرّ أحد الأعوام ويدخل عليك عشرة آلاف مثلًا، فيتمّ الاقتطاع منهم بشكلٍ شهريّ أو سنويّ فقط. وبعد الاقتطاع لن تُسأل عن أيّ مبالغ "فائضة عن حاجتك" ولن تُطالب بأيّ "مسؤوليّة مجتمعيّة".
أمّا عند مراجعة النّظام الاقتصادي الإسلامي (بند الزّكاة، وكلامي هنا عن زكاة المال) ستجد أنّك لن تدفع أيّ نوع من الضّرائب بشكل شهريّ، لك أن تُخرج بعض المال على شكل "صدقة" من طيب نفسٍ لا أكثر، وأنت غير مُلزم بها أساسًا.
في حين سيتمّ محاسبتك على المبالغ "المتراكمة" والّتي كنزتها عندك، فعند مضيّ عام هجريّ عليها ستدفع ما نسبته 2.5% منها (أو من قيمتها) كنوع من "المسؤوليّة المجتمعيّة" وحقّ للفقراء بها.
هنا مربط الفرس وهذه هي النّقطة الأساسيّة في كلّ النّظام الاقتصاديّ الإسلاميّ، إذ أنّ الإسلام يَجبُ ألّا يُعامل معاملة الدّين التعبّديّ وإنّما معاملة النّظام المتكامل من دينٍ ودُنيا، وهو بدوره لا يُعامل النّاس بالمفهوم الحديث "للدّولة" وإنّما بمفهوم "المجتمع/الأمّة".
إذ أنّ هناك فرقًا كبيرًا بين الزّكاة والضّريبة والحديث عنه يطول، لكن ولاختصار الكلام بإمكاننا إدراك الفرق الأساسيّ بينهما بإدراك البيئة التي سَنّت وأخرجت كلّ واحدة منهما: المجتمع والدّولة.
يقول ثوماس بين: «إنّ المجتمع هو حصيلة التّنظيم العقلانيّ لحاجاتنا، أمّا الدّولة فهي حصيلة اجتماع رذائلنا».
من المُلفت هُنا أنّ كثيرًا من اعتراض الليبراليّين حديثًا وحتّى قريش قديمًا لم يكن على العبادات في الدّين، وإنّما على المنظومة ككلّ، إذ لا مشكلة لديهم من تحويل الإسلام إلى "دينٍ تعبّديّ فردانيّ" بلا أيّ مسؤوليّات مجتمعيّة.
رجوعًا لموضوع الزّكاة، فهناك أهداف كثيرة لها أهمّها تطهير وتزكية النّفس، فاسمها "زكاة".
أمّا الهدف الاقتصاديّ الأساسيّ -برأيي- هو استمرار دورة المال والحفاظ على نوع من الحركة الماليّة في الأسواق ومنع الرّكود والكساد الاقتصاديّ حتّى في أسوأ الظّروف الاقتصاديّة، وتحقيق نوع من الاستقرار الماليّ لأفراد المجتمع جميعهم على مدى طويل.
وكأنّك كصاحب مال لا تملك إلّا خيارًا من إثنين: إمّا تقوم بتحريك مالك -والمال مال الله- وتزيد من أرباحك وتخرج زكاة عنهم وعن أرباحك منهم وتستفيد أنت والمجتمع من الحركة الماليّة في السّوق، أوّ تقوم بكنزهم لكنّك ستدفع سنويًّا 2.5% منهم والزّكاة "ستأكلهم" خلال عدّة سنوات.
يمكنك النّظر للموضوع على أنّه win-win situation
حسنات هذا الأمر بالإمكان ملاحظتها عند رؤية الكساد الاقتصاديّ الحاصل نتيجة خوف أصحاب الملايين والمليارات عليها، وفي عالم رأسماليّ استهلاكيّ بإمكان شخص واحد يملك عدّة شركات أن يخلق كسادًا كافيًا لهدم اقتصادات بلدان كاملة!
ذُكرت الزّكاة في القرآن الكريم بشكل ملازم للصّلاة، وذُكرت أحكامها بالتّفصيل في كلٍّ من القرآن والسّنّة من باب تثبيت أحكامها لكلّ زمان وغلقًا لباب الاجتهاد بها.
وعند التّأمّل أكثر في تفاصيل أحكامها ستجد أنّ فائدتها تقع في الحكمة مِنها، لا بها كمبلغ مجرّد من المال دفعته ورميت بثقله عن كاهليك.
يرى الفقهاء أنّ الأصل بالزّكاة أن تُدفع لشخصٍ فقير غير مستطع وأن تقضي حاجة ما له، فأن تدفعها لأحدهم وتحُلّ له مشكلة أو تفرّج عنه ضيقًا خيرٌ بكثير من أن تقسّمها على أكثر من شخص وتحوّلها لمبالغ صغيرة لا فائدة منها.
الحكمة هي خلق نوع من التّوازن والاكتفاء في المجتمع، خصوصًا عند الطّبقات المسحوقة.
وحتّى عند النّظر فيمن تُدفع الزّكاة لهم ستجد حِكمة أخرى تتلخّص بخلق نوع من التّوازن المنضبط في نواة المجتمع، وهي الأسرة (الممتدّة منها)، ومن ثمّ الانتقال لنشر هذا التّوازن في المجتمع/الأمّة. فيفضّل دفعها بالتّدريج للقريب ومن ثم للغريب، وللمسلم وإن زاد تُدفع لغير المسلم.
قال ﷺ: «لَا حَقَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ».
الأبواب التي تصرفها بها الزّكاة جاءت مفصّلة في الدّين، ولا يجوز دفعها لغنيّ أو حتّى لفقيرٍ قادرٍ على العمل (ويجد الفرصة) ولا يجوز حتّى دفعها للمساجد.
باب صرفها واضح وهو المحتاجين من المسلمين، والحِكمة هي سدّ حاجة للمحتاج. ولذلك كان الأفضل إعطاؤها كاملةً لشخصٍ واحد لا تقسيمها على أكثر من شخص، وأن تعطيه إيّاها على شكلٍ مالٍ لا شيء آخر.
في الوقت الحاليّ أعتقد أنّ فتح مصلحة ما لمتضرّر أو دفع قسط جامعيّ لمتعثّر أو التكفّل بعِلاج لمعسر هي من أفضل أوجه صرفها، والله تعالى أعلم.
وكون الزّكاة بند إسلاميّ فالكلام هنا عن أصحاب الأموال من المسلمين. تجدر الإشارة لنقطة مهمّة، من الممكن لأصحاب الأموال أن يكونوا غير مقتنعين بهذا الكلام خصوصًا من منظور اقتصاديّ لا اجتماعيّ، وفي ظلّ نظام ماليّ رأسماليّ لا إسلاميّ.
لكن الإسلام عندما وضع القواعد لبناء المجتمع/الأمّة وضعها قواعدًا سليمة، وعدم قناعتك سيكون ناتجًا عن سببين: الأوّل رواسب رأسماليّة في عقلك الباطن والّتي غيّرت من نظرتك للمال وحوّلته من وسيلة إلى غاية، والثّاني طبيعة فهمك لموضوع "التملّك" والفرق بين الجوهر والمظهر في الإسلام.
في الواقع، يُنظر للمال في الإسلام وكأنّه ليس بملكٍ لك، فالمُلك لله وحده. المال الذي بين يديك "دوره" الآن معك، وبمرحلة ما يجب أن ينتقل إلى غيرك، وكأنّك لديك رصيد يزيد وينقص وليس بالضّرورة أن يكون رصيدك دائمًا بالموجب، فما بالك بجعله رقمًا كبيرًا ضخمًا؟
قال ﷺ: «يقول ابن آدم: مالي! مالي! وهل لك يا ابن آدم من مالك إلّا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأمضيت؟!».
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ فَرَضَ فِي أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ أَقْوَاتَ الْفُقَرَاءِ، فَمَا جَاعَ فَقِيرٌ إِلاَّ بِمَا مُتِّعَ بِهِ غَنِي، وَاللهُ تَعَالَى سَائِلُهُمْ عَنْ ذلِكَ».
مشكلتنا -كمسلمين- والّتي أثّرت بموضوع الزّكاة للدّرجة الّتي ترى الأغلب يتهرّب منها هي بعدم فهمنا للحكمة وراء كلّ شيء في النّظام الإسلاميّ بسبب وجود أزمة هُويّة كبيرة لدينا.
إضافة إلى أنّ الانفتاح على عالم رأسماليّ استهلاكيّ وطبيعة الحياة في ظلّ هكذا نِظام أسهما بشكلٍ كبير في خلق فجوة بين العبد وربّه، خصوصًا في مجال السّعي والرّزق.
الكَمال في النّظام الاقتصاديّ الإسلاميّ يظهر عند مقارنته بالنّظام الاقتصاديّ العالميّ الحاليّ وحال توزيع الثّروات فيه، ويظهر أكثر بمجرّد النّظر إلى "أشباه" الأنظمة الاقتصاديّة عندنا وتخبّطها في هذه الظّروف.
عُدّ كلامي فقط من باب «وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ».
لا أنكر تحسّس النّاس من أيّ شيء إسلاميّ، فلا تتوقّع أن يعود هذا النّظام الاقتصاديّ. لكن وبالوقت نفسه لن تستطيع إنكار كماله وصلاحه خصوصًا عند مقارنته بالوضع الحاليّ. والله المستعان.

جاري تحميل الاقتراحات...