ثمانية
ثمانية

@thmanyah

11 تغريدة 32 قراءة Jan 28, 2022
بعد أن طغت الرسمية على خطاب الإعلاميين الموجه للجماهير عبر شاشات التلفاز، جاء الإعلامي ديف گاروي في الخمسينيات، ليكسر القاعدة ويتوقف عن استخدام عبارة «سيداتي سادتي» الشهيرة. فاختار الحديث كأنه يحادث صديقًا بجانبه. وقابل الجمهور هذه الحميمية في البثّ بالمثل.
يستوقفني الكثير من الغرباء في الشارع ويخاطبونني وكأننا أصدقاء قدامى، يعلّق گاروي. عام 1956، سمّى الباحثان دونالد هورتون وريتشارد وول هذه الحالة التي يخلقها الجماهير مع المشاهير بـ«العلاقة التعلقية»، وتنشأ لأننا نقضي أوقات المشاهدة في بيئاتنا الخاصة كغُرفة المعيشة.
لم يعرف الباحثان أن المستقبل التقني سيساعد المشاهير على تحطيم غرفة المعيشة واقتحام باقي غرف منازلنا، لنقضي معهم أضعاف الوقت الذي كنا نقضيه سابقًا، ويمتدّ جلوسنا معهم إلى غرف النوم والمطابخ والسيارات وقاعات الدراسة.
أتاحت لنا وسائل التواصل مشاهدة عشرات الساعات لأشخاص لم نقابلهم قط! ومثلما تتطور العلاقات بين البشر، ولأنك قررت عمدًا متابعة حياة ذلك المشهور وتقاسم أسعد لحظات حياته معه، ستشعر أنك تعرفه، ويتشكّل شعورك الطبيعي تجاهه… شعورًا قد يكون «التعلّق»!
ما الضير أن تفرح لفرح المشاهير وتتعاطف مع مصائبهم؟ يراها الباحث ديڤد گيلز مشاعر طبيعية ما لم تؤدي إلى أفعال مؤذية. إلا أنّ الضير الحقيقي أن هذه العلاقة التعلقية لم تعُد عرضًا جانبيًا، بل أصبحت الطبق المفضّل لدى الجمهور الذي يتنافس معظم المشاهير في تقديمه لهم اليوم.
في الماضي اقتصرت الشهرة على الموهوبين وأصحاب المهارات، واليوم لا يحتاج المشهور إلى تقديم أي شيء مبهر. أكثر ما يحتاجه قناعٌ ودودٌ وتحية ثابتة ولقبٌ حميميٌّ يطلقه على جمهوره ليعزز العلاقة التعلّقية… فيناديهم بـ«الأصحاب» أو «الشِلّة» أو «جيش فلان».
كثيرًا ما يطلب المشهور أمورا تُسمى في عالم التسويق «Call to action»، كالضغط على زر الإعجاب والاشتراك في القناة وشراء منتجات معينة، وهذا حقٌ مشروع. لكنّ المشكلة أنّ المتابِع لا يشترك ويشتري بهدف دعم المحتوى بالضرورة، بل عربونًا لصداقةٍ تُشبع حاجته في أن يُحِبّ ويُحَبّ.
يُفرض هذا النوع من العلاقات على صانع المحتوى لأن الجمهور يريده ويتابعه باهتمام، ومنصة مثل سناب شات وغيرها صُنعت حصريًا لهذا النوع من المحتوى. لا نستطيع لوم الجمهور -أيضًا- لأن السواد الأعظم منهم «أطفال»!
نتذكر مرحلة الطفولة، وكيف كنّا نصدّق جميع القصص ونتأثر بشخصيات الرسوم المتحركة ونتمنّى العيش معها. فإذا كانت العلاقات التعلقية تحديًا للبالغين، كيف نتوقع من طفل أن يقاومها بوعي، ويعرف أن هذا المشهور ليس صديقه، وأن الحياة الوردية التي يُظهرها ليست حياته الحقيقية؟
لم يكتف الأطفال بالعلاقات الخيالية مع المشاهير، بل أرادوا تكوين علاقاتهم الخيالية الخاصة مع جمهورهم، فأصبحوا يتحدثون إلى الفضاء! جرّب أن تبحث في يوتيوب عن كلمة «vlog» وعدّل الخيارات حتى تظهر لك النتائج الأحدث، واستمع لأطفال يطلبون الاشتراكات و«اللايكات» من جمهور غير موجود!
أسوأ نتائج هذا الموقف ليس التنمر الذي يواجهه أولئك الأطفال فحسب، بل أن ينجحوا في سعيهم للشهرة. فكيف ستكون حياة طفل في التاسعة يكوّن جمهورا بالآلاف ويُغرق يوميًا بالتعليقات المُحبة والكارهة؟ وكيف سينشأ ويعيش علاقاتٍ مستقرة وهو الذي اعتاد أن يوصف بأجمل الألقاب على الدوام؟

جاري تحميل الاقتراحات...