ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

30 تغريدة 144 قراءة Jan 24, 2022
ما أحلاها من طائرة ورقية، سأجمع من المال ما يفي بثمنها، نحت الصخر ودبر الثمن، اشتراها وفككها، أدرك ما بها من أجزاء وحيلة، واستعان بالنخيل وسعفه لصناعة ما يماثلها، صنع مثلها الكثير، وباعه بنصف الثمن، ذلك مشهد من طفولة ملياردير سعودي يمتلك حاليا صفرا من الأموال!!!
#حياكم_تحت
الجميع يتأهب للرحيل، الإبل في الانتظار وقد حُمِّلت بحمولة قليلة هي كل ما يملكونه، وفي حين اختار لأبنائه أن يمتطوا الراحلة، اختار الأب لذاته السير ورائها، تمضي العائلة جميعها في سكون الليل، القمر بدر ينير الدرب، والأمل يحدوا بهم جميعا أن يصيروا إلى شيء أفضل مما هم عليه من فقر وعوز
بعد ساعات من انطلاقهم من البكيرية وصلوا أخيرا بريدة، حيث سيستقلون منها إحدى السيارات النادرة حينذاك المتجهة إلى الرياض، على الطريق تزاحم الصحراء النظر، ومعها تتزاحم صور شتى من الأمنيات والأحلام شديدة البساطة.
حطت رحال الأسرة في الرياض، فيما بيت اكتراه الأب كان في الانتظار، نزلوا به ولم يستغرقوا كثير وقت للراحة حتى انطلق الأب يعرف أبنائه على المكان، زحام وناس كثر ومبانٍ فارهة في نظره لم يعهدونها، الكل ينظر بانبهار المستكشف الأول، فيما سليمان يتأمل البائعين المتراصين في الأرجاء.
يلتحق الأبناء بالمدرسة، وبعد فراغهم من يومهم ينطلقون وراء الابل يجمعون ما يقع منها من حطب ومن روث، ثم يبيعونه أو يستخدمونه للتدفئة وطهي الطعام، وفي أيام الخميس والجمع، يمارسون أعمالًا أجدى مثل الطبخ والبناء والسقاية، أما سليمان فقد ترك المدرسة كليًا سعيًا وراء فكرة مبتكرة خطرت له
بجوار قصر الحكم في الرياض البائعات متراصات يبعن السمن والاقط، اختار سليمان لنفسه ذات المكان، لكنه اختار أن يبيع القاز، لم يعقه عن ذلك رائحته النفاذة التي تشتبك ببائعه فيصير منها وتصير منه، لم يعقه ثقل التنكة وهو الطفل الصغير، كان يجني قرشًا ونصف، ويشاركه أسرته طعامًا وهذا ما يهم.
لقد صنعه أبوه على عينيه، اشبعه من التربية والشعور الديني والحزم ما جعله يتصدى للمعيشة وهو بعد دون العاشرة، تقسو الحياة ومعها يفر الفتى وإخوانه لا إلى الاستسلام والاختباء، ولكن إلى مزيد من العمل والجد، قرش على قرش ويوم بعد آخر يمضي وذخيرة المال تزداد وبجوارها تنمو الأحلام.
منعته عوائق كثيرة عن الاستمرار في بيع القاز، فاتجه إلى السوق ومارس كل ما يمكنه من عمل، في بعض الأوقات يحرس بضائع التجار لحين انتهائهم من الصلاة، وفي أوقاته الأخرى يعمل في خرف الرطب، وفي أكثر أوقاته كان حمالًا يقطع الفلوات والمسافات الطوال ليوصل حمولته لمقصده.
ذات مره كلفه أحد التجار بواحد من الأحمال الثقيلة ودله على وجهته، كان الحمل "أكباد حشوان"، حملها الفتى على كتفه وسار بها مسافة امتدت لأكثر من ساعة، وعلى طوال سيره ظلت دماء الأكباد تتساقط عليه، حتى وصل إلى وجهته وقد صارت ملابسه وجسده النحيل ملطخًا بالدماء، هال صاحب الحمالة ما رآه!!
فعرض عليه أن يأخذ ثوبه ليغسله له، أو في المقابل يزد له أجره من نصف قرش إلى ثلاثة أرباع، اختار الفتى الربع قرش الزائد على أن يتكفل هو بثوبه، وبالفعل مضى في ذروة برد الشتاء وعلى يمينه كانت إحدى المزارع، اقترب من بئر الماء بها وتكفل بغسل ثوبه، في حين جسده الهزيل لا يتوقف عن الرجفان.
تدبيره الشديد على مدى سنوات؛ ضمن له مبلغًا قارب الـ 400 ريال، كانت أمه مريضةحينها، فالمحت له رغبتها في بعض اللحم والخبز، ركض إلى السوق واشترى ما تمنته وطبخه وقدمه إليها، كانت السعادة تتقافز من قلبه واستحال يومه الأفضل في حياته، كونه امتلك مالًا واستطاع تلبية أمنية ما لأمه❤️
بعد الانتهاء من تناول الطعام مع أمه، باح لها بما استطاع تدبيره من مال على مدى السنوات الماضية، ازداد حبور الأم بابنها وشملته بدعائها الوفير، وقد اقترحت عليه دكانًا صغيرًا في الطريق الرئيس في حي المربع، يبيع فيه الطحين والشاهي والسكر والحلوى، وقد كان.
تميز في هذه التجارة وأصبح يجيء ببضائع حصرية من البحرين لا يبيعها أحد سواه، وبعد عامين من افتتاحه أي عام 1945 وجد نفسه أمام ضائقة مالية بسبب زواجه، واضطر آسفًا لبيع دكانه، ليعود من جديد إلى نقطة الصفر، لكن هذه المرة أصبح يعول زوجة وفي الطريق إليه أبناء.
كله من العرس🤦🏻‍♂️
كان صالح الشقيق الأكبر لسليمان ضمن أربعة إخوة هو الثالث بينهم، قد شق طريقه منفردًا في جدة، حيث وجد فيها سوقًا رائجة وربحًا وفيرًا نظرًا لكثرة الأجانب المارين عليها للحج والعمرة، حيث عمل الرجل في الصرافة المالية وتبديل العملات وإيصال الطرود والأمانات.
بعدما نمى إليه خبر أخيه وخسارته دكانه، أرسل في طلبه، لم يكن بد من سليمان إلا أن لبى دعوته، وصل جدة عام 1945 وهي حينذاك عامرة بالتجارة والسعي، حيث انضم إلى أخيه صالح في صرافة الأموال، ولم يكتفِ بذلك بل مارس أعمالًا أخرى مثل تجارة الأقشمة ومواد البناء والأقفال.
أما الطرود البريدية والأمانات، فمن أجل الاقتصاد في النفقات وتوفير مكسب أكبر عمد إلى حملها على ظهره، قاطعًا بها مسافات طوال بلغت العشر كيلومترات وصولًا للمطار، ويومًا بعد يوم تطور عمله وكثرت مكاسبه من شتى ما يمارس من أعمال، وتلاقى أخيرًا مع بعض الرخاء.
بعد أحد عشر عاما من العمل في جدة في الصرافة وغيرها وفر مبلغًا يفوق 100 ألف ريال، عرض على أخيه افتتاح صرافة مشتركة عام 1957، فوافقه صالح، وضع هذا مبلغه كاملًا ووضع صالح مبلغا مماثلا وبدأت رحلتيهما مع المال تنمو وتطرد، كل هذا انطلاقًا من دكان صغير أسفل مسجد عكاش في جدة.
بعد نحو 14 عامًا من هذا التاريخ، تحديدً عام 1971 وبعد نجاحات كبيرة وتوسعات في مجالات أخرى كالعقار ونمو هائل لمشاريع الأخوين على كافة الأصعدة بدفع من اقتصاد المملكة المنطلق حينذاك، ارتأى الأخوان أن يفضا الشراكة، وذهب كلًا منهما في اتجاه إنشاء شركته الخاصة.
أنشأ سليمان مؤسسة تحمل اسمه، وافتتح كثير من الفروع، لكنه أحجم عن الرياض كون أعمال أخيه صالح تركزت بها، احترامًا ووفاء لما بينهما من أواصر أخوية، تلك الأواصر عادت إلى رشدها وازدهارها حيث التئم الشمل باتحاد مؤسسي جديد لا بين الأخوين بل بين الأخوة الأربعة عام 1978.
ذلك الاتحاد لم يكن إلا مؤسسة الراجحي للصرافة والتجارة التي صارت اليوم ملء السمع، حيث فوض الإخوة أخيهم سليمان ليكون على رأس العمل، وتوالت الإنجازات لهذه المؤسسة المصرفية العريقة، حيث قادت قاطرة الصيرفة السعودية في زمنها الأول، ووصلت بها اليوم إلى ما هي عليه من تمكن وقدرات.
يعد مصرف الراجحي حاليًا من أهم البنوك الإسلامية في العالم بإجمالي أصول بلغ 307 مليار ريال سعودي (80 مليار دولار أمريكي)، وبواقع 500 فرع داخل المملكة العربية السعودية، فضلًا عن امتدادات دولية في كل من ماليزيا و الكويت والأردن.
لم يكن المسير إلى كل هذه النجاحات أمرا يسيرًا، بل كان طريقًا في مفروشًا بالأشواك والتحديات الجمة، ووسط كل الفقر المدقع الذي عاناه سليمان وإخوته وجيل جيلهم، إلا أنهم صنعوا فرصتهم وارتقوا معها إلى أعلى، وبين أيام خلت كان القرش لهم أجر يوم كامل، هكذا شاء الله لهم أن يكونوا اليوم.
لم يتنكر هؤلاء لماضيهم بالصمت أو الإخفاء بل كان لهم نقطة فخر واعتزاز ينطلقون منها لإعالة الفقراء والمحتاجين وتقديم كل ما يستطيعونه من مساعدات ومشاريع لدعمهم والأخذ بأيديهم إلى ضفاف آمنة من الحياة، عبر جهود مؤسسية مصممة بدقة لمساعدة حقيقية تنتشل كل محتاج من وضعه إلى ظروف أفضل.
سيسأل المرء عن ماله: من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ كان هذا سؤالا مركزيا في فكر سليمان، دفعه إلى العمل على تعظيم الإنفاق وتكثيره بحيث يكون أثره أبلغ وفائدته أعم، لذلك عمد عام 2001 إلى إنشاء مؤسسة تضم شتات أوقافه الكثيرة التي وقفها منذ بداية عمله، فكانت مؤسسة سليمان الراجحي الخيرية.
لم يكن ذلك كافيًا بالنسبة للرجل، وبعد أن تصارعت في عقله كثير من الأفكار، بزغت في نفسه شمس فكرة أزاحت غيوم الشك جانبًا، وجعلت سماء حياته صافية رائقة، كانت الفكرة هي تحويل ثروته إلى شركة قابضة، ملاكها هو وورثته، ونصيبه فيها يذهب (كله)! إلى الوقف.
ترددت الفكرة في نفسه أكثر وتطورت إلى جعلها حقيقة على مرأى حياته، دون انتظار وفاته، مضى الرجل في تنفيذ فكرته بعد استشارة كل من حوله من علماء شرع وصولًا للورثة ذاتهم.
في عام 2015 خصص الشيخ سليمان الراجحي ثلثي ماله البالغ 7.4 مليارات دولار للوقف الخيري، فيما الثلث الباقي وزعه على ورثته تبعًا للقسمة الشرعية على سبيل الهبة في حياته، ضمن محددات قانونية وشرعية وعرفية غاية في الدقة والبيان، أما هو فقد خرج من هذه القسمة خاوي الوفاض.
خاوي الوفاض بالحسبة الدنيوية، نعم عاد إلى صفر الثروة، لكنه كان في قمة الأجر والثواب الإلهي بإذن الله، لقد انزاح عن صدره هم ثقيل كالجبال حسب وصفه، وبعد عامين من ذلك التاريخ وحسب تصريح له، استرد الوقف ما اقتطع للأبناء من الثروة، عبر مكاسب ضخمة له، حيث وصل الوقف إلى 60 مليار ريال.
في ذروة نجاحه وتحليقه في سماوات الثراء، لم ينس الراجحي ما صدر عنه من أصل وما شقه من طريق، لذلك تكرر ارتداؤه إحدى أثوابه القديمة زمن فقره، كي يذكر ذاته بنعم الله عليه، وكي لا ينسى الفقراء والمساكين من الصدقة والتبرع، وهو ما كلله في آخر عمره بذلك الوقف الذي يعد الأكبر في العالم.
إذا ما جئنا لنقارن ذلك الرجل بأثرياء العالم ممن يتبرعون مثل بيل جيتس فسنجد أن الأخير قد تبرع بالكثير، لكن مع كل التقدير لبذله؛ فإنه تبرعاته خالطتها أسباب حسابية تتعلق بتسهيلات ضريبية ونحو ذلك، أما الراجحي فقد انطلق في وقفه من نوايا شديدة الإخلاص والصدق، مبتغيا وجه الله.

جاري تحميل الاقتراحات...