منصور الحذيفي
منصور الحذيفي

@mansour1917

12 تغريدة 70 قراءة Jan 24, 2022
ما زلت أذكر جدتي.. شعرها المضمّخ بالحناء، قناعَها العابق بالريحان.. أثرَ السنين على وجهها الحنون، نظرةَ الإصرار والعزيمة من عينيها.. ما زلت أذكر تفقّدها لنا ونحن نيام، أو ونحن نتظاهر بالنوم فنُسارقُ النظر إليها ونحن ننعم بلمستها الحانية ونستقي من نهرها الدفاق بالحب والرحمة..
=
جدتي تلك الصوّامة القوّامة.. التي -على ما في سمعها من ضعفٍ شديد- استيقظت ليلةً عند الثالثة فجرًا وهي تسائلُنا نحن الصغار: من الذي أيقظني وناداني: فاطمة.. يا فاطمة؟ ولم يأخذها استغرابها عن قيامها، وكأنها على موعدٍ لا تستطيع أن تُخلفه!
=
جدتي التي كانت معي على سفر، في ليلة هي قمرها، حتى إذا توقّفنا في محطة وقود أسدلت جلبابها على وجهها الثمانيني، فلما قلت لها في ذلك.. قالت: أعلم أنني كبيرة.. لكن الستر يا ولدي ما مثله شيء!!
جدتي التي كانت من أجلنا ترفع يدها عن الزاد وهي تشتهيه
=
وتُهدي أرواحنا أعذب أبياتها منغّمةً بصوتها، على وقْع انصبابِ القهوة في جلساتِ الأُنس تلك.
ما زلت أتملّى وجهها الماثل في خيالي، ولا أدري لماذا أتذكرها الآن..بلى تذكّرتُ.. لقد استيقظتُ من قيلولةٍ قصيرة أمسِ فإذا بوجهها أمامي..هكذا بلا مقدماتٍ ظاهرة، لا شيء إلا حبٌّ لها يملأ قلبي
=
وبارقةُ ذكرى تتعاهدني لعلها من كرامة تلك المرأة المتبتّلة؛ أن يسخّر لها الله ما يذكّر بها على تطاول السنين وبُعد العهد، فندعو لها ونذكر كريمَ سجاياها.. رحمةُ الله على تلك النسمة الطاهرة، والرأفة الغامرة، وعلى أمواتنا وأموات المسلمين أجمعين.
توفيت -رحمها الله- في شهر شعبان من عام ١٤٢٩هـ، فقلت في رثائها:
ومضت بصمتٍ، مثل مرّ الشهب في الأفْقِ البعيدْ
ومضت كومضِ البرق وانطفأت وشعت من جديدْ
ومضت، وصاح الرعدُ، سال الدمعُ، لم تخضرَّ بيدْ!
وغدتْ بناتُ الفكر سكرى فوق أوراقي تميدْ
وترنّحتْ لغةُ البيان وغصّ في الحلق النشيدْ
=
مذ فارقتْ عيناي عينيها تبدّت في المنامْ
وتجدّدتْ في القلب ذكراها بإقبال الظلامْ
وتمثّلتْ لي طائراً أبداً يحلّقُ للغمامْ
والشهر فارقها فلم ينعمْ بصاحبة الصيامْ
وتلا عليها القبرُ مغتبِطاً تراتيلَ الختامْ
=
دعْ ما يناغي الشعرَ يا قلمي وسر نحو المدى
وإذا تمنى القلب أمنيةً فقل : ذاك الردى
وإذا تخطّفك الضلال فَلُذْ بأسباب الهدى
واصبرْ فما من نائحٍ إلا وجاوبَه الصدى
واجمعْ أنينَك في الدعاء ترَ الأنينَ مُبددا
=
القلبُ بعد معينها الدّفاق أصبح كالقليبْ
كالأرض بعد الحرب، كالأطلال فارقها الحبيبْ
كالعود غادر طيرُه، ما عاد ذا الغصنُ الرطيبْ
والغرفة الثكلى وكرسيٌّ حزينٌ كالغريبْ
وبقيةُ الأشياء - تبكيها.. وريحانٌ وطِيبْ
=
كالشمس كانتْ، ثم غابتْ مثلها عند الغروبْ
وعلى الطريق تمددتْ، ترتاحُ من تَعب الدروبْ
يبكي العفاف مماتَها في غمرة الدنيا اللعوبْ
ويغار منها السترُ، يصغر عند مرآها، يتوبْ
وتظلُّ تحت قناعها جسداً تُناوشه الكروبْ
=
شتّان بين مضائق الدنيا وذيّاك المكانْ
والسجن إذ تشتد قبضته ستتسع الجِنانْ
وبقدر خوفك ها هنا يزداد في الأخرى الأمانْ
وهناك تعلم حجمَ دنيانا وحجمَك في الزمانْ
وإذا القضيةُ أشكلتْ فالموتُ أبلغُ ترجمانْ
=
وهنا وقفتُ مُسائلاً نفسي، ستمضي بي الحياة
مُتعللا بالذكريات، ومُثخناً بالذكريات؟!
سيغيبُ وجهُ حبيبتي عني لأحيا في الممات؟
أرسلتُ آخر نظرةٍ، وحثوتُ بعد مع الحثاة
ودعوتُ أرحمَ من عفا، وأحقَّ من منح النجاة
وذهبتُ لا بمودِّعٍ : إني غداً يا قوم آت!
انتهت.

جاري تحميل الاقتراحات...