﴿وهو الذي جعلَ لكم النُّجومَ لِتَهتَدوا بها في ظُلُماتِ البَرِّ وَالبَحرِ قد فصّلنا الآياتِ لقومٍ يعلمون وهو الذي أَنشَأَكُم مِن نَفسٍ واحدةٍ فمُستَقَرٌّ وَمُستَودَعٌ قد فصّلنا الآياتِ لقومٍ يَفقَهونَ﴾ [الأنعام: ٩٧-٩٨]
ما سر اختلاف الفاصلة في الآيتين بين "يعلمون" و"يفقهون"؟!
ما سر اختلاف الفاصلة في الآيتين بين "يعلمون" و"يفقهون"؟!
جاءت الفاصلة في الآية الأولى بـ"يعلمون" بعد آيات نبَّهت على معرفة الله ﷻ، من قوله: {إن الله فالق الحب والنوى} إلى قوله : {وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر}، فكان جميع ذلك دالا على العلم بالله وبوحدانيته وهو أشرف معلوم.
ولا لفظ من ألفاظ: ويعقلون، ويفقهون، ويشعرون، إلا ولفظ يعلمون أعلى منه، ولذلك صحَّت في الخبر عن الله ﷻ ولم يصح فيه سواها، فلما كان المعلوم أشرف المعلومات عبَّر عن الآيات التي نصبت للدلالة عليه باللفظ الأشرف.
وأما ما استعمل فيه «يفقهون» فهو بعد قوله: {وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع}، فأخبر عن ابتدائه الإنسان، ونبه بما أراه من تنقله من حال إلى حال، من عدم إلى وجود، ومن مكان إلى مكان، من صلب إلى رحم، ومن بطن أم إلى وجه الأرض، ومن وجه الأرض إلى بطنها على أنه كما نقل من موت
إلى حياة ومن حياة إلى موت، كذلك ينقل من الموت إلى الحياة ومن القبر إلى المحشر ثم إلى المستقر، لأن الاستيداع في الدنيا والمستقر في العقبى، فنطقت تلك الأحوال لمن يفهمها ويفطن لها ويستدل بشاهدها على مغيبها أن بعد الموت بعثا وحشرا وثوابا وعقابا، وهذا مما يفطن له، فكان الفقه أولى به.
بتصرف من كتاب درة التنزيل وغرة التأويل للخطيب الإسكافي.
جاري تحميل الاقتراحات...