Idriss C. Ayat 🇳🇪
Idriss C. Ayat 🇳🇪

@AyatIdrissa

18 تغريدة 30 قراءة Jan 23, 2022
استمتعت ليلة أمس بكتاب "وُعاظّ السلاطين" -المحرّم قراءته في دول عربية كثيرة-، للعالم السوسيولوجي العراقي، "الدكتور علي الوردي"- هنا مقتطفات جديرة بالتأمّل، يقول الوردي: ثريد
" ينتهز الواعظ الفرصة، فيهتف بالناس قائلاً: إنكم أذنبتم أمام الله فحق عليكم البلاء من عنده. والواعظ بذلك
يرفع مسؤولية الظلم الاجتماعي عن عاتق الظالمين فيضعها على عاتق المظلومين أنفسهم…. وبهذه الطريقة يستريح الطغاة.
فقد أزاحوا عن كواهلهم مسؤولية تلك المظالم التي يقومون بها ووضعوها على كاهل ذلك البائس المسكين الذي يركض وراء لقمة العيش صباح مساء ـ ثم يلاحقه الواعظون بعد هذا
بعقاب الله الذي لا مرد له.
إني أكاد أجزم بأن منطق الواعظ الأفلاطوني هو منطق المترفين والظلمة. فهم يشغلون الناس بهذا المنطق قائلين لهم: لقد ظلمتم أنفسكم وبحثتم عن حتفكم بظلفكم. وبهذا يستريح الظالم لاهيا بترفه وملذاته، بينما يستغيب المظلوم ويطلب الغفران. وهنا يتطبق المثل الدارج
: « أحدهما يحمل لحيته، والآخر يشكو من وخزها"، .وجدت الواعظين ذات مرة وهم يمجدون أحد الطغاة على ما قام به من شدة تجاه اللصوص والسراق. فهو قد استعاد في نظرهم مجد الأجداد واستحق رضي الله ورسوله. لقد نسي هؤلاء الواعظون أو تناسوا تلك اللصوصية الكبرى التي يتعاطاها هذا الظالم المؤمن.
إنه ينهب أموال الأمة ويبذرها على ملذاته وملذات أولاده وأعوانه. والله يؤيده في ذلك طبعاً بزعمهم".
فإذا سرق الفقير درهماً واحداً زمجر الله عليه وزمجرت ملائكته معه. وزمجر معهم الواعظون أيضاً. إن مشكلة الوعاظ عندنا أنهم يأخذون جانب الحاكم ويحاربون المحكوم. فتجدهم يعترفون
بنقائص الطبيعة البشرية حين يستعرضون أعمال الحُكّام. فإذا ظلم الحاكم رعيته أو ألقى بها في مهاوي السوء، قالوا: إنه اجتهد فأخطأ، وكل إنسان يخطىء، والعصمة لله وحده. أما حين يستعرضون أعمال المحكومين فتراهم يرعدون ويزمجرون وينذرونهم بعقاب الله الذي لا مرد له، وينسبون إليهم
سبب كل بلاء ينزل بهم …"
ويقول : "لقد حكم الطغاة البلاد أجيالا متعاقبة. فاعتاد سكانه بدافع المحافظة على الحياة أن يحترموا الظالم ويحتقروا المظلوم وأخذ مفكرونا يصوغون مَثَلهم العليا صياغة تلائم هذه العادة الاجتماعية اللئيمة…"
ويُضيف "…ويبدو لي أن هذا هو دأب الواعظين عندنا.
فهم يتركون الطغاة والمترفين يفعلون ما يشاؤن. ويصبون جل اهتمامهم على الفقراء من الناس فيبحثون عن زلاتهم وينغصون عليهم عيشهم وينذرونهم بالويل والثبور في الدنيا والآخرة. وسبب هذا التحيز في الوعظ، فيما اعتقده، راجع إلى أن الواعظين كانوا، ولا يزالون، يعيشون على فضلات، موائد الأغنياء
والطغاة، فكانت معائشهم متوقفة على رضاء أولياء الأمر ، وتراهم لذلك يغضون الطرف عما يقوم به هؤلاء من التعسف والنهب والترفـ ثم يدعون الله لهم فوق ذلك بطول العمر.
ويُخيّل لي أن الطغاة وجدوا في الواعظين خير معوان لهم على إلهاء رعاياهم وتخديرهم، فقد انشغل الناس بوعظ بعضهم بعضاً،
فنسوا بذلك ما حلّ بهم على أيدي الطغاة من ظلم".
…. يحاول الوعاظ أن يصلحوا أخلاق الناس بالكلام والنصيحة المجردة، وما دروا أن الأخلاق هي نتيجة للظروف النفسية والاجتماعية. إنهم يحسبون الأخلاق سبباً لتلك الظروف، لا نتيجة لها. ولذا نراهم يقولون: "غيروا أخلاقكم تتغير بذلك ظروفكم".
ولو أنصفوا لقالوا عكس ذلك. فلو غيرنا ظروف الناس لتغيرت أخلاقهم طبعاً …"
ويضيف " على الوردي قائلاً" : " ما دام السلطان الظالم محاطًا بالفقهاء وهم يؤيدونه فيما يفعل، ويدعون له بطول البقاء، فمتى يستطيع أنْ يحسّ بأنّ هناك أمّة ساخطة"؟

تعليقي: باختصار شديد، إنّ هذا النص يصدر
عن نقدٍ داخلي في الأمة الإسلامية - وهو نادر- للعالم المسكوت عنه طويلا، والذي يجمع رجال الدين والسلطة، فتمامًا كما كانت البابوية درعًا لظلم المُلوك، كان العديد من رجال الدين دروعًا للحكّام الظالمين، وهذا ما يفسّره الكواكبي بطريقة نفسية نفسانية في كتابه "طبائع الاستبداد"
يُلاحظ
في الكتاب الآتي:
-واعظ السلطان، يبرر جميع الظلم للحاكم الظالم، ويُعطي أقسى الفتاوى في حق المظلوم، لأنّ لقمة عيشه من فضلات الحاكم الجائر، أسمّيهم أنا " تجّار الدين".
- إنّ معظم الوعظ من وعاظ السلاطين لا يُقصد به إصلاح الرعية، بل الغرض منه تخدير المظلوم، كي يرضى بأنّ جميع مصائب
البشرية بلاء من الله بسبب ذنوبه، حتى وإنْ كان اللواط يُمارس كثيرا في القُصور وبين حاشية السلطان الظالم، يقول الوردي.
- إنّ وُعاظ السلاطين، بارعون في تحريف وتزييف الوعي، فبدل من معالجة الظواهر الاجتماعية من جذورها، يفضلون لوم النتيجة بدل السبب. فيقولون "المشكلة في أخلاقكم،
لا في ظروف القهر التي صنعها السلطان"
لقد فهمت أخيرًا لماذا كتب التاريخ الكنسية البابوية، وتاريخ الإسلام يذكر بفخرٍ بعض رجال الدين الذين واجهوا السلاطين والملوك، لأنّ الأغلبية منهم أداة وأعوان للسلطان الظالم. ورجال الدين المقاومون للظلم ندرة في التاريخ ولا يتعدّون عدد الأصابع.
أمّا الرهط الأعظم منهم، كانوا تاجروا بدينهم حتى جعلوا من مصالحهم ومصالح السلطان الظالم مرادفة للدين، فتجدهم يصرخون، وفقًا لتعبير الدكتور على الوردي: " الدّين في خطر، جملة يردّدها رجال الدي، إذا تعرّضت مصالحهم للخطر".
في الختام: ليس غريبًا أنْ يكون هذا الكتاب من الكتب المحرمة
قراءتها في الكثير من دُول الخليج، فإنّه من الأسفار القليلة الخالدة التي تفضح العلاقة المشبوهة بين الحاكم الظالم وتجّار الدين الذين يركنون إلى الذين ظلمُوا. ولدينا -اليوم- العديد من القساوسة وخطباء في أفريقيا يقضون ليل نهار في تزيين أعمال الرؤساء الفسدة، ما يطلب قراءة هذا الكتاب
لفهم ميكانيزمات تفكيرهم.
إدريس آيات- العلوم السياسية- جامعة الكويت

جاري تحميل الاقتراحات...