د. عبدالله الفيفي
د. عبدالله الفيفي

@alfaifawiP

8 تغريدة 9 قراءة Jan 23, 2022
لم يُعرَف عن ابن سينا أنّه من أهل السلوك والتصوف والزهد، بل عرف عنه نقيض ذلك، فهو متحرر كثيراً من التكاليف والقيود، ولكنه كتب في العرفان ما لا يكتبه كبار علماء السلوك، بل إنّه أسس مذهباً في ذلك.
وهذا ما حيّر العلماء وأذهلهم: كيف لهذا الوزير الباذخ معرفة دقائق علم السلوك والعرفان!
وهذا يؤكد بأنّ الفيلسوف البرهاني يستطيع بآلة البرهان أن يصل إلى أعلى مراتب الوعي الإيماني.
ويؤكد أيضاً بأنّ طريق الفلاسفة الذي يعتمد على التجرّد العقلي يوصل إلى أعلى مقامات العِرفان، كما تشير إلى ذلك قصة حي بن يقظان.
وهذا هو موضوع النقاش الذي دار بين ابن رشد وابن عربي.
يتضمن كتاب الإشارات موضوعات فكرية متنوعة تتحدث عن الإيمان بمنظور فلسفي مثل مقامات العارفين وأحوالهم وأخلاقهم وعن العرفان وأسرار الغيب والعلم اللدني ومراتب الوصول للحق وقد ذكر بأنّ الكتاب خاص بالفلاسفة ومن يفهم لغته الرمزية.
شرح الكتاب نصير الدين الطوسي وفخر الدين الرازي وغيرهم.
في الحقيقة، العقل هو مفتاح كل شيء، والعناية بتكميل العقل وتزكيته يعطي الإنسان المعرفة التفصيلية بأشياء لم يمارسها ولم يمر من خلالها.
تام العقل مثلاً يفهم في السياسة وهو لم يمارسها؛ فلا عجَب أن يصل ابن سينا بعقله إلى ثمرة التصوّف والسلوك وهو لم يمارس الرياضات التي يفعلها غيره.
قدم ابن سينا نظرية في التصوف والسلوك عمادها العقل، وغايتها أن تصير النفس عقلاً مجرّداً معايناً لعالم الحق.
وركز على اللذائذ الباطنية المعنوية، التي هي المطلب الرئيسي للكاملين من البشر.
فصاحب الكرامة يؤثر حفظ ماء وجهه على أن يطلب مرغوباً له.
وهذه لذة لا يعرفها السفهاء والحُطَمة.
الطريق إلى أعلى مقامات العرفان عند ابن سينا يبدأ من تصور الأشياء الجزئية ثم المبادئ العليا المفارقة ثم الجوهر الكُلّي وهناك توجد خاتمة المسك، حيث اللذة العليا بجوار الحق تبارك وتعالى.
ويبدأ العارف من تلك المرحلة بتعقّل العالم كله بعد أن يُدرك الحق الأول، بحسب الطاقة البشرية.
يقول ابن سينا بأنّ العارف يبدأ من درجة الشوق إلى الله ثم الإرادة، ثم يترقى تدريجياً حتى يصل إلى درجات تعجز اللغة عن شرحها، ولا يستطيع أن يذكر حاله أو يحدث الناس عنه أو يشرح لهم ما يعيشه؛ لأنه لا يشاهد الحق بالحواس فقط بل يعاينه في سريرته، وما كان كذلك لا يمكن للّغة أن تعبر عنه.
كلام طويله وتفصيل كثير حول مقامات العِرفان ولكنه تميز عن غيره بأن جعل هذا الطريق معتمداً على العقل، وغاية العارف عنده أن يتشبه بالله لا أن يصل إليه فحسب، وقد أسس ما يمكن تسميته (صوفية عقلية)، وهو مع ذلك لم يهمل العمل والرياضة ولكنها عنده تابعة للنظر والتأمل.
رتب @rattibha

جاري تحميل الاقتراحات...