عبدالله المزروع A. Almazroa
عبدالله المزروع A. Almazroa

@Arabian_Wisdom

30 تغريدة 44 قراءة Jan 20, 2022
🏮اللغز الأكبر؟
إذا كانت المنشآت التجارية والمالية الأمريكية تمثل النموذج الرأسمالي في أقصى تطرفه فكيف ولماذا اتجهت مؤخرا إلى تبني بل وإنفاق الثروات في الترويج لتعاليم الووكِزم، الوصف الحركي للماركسية الثقافية، والمتطرفة في معاداة الرأسمالية؟
هذه محاولة لتفكيك ما يبدو محيرا. /١
ذلك النموذج الاقتصادي الذي انتقاه "الآباء المؤسسون" للولايات المتحدة، ووضع أسسه الفيلسوف والاقتصادي الاسكتلندي آدم سميث، نموذج الرأسمالية والسوق الحرة، الذي جعل من الدولة حاميا وخادما للسوق لا العكس، وخضع لقانون العرض والطلب.
وضمِن استقرارا نسبيا عبر تاريخ من الحروب والأزمات. /٢
لقد كان من المدهش حينما قام أحد المبلغين عام ٢٠٢١ بإفشاء قيام شركة كوكا كولا بتنظيم برامج تدريبية إلزامية لموظفيها بعنوان "كن أقل بياضا"، كما أستحدثت ضوابط توظيف وترقية تتخذ من لون البشرة وغيره من تصنيفات الماركسيين الجدد معايير للمفاضلة والمحاصصة./٣
townhall.com
إلا أن الأمر لم يكن حصراً على كوكا كولا، بل استشرى هذا الاصطفاف الأيديولوجي بين كبريات الشركات والمصارف، حتى تحولت إعلاناتها التجارية إلى بيانات فكرية يسارية متطرفة، وتسجيل لمواقف سياسية ودعوة لتعاليم ثورية مجترة من أمعاء الماركسية المهووسة بالتفكيك والتشتيت الفئوي للمجتمعات. /٤
ففضلاً عن تناغم تلك المؤسسات الكبرى في دعمها المالي السخي للجنوح اليساري العولمي المتزايد لدى الحزب الديمقراطي، فقد أصبحت ميزانياتها الإعلانية الهائلة "صدقةً" في سبيل فرض قضايا الصحوة الماركسية (Wokeism)، مثل تأجيج لهيب الشقاق العنصري ليظل هاجسا حيا وتكريس شيطنة البشرة البيضاء./٥
وهذا مثال بل تذويقة طفيفة من بحر الإعلانات التجارية المكرسة لدعوى أن كل النظم التي تقوم عليها الولايات المتحدة تقوم على العنصرية الممنهجة.
إعلان في قمة الإبداع الإخراجي والتمثيلي والتأثيري.
و لي طلب هنا؛ خلال مشاهدتكم لهذا الإعلان حاولوا تخمين البضاعة المعلن عنها. /٦
يستحيل من مجرد محتوى هذا الإعلان التعرف على طبيعة المعلِن أو البضاعة المعلَن عنها، فالمحتوى درامي موجه وليس تجاريا في شيء.
المعلن هي شركة بروكتر آند غامبل، إحدى أكبر الشركات المصنعة للمنتجات المنزلية والتجميلية، مثل
Tide و Pampers وغيرها.
فما الذي ترجوه الشركة من هكذا انهماك؟ /٧
وهذه الأدلجة العنصرية والبروبجاندا العاطفية التي أغلبية مروجيها هم من اليساريين البيض، ما تزال محل إنكار ورفض مئات بل آلاف المفكرين والأكاديميين والكتاب السود كمثل توماس سول (Thomas Sowel) وليري إلدر (Larry Elder) ممن تحيطهم قنوات الإعلام اليسارية بالتعتيم والتهميش المتعمد. /٨
وهذا مثال آخر؛ إعلان "تجاري" تخيلي يظهر عجوزا مع ذريتها تزور قبر أخيها ليتفاجأ الجميع بتجلي روح ذلك الميت الذي يفشي لهم بسره الدفين الذي كتمه عنهم خلال أعوام حياته التي قضاها بينهم، وذلك السر هو شذوذه الجنسي، الأمر الذي تلقته العائلة بالقبول والبهجة.
وذلك برعاية شركة دوريتوز. /٩
لم يقف الأمر عند هذا الحد، ولكن تعداه إلى تسابق الشركات إلى دعم ورفع شعارات منظمات ماركسية تعلن أن غايتها هي هدم النظام الرأسمالي في أمريكا، مثل تنظيم "حياة السود مهمة" وتنظيمات أنتيفا اليسارية التخريبية.
بل ومقاطعة كل من يعلن انتماءه الوطني الأمريكي. /١٠
realityanddenial.wordpress.com
لنعد إلى الوراء قليلا، إلى مرحلة أشرت لها في تغريدات سالفة، مرحلة حيرة الماركسيين، تلك الحيرة التي امتدت نتيجة عدم تحقق ما جزم كارل ماركس بتحققه، وهو أن النظام الرأسمالي بطبيعته سيؤول إلى ثورات عمالية تعم العالم وتسقط كل الأنظمة.
وهذه الحيرة خرّجت عددا من المدارس الماركسية. /١١
كلٌ منها أجهدت نفسها في الإجابة عن أسباب عدم تحقق وعد معلمهم ماركس، ومحاولة تجارب جديدة معدلة، في مسعىً "تقدمي" لا نهائي.
ومن تلك التجارب ما صاغه بينيتو موسوليني رئيس وزراء إيطاليا، فبدلاً من تملك الدولة جميع مصادر الإنتاج وإلغاء الملكية الخاصة، فقد أبقى على الملكيات الخاصة../١٢
.. وجعَل تلك الملكيات الخاصة خاضعة لتحكم الدولة التام.
وذلك من منطلق شراكةٍ بين المؤسسات الخاصة وبين الدولة، من شأنها تقوية جميع الأطراف كما تستقوي الأعواد إذا اجتمعت في حزمة أو ربطة واحدة.
كلمة "ربطة" يقابلها باللغة الايطالية كلمة "فاسيو" (Fascio)، ومنها ظهر مصطلح الفاشية. /١٣
ثم انتقل النموذج الفاشي إلى ألمانيا عبر صديق موسوليني ورفيقه الاشتراكي آدولف هتلر وحزبه: حزب عمال ألمانيا الوطني الاشتراكي.
وهنالك تجلت للعالم بشاعة تلك الاشتراكية الفاشية التي حولت الشعب إلى فئران تجارب وجعلت ألمانيا مختبرا لتجارب إعادة الهندسة المجتمعية بنتائجها الفظيعة. /١٤
هنالك عبر التاريخ لحظات مرت عابرة لم يدرك الأكثرون مدى كونها منعطفات مفصلية.
ومنها أن تشرتشل برغم قيادته الباهرة ومساهمته هزيمة النازية إلا أنه خسر أول انتخابات بعد الحرب.
والخلفية حول ذلك هي أنه بعد الحرب العالمية عاد ليجد نفسه في حرب شعواء ضد المد الاشتراكي في وطنه. /١٥
فبينما كان تشرتشل مشغولا بالحرب كان حزب العمال يتقدم في كسب الشعبية بوعوده بخطة تحول اجتماعية، إلا أنها في حقيقتها تسعى لتحويل سلطات الطوارئ التي تمتعت بها الدولة وقت الحرب إلى سلطات دائمة، تمهيدا لإعادة هندسة مجتمعية أخرى يقوم بها الاشتراكيون.
وهو ما دفع تشرتشل ثمن رفضه له… /١٦
فقد خسر الانتخابات، وهذه من مفارقات التاريخ حيث استعاد الاشتراكيون حكم بريطانيا فور انتهاء حرب دموية ضروس ضد نموذج اشتراكي آخر.
هذا ما جرى في أوروبا، وأما في أمريكا فقد ظهر في ذات المرحلة مجموعة من العلماء والمهندسين التقدميين بجامعة كولومبيا بمدينة نيو يورك.. /١٧
..بعد أحداث الكساد الكبير الذي أصاب الاقتصاد الأمريكي خلال الثلاثينيات من القرن السالف، وقد جمعتهم قناعة بأن الساسة هم سبب كل الأزمات وأن حل جميع المشاكل لا سيما الاقتصادية بيد العلماء والمهندسين ويكمن في إعادة هندسة المجتمعات، وأسسوا ما أسموه بالتكنوقراطية (Technocracy). /١٨
وقد عملوا من منطلق أن النظام الرأسمالي والسوق الحرة يحتضر، وأنهم قد هيؤوا له بديلا يلغي العملات كأساس للاقتصاد.
ولكن مع الانتصار الأمريكي في الحرب العالمية الثانية وعودة الاقتصاد للازدهار فقد تعطلت أجندات الحراك التكنوقراطي ولكنها لم تمت. /١٩
ففي ١٩٧٣ قام الثري الأمريكي ديفيد روكفيلار بمساعدة مستشار الأمن القومي الأمريكي زيبغنيو بريجنسكي وهنري كيسنجر بتأسيس منظمة غير حكومية اسمها "اللجنة الثلاثية" (Trilateral Commission)، تجمع أعضاء من أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا الشرقية، وهدفها إنشاء نظام اقتصادي دولي جديد. /٢٠
وكان دافع روكفلر حماية ثرواته من انهيار النظام النقدي، فتم إنعاش الأجندة التكنوقراطية التي تنبأت بذلك الانهيار. وصاغوا نظاما اقتصاديا عالميا جديدا قائما على الموارد بدلا من النقد.
وليس من المصادفة أن الأمم المتحدة عام ١٩٧٤ أصدرت قرارا بعنوان "تأسيس نظام اقتصادي دولي جديد". /٢١
وكان لهذا النظام الاقتصادي الجديد البديل عن اقتصاد السوق الحر تسميات من أشهرها "الاقتصاد الأخضر" و"التنمية المستدامة"
(Sustainable Development).
ويهدف إلى جعل موارد العالم تحت إدارة نخبة عولمية من الخبراء، مما أدى لمزيد نفوذ لروكفلر، ولأمثاله ممن حملوا اللواء بعده كبيل غيتس. /٢٢
وتطور هذا النظام إلى شكله اليوم الذي بلورته اتفاقية باريس للمناخ وبنود إعادة الضبط الكبيرة التي يشرف عليها المنتدى الاقتصادي العالمي المحاط بحضور ومشاركات أعضاء "اللجنة الثلاثية" التي أسسها روكفلر.
ونشأ ما يسمى معيار البيئة والمجتمعية والحوكمة (ESG Criteria). /٢٣
وهو معيار يعد بمثابة تقييم ائتماني للمستثمرين وللمنشآت التجارية والمالية، يتم في ضوئه منح التسهيلات والامتيازات بحسب تقييم كل منشأة، حتى يصل الأمر إلى حرمان ونبذ المنشآت ذات التقييم الضعيف.
وهنا يتجلى التحول الهائل من النظام الرأسمالي وقواعد السوق الحر.. /٢٤
..الذي يجعل معيار النجاح والفشل نابعا من السوق ذاته من حيث العرض والطلب والربح.
بل أصبح معيار النجاح والفشل يعود لمقررات نخبة عولمية تزداد نفوذا وتحكما، بيدها تحديد الناجحين والفاشلين وفقا لأجنداتها المناخية الإملائية، والأخطر من ذلك أن يكون وفقا لأجنداتها الأيديولوجية. /٢٥
لا سيما من خلال الشق المجتمعي من معيار (ESG).
والقضايا المجتمعية في الغرب اليوم واقعة تحت سيطرة أدلجات الماركسيين الجدد التي اجتمعت لتكوّن حراك الووكزم (Wokeism)، التي تروج دعوى خضوع الأقليات لاضطهاد وعنصرية ممنهجة ومتجذرة في النظام الرأسمالي، وأن كل فئة مضطهدة تعد أقلية. /٢٦
فالسود أقلية مضطهدة من قبل الفوقية البيضاء، والشاذون حنسيا أقلية مضطهدة من قبل فوقية المستقيمين، والمتحولون جنسيا أقلية مضطهدة من قبل فوقية الطبيعيين، والبدينون أقلية مضطهدة من قبل فوقية ذوي الرشاقة، وهكذا حتى لا يبقى من المجتمع مساحة يمكن تفتيتها. /٢٧
ولأجل ذلك وجدنا كبريات الشركات ذات العلامات التجارية العالمية قد اصطفت ضمن هذا الحراك المجتمعي اليساري المتطرف، وأمعنت في برامج تدريبية ومحاصصة في التعيين والترقيات وفق تلك الأيديولوجيات، وهبت في حملات إعلانية تسعى من ورائها إلى رفع تقييمها قدر المستطاع ضمن معيار (ESG). /٢٨
لما يترتب على ذلك من إتاحة مقومات النجاح لها وتوفير والتسهيلات والحماية.
ولم تكن تلك الشركات التجارية والمالية الكبرى لتنقلب بهذا الاتجاه اليساري المؤدلج المتطرف لولا تطرفها الرأسمالي الذي يقدس الجشع باعتباره أعلى القيم.
فما كان من تطرفها الأول إلا أن ساقها إلى تطرفها الآخر. /٢٩
بعد هذه الرحلة الطويلة نصل إلى غايتنا التي سعينا لها منذ أول تغريدة في هذه السلسلة، وتجلى الغموض وتلاشت الحيرة.
وبعد كل هذا علينا أن نستحضر دوما أن هؤلاء لن يَعْدوا قدرَهم، وأننا مكفيون في وطننا بقيادة عظيمة رشيدة ورجالات دولة يسهرون على صون الوطن وازدهاره، لننعم بالنوم الهانئ.

جاري تحميل الاقتراحات...