د. عبدالله الفيفي
د. عبدالله الفيفي

@alfaifawiP

10 تغريدة 3 قراءة Jan 17, 2022
عند الفلاسفة، العارِف الذي يريد الله، لا يريده لأجل الثواب.
بل يريده لأنّه الإله المستحق للمحبة والإرادة والقصد.
الثواب والعقاب خطاب موجّه للعوام والقاصرين الذين تسيطر عليهم شهواتهم، ولا يتحركون وفق المبادئ المعنوية الشريفة.
أما العارف الحكيم فيعمل الصواب لأنه صواب.
مسألة الثواب والعقاب أوهمت الحشوية بأنّ الله محتاج إلى عبادة الخلق، وأنه ينتقم منهم ويتشفّى إذا لم يعطوه حاجته من العبادة.
بينما الفلاسفة مدركون أنّ هذا خطاب موجّه للعقول القاصرة التي لا تفهم المعنويّات والمبادئ المجرّدة.
أما الإنسان الكامل فسوف يهتدي إلى الله قطعاً.
لتعرف حكمة الفلاسفة وعظمة عقولهم؛ لاحظ أنهم اهتموا بفهم عقول البشر؛ لأنّها هي مورِد الخطاب الإلهي، ولن تفهم المصدر حتى تفهم المورِد.
ولذلك ميّزوا الناس إلى فئات بحسب درجات مداركهم، وبناءً على ذلك قسّموا الخطاب الإلهي، وجعلوه ظاهراً وباطناً، ولم يكترثو بالسنّة لأنها سياقية محضة.
النبي ليس شيئاً أكثر من مؤسس دولة، وباني قانون، ومنظم مجتمع، ومطوّر حياة.
وجميع المادة المعرفية التي حصل عليها من الإله تصب في هذه الغاية فقط لا غير.
وعندما وجّه النبي الناس إلى الله؛ فليس لأنّ الله محتاج إليهم، بل لكي يقوى ويتوثّق ولاء الناس إلى النظام الذي بناه.
لا توجد قديماً وسائل إعلام وحدود وجنسية وبطاقات تذكرك بالانتماء لدولتك وضرورة الالتزام بقانونها.
لذلك شُرِعت العبادة على مستوى الفرد والجماعة كنوع من التنبيه والتذكير بانتماء الفرد إلى دولة النبي.
بدون هذه العبادات سوف ينسى الفرد انتماءه إلى الدولة والنظام ثم تتحلل الدولة وتضمحل.
نظر الحشوية إلى ظاهر الأمر فقالوا: النبي يأمر بالتوجه إلى الله.
يعني أنّ الله يحتاج إلى عبادة الناس وبالتالي فالعبادة هي المقصد.
ونظر الفلاسفة إلى باطن الأمر فقالوا: النبي يأمر بالتوجه إلى الله ليقوى ولاء الناس إلى النظام والدولة، وبالتالي الدولة هي المقصد.
فهمان متناقضان.
وإذا كانت العبادة هي المقصد بحسب الحشوية؛ فالاهتمام سوف ينصب على النصوص والآثار والقبر والموت والآخرة والأوهام الغيبية.
وإذا كانت الدولة هي المقصد بحسب الفلاسفة؛ فالاهتمام سوف ينصب على الحياة والنظام والتطوير والنهضة والازدهار.
هكذا كانت بداية الحكاية ونحن الآن في الخط الحشوي.
لاحظ كيف يتجرأ الحشوي على تكفير الفلاسفة بكل برودة، واتهامهم بالإلحاد بكل راحة ضمير.
لماذا؟
لأنه لم يستوعب الفهم الذي بنى عليه الفيلسوف نظرته للدين والحياة.
الحشوي ينظر إلى موقع الله من الحياة.
والفيلسوف ينظر إلى موقع الحياة من الله.
نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان.
عند الفيلسوف: صلاح الحياة وانتظامها وازدهارها هي إرادة الله العظمى التي استحقّت أن يبعث نبياً من أجلها.
بينما عند الحشوية: بعث النبوّات ووجود الأديان لأنّ الله الملك العزيز الذي يستحق العبادة ويحتاج إليها ويغضب من خلقه ويتشفّى منهم إذا لم يعطوه حاجته منها.
فرق جوهري وعظيم.
المرجئة والمعتزلة والفلاسفة الذين ظهروا في القرون الأولى بدءً من القرن الأول جميعهم على هذا الرأي وهكذا يتصورون الدين ويفهمون النبوة.
ولا عجب أن تحدث معركة دامية بينهم وبين الحرفيين من حشوية الحديث والفقه.
رتب @rattibha

جاري تحميل الاقتراحات...