خواطر سريعة بعد تصفح كتاب معتقل جوانتانامو السابق, الكويتي فايز الكندري
اولا لمن لايعلم, الكويت خليط غريب من الليبرالية و الاصولية, السنة والشيعة, البدو والحضر بعيشون في مكان به ثروات نفطية هائلة, و ثلاثة ارباع السكان مغتربون أصلا
الكنادرة الذين ينتمي اليهم من اصول فارسية سنية نزحوا للكويت منذ عقود طويلة و ثبتوا مكانتهم كعائلة محترمة منها التجار والوزراء وكبار الموظفين, وان لم يكونوا من العائلات الثرية. فهو حضري سني من الطبقة المتوسطة, ومعظم هؤلاء يؤيدون تيار الصحوة المعتدل بشكل عام دون تطرف أو ليبراليين
حسب وصفه, مر كمعظم ابناء طبقته المتوسطة ممن لم يفروا اثناء غزو صدام بأيام قاسية, ثم بدأ بدراسة الهندسة ببريطانيا, قبل أن يدفعه الوازع الديني القوي والنهم للعلوم الشرعية لترك دراسته والذهاب للسعودية لدراستها هناك, واعتقد أن هذا ادي لتشبعه بالفكر السلفي أكثر
هو لايقول ذلك صراحة, ولكن عددا كبيرا من الكويتيين المتدينين في ذلك الوقت, وعلي رأسهم الدكتور عبد الرحمن السميط, كانوا يتقربون الي الله باقامة المشاريع الخيرية لمسلمي الدول الفقيرة, كاقامة المدارس واعالة الفقراء, الخ. في حالته هو ذهب ليحفر بئرا ويقيم مسجدا بقرية افغانية صغيرة
كانت هذه الفترة قبل احداث الحادي عشر من سبتمبر, وكانت طالبان قد وصلت للحكم. طبعا أنا شخصيا لي موقف سلبي من طالبان تجدونه مكتوبا في هذا الثريد لكن فايز يبدو انه انبهر ببساطتهم وعفويتهم, وتجرد وشهامة بعضهم, لأنه يتحدث عنهم بحب واعزاز
لسوء حظه, هاجمت امريكا افغانستان بعد الاحداث و طاردت اسامة بن لادن في تورا بورا في نفس الوقت الذي كان يحاول فيه مغادرة البلد نحو باكستان عبر نفس الطريق تقريبا, فلما خان بعض الافغان المتواطئين المجاهدين العرب ودل الامريكان عليهم اعتقل معهم, مع انه لم يكن يوما عضوا في القاعدة.
نقل معهم لمعتقلات داخل افغانستان (باجرام) ثم الي جوانتانامو, حيث حاول عبثا اقناع المحققين انه اعتقل اتفاقا وانه لم ينتم للقاعدة او طالبان,ولكن يبدو أن ظروف وجود عربي وسط المجاهدين العرب المحيطين ببن لادن في هذا المكان, ورغبة الامريكان في تعقب اي خيط يؤدي له جعلت قصته صعبة التصديق
معظم الكتاب سرد تفصيلي لحكايات حقيقية عن التعذيب والاضطهاد الشديد الذي تعرض له فايز وباقي المعتقلين, والذي شمل التعذيب الجسدي والنفسي واهانة القرآن و محاولات الاغواء و منع الأدوية عن المرضي, مما قتل العديدين واصاب الآخرين بعاهات مستديمة, وفت في عضد البعض فانهاروا وتحولوا لعملاء
يتخلل السرد,استشهاد بالآيات القرآنية المنطبقة علي كل موقف,والتي وجد فيها فايز السلوي والقوة, هو ومن صمد معه من المعتقلين. ويلاحظ هنا ان فايز, وان كان لم ينتم عضويا للقاعدة, الا انه لايظهر أي اختلاف فكري معهم, وربما كان هذا احد اسباب حيرة المحققين لأنه لم يحاول أن يوضح لهم اي خلاف
تحسب له الأمانة في تسجيل انسانية بعض الجنود والاطباء الامريكيين, والتي عوقبوا بسببها, وانه يعزوا قسوة الغالبية للجهل بالاسلام والشحن الاعلامي الامريكي ضده, لا الي كراهية فطرية للاسلام
ولكن يحسب عليه عدم وضعه لنفسه مكان حراسه ومحققيه من المسيحيين والملحدين ليري كيف ستبدو لهم احداث الحادي عشر من سبتمبر وماذا كان سيكون رد فعله عليها, من منظورهم الذي يري الاسلام دينا زائفا يسعي لتحطيم بلادهم وقتل شعبهم
تؤخذ عليه ايضا محدودية ثقافته خارج سياق الصدام بين الاسلام والغرب, التي جعلته يغفل ان تعذيبا مماثلا تعرض له المعتقلون الشيوعيون في دول امريكا الجنوبية والهند الصينية, ممايشير ان مربط الفرس ليس الاسلام في حد ذاته, ولكن مضمونه الثوري الرافض للاستعباد, والذي يوجد في ايديولوجيات أخري
هو يدرك ذلك بشكل مجمل, كملاحطته كيف رمت البوسنويات الحاسرات باجسادهن امام عربات الشرطة للحيلولة دون توقيف المجاهدين العرب, بينما صفق ذوي اللحي الطويلة للقبض عليهم, ولكنه لا ينتقل معه للخطوة المنطقية التالية: الاصطفاف مع من يصارع الاستبداد ايا كانت مرجعيته الفكرية
حتي عندما بدأت الكويت الرسمية والشعبية تسعي للافراج عنه, لاحظ كيف سافر غانم النجار الليبرالي العلماني من ماله الخاص ليسعي للافراج عنه, وطالبت اليبراليات الكويتيات السفيرة الامريكية بنفس المطلب, بينما نأي كثير من "الاسلاميين" بنفسهم عنه, داعين الله "أن يضرب الظالمين بالظالمين"
ملاحظاته عن الدولة الاسلامية وعن الربيع العربي سطحية الي حد كبير, ولايلام علي ذلك, فالرجل لم يعايش هذه الاحداث, وكانت معرفته بها عابرة وليست مباشرة, من خلال قراءته لما يجري من وراء قضبان جوانتانامو
أيضا لاينبغي أن يؤخذ عليه مديحه للشيخ صباح ولموقف الدولة الرسمي الذي سعي للافراج عنه وبذل أموالا طائلة لذلك,فهو يعبش بالكويت ومدين لقيادتها بما قامت به,فلايستطيع الجهر بالحقيقة,وهي ان القيادة سعت لاطلاق سراحه كنوع من التكسب السياسي والتقرب من الشعب باظهار الوفاء لابنائه المعتقلين
وفي النهاية, اتفق مع تحليل أحد المحققين الذي روي فايز أنه علل سلوكه وسلوك اترابه بالعاطفة الشديدة للدفاع عن المظلومين و الاحسان للمحتاجين ومجالدة المستكبرين. فهذا هو مادفعه ودفع غيره من المثاليين, كتشي جيفارا ومحمد كريم, للجود بأنفسهم من أجل أناس ربما لايستحقون التضحية
وهي لعمري صفات حميدة, بل هي لب الاسلام كما نري من الآية الكريمة "ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربي, وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون"
ينقص أمران:
اليقين بأنه ليس شرطا أن يتدين كل من يقف معنا في خندق الدفاع عن تلك الاهداف النبيلة بدين الاسلام, وانما ينبغي أن نعمل علي توسيع الصفوف لتتضمن كل من آمن بها وسعي لتحقيقها مهما كانت ايديولوجيته او مذهبه.
اليقين بأنه ليس شرطا أن يتدين كل من يقف معنا في خندق الدفاع عن تلك الاهداف النبيلة بدين الاسلام, وانما ينبغي أن نعمل علي توسيع الصفوف لتتضمن كل من آمن بها وسعي لتحقيقها مهما كانت ايديولوجيته او مذهبه.
فكما يقول علي شريعتي, الخط الفاصل لا يكون بين دين ودين آخر, وانما يشق كل الاديان والملل والنحل والايديولوجيات طوليا الي فريق يسعي لتحقيق تلك الاهداف السامية, وفريق يستخدم الدين كدواء للشك الوجودي او كجمعية نفع خاص لاتباع الدين او المذهب تبيح لهم استغلال المخالفين و السيطرة عليهم
والأمر الثاني هو مزج العاطفة الجياشة الحافزة لتحقيق تلك المبادئ السامية بالتخطيط طويل المدي و الدهاء السياسي الذي يغبط عليه أمريكا في مواطن كثيرة من كتابه دون أن يصرح أنه من الأمور الواجب علي المسلمين اتباعها
غفر الله لنا وله, وجزاه عن تضحياته خير الجزاء
غفر الله لنا وله, وجزاه عن تضحياته خير الجزاء
فضلا لا أمرا رتبها @rattibha
جاري تحميل الاقتراحات...