ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

29 تغريدة 121 قراءة Jan 14, 2022
طائفة دينية إنجيلية غامضة، اختار قائدها أن يسير بأتباعه نحو أدغال تشيلي، حيث أسس هناك مستعمرة أسماها مجتمع الكرامة، وأراد لها أن تضم بين جوانحها مجتمعًا مسيحيًا أصيلًا، لكن مع الوقت مالت دفة الأحداث وتحول القائد إلى إله، فيما تحول أنصاره إلى عبيد..
حياكم تحت🌹❤️
مبانٍ مهدمة ومدن زائلة، ودمار لم يترك شيئًا إلا وطاله، حتى أولئك الذين نجوا من هذه الحرب، باتوا مهشمين، تطاردهم الكوابيس ويحاصرهم اليأس، وليس أمامهم شيء سوى التعلق بأي راية تشرع في بث الأمل فيهم، حتى لو كانت الراية خرقاء والأمل زائف، هكذا كانت ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية.
وسط هذا الركام خرج شاب عشريني يدعى "باول شيفر" ممرض سابق في الجيش النازي، خرج يعظ الناس ويذكرهم بضرورة الخضوع للكتاب المقدس والعودة الصارمة لتعاليم الرب، لاقى وعظه المؤثر اهتمام كثيرين، وحوله تكاثرت الأعداد خصوصًا مع تجواله في ألمانيا شرقًا وغربًا واعظًا ومبشرًا.
بحلول العام 1952 وبفضل الإحباط السائد في المجتمع استطاع شيفر أن يجمع حوله كثير من الأتباع، وكان من المناسب له أن يقيم مقرًا لوعظه بعد سنوات طوال في التجوال، فاختار أن يقيم دارًا للأيتام ودارًا لتربية النشء، وبفضل التبرعات التي جمعها استطاع أن يخرج بمشروعه الخيري إلى النور.
أغلبية أتباع شيفر لم يكونوا إلا أرامل وأطفال ومراهقين فقدوا عوائلهم في الحرب، ولا ملجأ لهم سواه، احتضنتهم دار رعايته على مدى سنوات وسط اتهامات وشكوك كثيرة تحوم حول الرجل، إلى أن تقدمت إحدى النساء عام 1959 بشكوى ضده تتهمه فيها بالاعتداء الجنسي على صغيرها.
ترتب على هذا الاتهام مذكرة اعتقال هزت أركان شيفر، ووضعته لدى اختيار وحيد هو ترك ألمانيا والفرار بعيدًا، كانت تشيلي هي الوجهة، وفي خضم قراره هذا تواصل مع كثير من أنصاره داعيًا إياهم لمرافقته مع وعود كثيرة بحياة مثالية وانقطاع تام عن الحروب والصراعات والعيش فقط من أجل الرب.
اقتنع كثير منهم بكلام شيفر، ووعدوه باللحاق به بعد أن يهيأ لهم الأجواء هناك، حين وصل الرجل إلى تشيلي قدم نفسه كرجل دين وبر وعبر عن نيته إنشاء مستعمرة يعيش فيها الناس منقطعين لربهم، رحب نظام الحكم المحافظ آنذاك بذلك ومنحه مزرعة وسط الغابات بمساحة بلغت 17 كم مربع.
بعد أن تأكدت له مزرعته، أرسل في استدعاء مناصريه من ألمانيا، حيث توافد عليه نحو 300 شخص أكثرهم أطفال ولاجئين، آملين في حياة جديدة تنسيهم مرارة الحرب، كما فتح الرجل الباب واسعًا أمام انضمام أي شخص، شرط أن يلتزم بقوانين المستعمرة وينوي الانقطاع للرب.
بدت المستعمرة أشبه بمجتمع ألماني صغير، حيث الأزياء الألمانية التقليدية واللغة الألمانية هما السائدتان، بنيت المستعمرة بجهود سكانها الجدد، وتضمنت أماكن للسكنى ومدرج للطائرات ومدرسة، فضلًا عن مستشفى تقدم خدماتها المجانية حتى للتشيليين القاطنين بالجوار لاستمالتهم وكسب ثقتهم.
صورة مثالية واكتفاء ذاتي تمتعت به مستعمرة الكرامة -هكذا سميت- عبر زراعة أراضيها الشاسعة وعبر كثير من الصناعات الدقيقة، لكن بعد سنوات قليلة أضحت أشد إحكامًا، إذ استبدلت أسوارها البسيطة بأسلاك شائكة مكهربة وصار هناك حراسًا مسلحين، لا يسمحون للغرباء بالاقتراب.
من الداخل لم تكن المستعمرة على تلك المثالية البادية عليها من الخارج، حيث فٌصِل بشكل تام بين الرجال والنساء، إلى الدرجة التي لا يرى فيها بعضهم البعض، وبالتبعية حظر الزواج، أما الأطفال ففصلوا عن ذويهم أيضًا وأسندت رعايتهم جماعيًا لمربيات صارمات، فنشأوا لا يعرفون لهم أبًا ولا أمًا!!
من الداخل لا سبيل أمامك سوى الخضوع لجور القوانين، فبالإضافة إلى غسيل الأدمغة الممارس، ينتظر السكان كذلك مخدرات تعطىَ لهم بانتظام وتكون محل نقصان وحرمان من أجل مزيد من السيطرة، ومن يعترض فصنوف العقوبات الوحشية في انتظاره، أقلها الصعق بالكهرباء والحبس الانفرادي دون طعام.
لم ينصّب شيفر نفسه داخل المستعمرة كرئيس أو ما شابه، بل كإله تام لديه القدرة على بذل معجزات غير معهودة وتخليص الأجساد من الشياطين وإحياء الموتى، وقد نجح الرجل في إيهام سكان مستعمرته بذلك، عبر كثير من الحيل، وكان يسيرًا إقناعهم بذلك تحت وطأة العزلة والمخدرات والتعذيب.
حرص شيفر على قطع الصلة بين سكان مستعمرته والعالم الخارجي تمامًا، من خلال منع الخروج ومكافحة محاولات الهرب عبر الأسلاك الشائكة المكهربة، وكذا تم منع التلفاز والراديو وحتى التقويم لم يكن أحد ليعرفه، يزيد على ذلك عمل السكان في الزراعة وما يتعلق بها كل ساعات النهار دون أي أجر.
الجميع ها هنا مطالب بارتداء زي موحد معين له، لكن هناك أيام استثنائية قليلة جدا، يطلب فيها من السكان التزين وارتداء أفضل الثياب، ثم تفتح الحدود الفاصلة بين الرجال والنساء، وتكون حفلات مختلطة وكورال غنائي وموسيقي، كجزء من مراسم استقبال المستعمرة لضيف ما مهم يزور شيفر.
في ذروة فرض شيفر سيطرته على المستعمرة، استطرد في ممارساته الإجرامية والتي بلغت أشنعها حين اعتاد استضافة أطفال مختلفين كل ليلة في غرفته بزعم تعويضهم عن أبيهم، ثم لم يكن منه إلا أن يعتدي جنسيًا عليهم، استمر وضع المستعمرة في طي الكتمان على مدى 13 عامًا قبل أن يحدث تطور لافت.
قطع عسكرية تشيلية تتحرك من أمكنتها المعتادة، سلاح الجو يقصف أهدافًا استراتيجية في البلاد، إنه يوم 12 سبتمبر من العام 1972، حيث انقلاب بينوشيه المدعوم أمريكيًا على الرئيس الاشتراكي سلفادور أليندي، تبدلت حال البلاد معه إلى الأسوأ، وأضحت سجنًا كبيرا ومحلًا لانتهاكات صارخة.
بينوشيه وشيفر تلاقيا وتوطدت بينهما العلاقة إلى تلك الدرجة التي تحولت بها أقبية مستعمرة الكرامة إلى أكبر مركز سري في البلاد لتعذيب المعارضين وإخفائهم قسريًا، وعبر هذه التفاهمات غضت الحكومة الطرف عن ممارسات شيفر بل ودعمته بمزيد من الأراضي في حيزه.
تجددت دماء الإجرام وازدهرت في نفس شيفر حين زاره بينوشيه مستعمرته، حيث تم الاتفاق على استقبال الأخير لسياسيين مختفيين قسريًا وإدماجهم ضمن سكانه، ومن ثم زادت الحراسات على المستعمرة وطوقت أكثر فأكثر، واتسع نشاط الزراعة وتضاعفت أوقات السخرة والعمل والتعذيب والإخضاع.
بجانب تحولها إلى مركز تعذيب للمعارضين، كانت كولونيا ديغنيداد بمثابة ملجأ آمنًا لكل النازيين الكبار الفارين من العدالة، من أمثال والتر راوف صاحب فكرة أفران الغاز التي حرق فيها البشر في ألمانيا النازية، حيث استضيف وغيره هناك مقابل الإشراف على عمليات تعذيب معقدة.
رغم كل هذه الفظائع التي تجري في الداخل، لم يكن أحد من التشيليين يدري شيئًا عنها، فقد بدت للصحافة وللناس من حولها مستعمرة ألمانية نموذجية، ومكانًا للهداية والانقطاع للرب، ومنظمة خيرية تبذل للناس الكثير، ورغم سقوط نظام بيونشيه عام 1990 لم تسقط المستعمرة بل استمرت على حالها.
مع انعتاق تشيلي من نظام بينوشيه الإجرامي، بدأت الأقاويل والتسريبات وعلامات الاستفهام تظهر حول المستعمرة، وبحثت الحكومة في وضعها القانوني، ولماذا هي مغلقة أمام التفتيش والمراجعة، فأمر الرئيس الجديد بقطع التمويل عن مستشفاها، وألغى وضعها الخيري، وفتح تحقيقات بشأنها.
تظاهر المئات من سكان القرى المجاورة دعمًا لشيفر الذي لم تتوان مستعمرته يومًا عن دعمهم وإغداقهم بالمساعدات كنوع من الدعاية، الأمر الذي اضطر الرئيس للتراجع عن قطع التمويل عن المستشفى، وتراجع عن بعض قراراته، لأنه لم يكن ثمة دليل قاطع يدين شيفر أو يؤكد مزاعم الانتهاكات بالداخل.
بقيت مستعمرة الكرامة مستمرة كمؤسسة تابعة لشيفر، وكانت المفاجأة المدوية هي سكان المستعمرة ذاتهم، حيث لم يتخل أغلبهم عنها، ولم يغادروها بعد أن صار ذلك ممكنا، بل بقوا والتفوا حول زعيمهم الروحي رغم ما عانوه تحت وطأته من ويلات!!
في يوليو 1997 تفجر الوضع مجددًا حين تقدم أهالي أكثر من 26 طفلًا ببلاغ ضد بول شيفر متهمين إياه بالاعتداء الجنسي على أبنائهم الذين كانوا ملحقين في مدرسة داخلية تابعة لمستعمرته، صدرت مذكرة اعتقال بشأن شيفر، لكن مع وصول الشرطة للقبض عليه كان قد اختفى ولاذ بالفرار مرة ثانية!
ظل شيفر هاربًا أكثر من 8 سنوات، قبل أن يلقى القبض عليه في منزل ريفي باهظ الثمن في الأرجنتين، حيث أعيد لتشيلي ومنها استكملت إجراءات محاكمته والتي انتهت في 24 مايو 2006 بالحكم عليه بالسجن مدة 20 عامًا لاعتدائه جنسيًا على 25 طفلًا وتعذيبهم وكذا اشتراكه في قتل أحد الناشطين السياسيين.
بعد أقل من أربعة أعوام توفي شيفر داخل محبسه عن عمر ناهز 88 عامًا، تاركًا ورائه مراثًا ضخمًا من الجرائم والقصص المرعبة، فضلًا عن مئات الأشخاص الذين يعانون نفسيًا حتى اليوم جراء ما اقترفه بحقهم وهم صغار.
حتى يومنا هذا لا يزال يعيش مئات الأشخاص في المستعمرة التي أصبحت تدعى "القرية البافارية"، يتوزعون بين ضحايا وجناة، يعيشون هناك جنباً إلى جنب، لكن اللافت أن كثير منهم لا يزال يكن لشيفر التقدير بل وينتمي إليه دينيًا، ويدافع عنه ضد التقارير الإعلامية التي تحاول كشف حقيقته.
لم تفوت السينما فرصة تجسيد هذه الأحداث، فكان الفيلم الرائع Colonia الذي أنتج عام 2015 وهو من بطولة إيما واتسون، كما أنتجت نتفلكس مسلسلاً وثائقيًا يقع في ست حلقات يحكي قصة هذه المستعمرة تفصيلًا، وقد جاء هذا المسلسل تحت اسم A Sinister Sect: Colonia Dignidad.

جاري تحميل الاقتراحات...