فيصل السويدي
فيصل السويدي

@AlSuwaidi9

165 تغريدة 139 قراءة Jul 08, 2022
سأقوم إن شاء الله بنشر فوائد كتاب (فتح الرحمن في تفسير القرآن) للعليمي الحنبلي تحت هذه التغريدة
وقد يستمر نشر الفوائد إلى ما بعد #رمضان
اللهم يسر وأعن
1- ‌‌حديث: "إن هذا القرآن أُنْزِلَ على سبعة أحرُفٍ"
قد وَهِمَ بعض الناس فظن أن المراد بالسبعة أحرف الواردة في الحديث الشريف هي: قراءة الأئمة السبعة المشهورين..
وليس الأمر كذلك، بل هي لغات للعرب متفرقة في القرآن، مختلفة الألفاظ، متفقة المعاني..
ومصحف عثمان أحد الحروف السبعة
2- أول من وضع النحو، وجعل الإعراب في المصاحف: أبو الأسود الدُّؤَليُّ..
ثم أحدث الخليل بن أحمد الفراهيدي بعد هذا هذه الصور: الشدة، والمدة، والهمزة، وعلامة السكون، وعلامة الوصل..
وأما النُّقط: فأول من وضعها بالمصحف نصر بن عاصم الليثي بأمر الحجاج بن يوسف..
3- الترتيلَ والتدبُّرَ مع قلةِ القراءة، أفضلُ من السرعةِ مع كثرتها
4- (الله)
هو اسمٌ تَفَرَّدَ به الباري سبحانه
قال تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا}
وهو اسمُ الله الأعظمُ
5- (سورة الفاتحة) ليست فيها سبعة أحرف من حروف المعجم، وهي الثاء والجيم والخاء والزاي والشين والظاء والفاء
وفي بعض الآثار: أن الحكمة فيها..
6- {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}
والغضب من الله تغيير النعمة
وغضب الله لا يلحقُ عُصاةَ المؤمنين، إنما يلحق الكافرين
7- والكفرُ على أربعة أنواع:
كفرُ إنكار، وهو ألا يعرف الله أصلًا، ولا يعترف به
وكفر جحود، وهو: أن يعرف الله بقلبه، ولا يقر بلسانه؛ كإبليس
وكفر عناد: أن يعرف الله بقلبه، ويعترف بلسانه، ولا يدين به؛ كأبي طالب
وكفر نفاق، وهو: أن يقر باللسان، ولا يعتقد بالقلب
8- والخدعُ من الله تعالى في قوله: {وَهُوَ خَادِعُهُمْ} أي: يُظهر لهم، ويُعَجِّل لهم من النعيم في الدنيا خلافَ ما يُغَيِّبُ عنهم من عذابِ الآخرة
9- {يُخَادِعونَ اللهَ والَّذينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إلَّا أَنْفُسَهُمْ وما يَشعُرُونَ}
قال بعض أهل اللغة: يقال: خادَعَ: إذا لم يبلُغْ مُرادَهُ، وخَدَعَ: إذا بلغَ مرادَه
فلما لم ينفذ خداعهم فيما قصدوه، كان مخادعةً
فلما وقع ضررُ فعلِهم على أنفسهم، كان في حقِّ أنفسِهم خِداعًا
10- {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}
{وَيَمُدُّهُمْ} يُطيلُ مدةَ غَيِّهم..
المد أكثرُ ما يأتي في الشرِّ، قال الله تعالى: {وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا}
والإمدادُ في الخير، قال الله تعالى: {وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ}
11- {أَو كَصَيِّبٍ مِنَ السماءِ فيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وَبَرقٌ يجعلونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الموتِ واللهُ مُحيطٌ بالكافرينَ * يَكَادُ البرقُ يَخْطَفُ أبصارهُمْ كُلَّما أضاءَ لهم مَشَوا فِيهِ وإِذا أظلَمَ عَلَيهمْ قَامُوا..}
فهذا مَثَل ضربَهُ الله..
12- {وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ}
والبلاء يكون بمعنى النِعمة، وبمعنى الشدة، والله تعالى قد يختبرُ على النعمة بالشكر، وعلى الشدة بالصبر
13- {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
وشكرُ كلِّ نعمةٍ أَلَّا يُعصى اللهُ بعدَ تلك النعمة
14- {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ}
وذلك أنهم كرهوا وسئموا من أكل المنِّ والسَّلوى
وإنما قال: طعام واحد، وهما اثنان؛ لأن العربَ تُعَبِّرُ عن الاثنين بلفظ الواحد، كما تعبِّرُ عن الواحدِ بلفظِ الاثنين
15- {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ}
{وَالْمَسْكَنَةُ} الفقر
سُمِّيَ الفقيرُ مسكينًا؛ لأن الفقرَ أسكنَهُ وأقعدَهُ عن الحركةِ
فترى اليهودَ -وإن كانوا أغنياءَ- كأنَّهم فقراءُ، فلا يُرى في أهل المالِ أذلُّ وأحرصُ على المالِ من اليهود
16- {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
جعلوا يلاحظون الجبلَ وهم سجود، فصارَتْ سُنَّةً في اليهود، لا يسجدون إلا على أنصاف وُجوههم، ويقولون: بهذا السجودِ رُفع العذاب عنا
17- {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}
وإنما لم يشبهها بالحديد، مع أنه أصلب من الحجارة لأن الحديد قابل للّين؛ فإنه يلينُ بالنار، وقد لانّ لداودَ -عليه السلام-، والحجارةُ لا تلين قطُّ
18- {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}
والأصحُّ أنه كانَ من الملائكة لا من الجنِّ، وقوله تعالى: {كَانَ مِنَ الْجِنِّ}، أي: من الملائكةِ الذين هم خَزَنة الجنة
19- {فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ}
أي: قتلتم، مثل زكريا ويحيى وشعيا وسائرِ مَنْ قَتَلوا من الأنبياءِ -عليهم السلام-
ولم يقل: "قتلتم"، وإن أريدَ الماضي تعظيمًا لهذه الحالة، فكأنها -وإن مضت- حاضرةٌ؛ لشناعتِها، ولثبوتِ عارِها عليهم وعلى ذريتهم بعدَهم.
20- {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ}
أي: أخلص دينه لله، وأصل الإسلام: الاستسلامُ والخضوعُ
وخُصَّ الوجهُ؛ لأنه إذا جادَ بوجهِه في السجود، لم يبخلْ بسائرِ جوارحِه.
21- {وَإِذِ ابْتَلَى}
ابتلاءُ اللهِ العبادَ ليسَ ليعلمَ حالَهم بالابتلاء؛ لأنه عالِمٌ بهم، ولكن ليُعلِم العبادَ أحوالَهم حتى يعرفَ بعضُهم بعضًا.
22- لم يثبتْ قبرُ نبيٍّ من الأنبياء سوى قبرِ نبيِّنا محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - بداخلِ الحُجْرَةِ الشريفةِ بِطَيْبَةَ المشرَّفَةِ، وقبرِ الخليلِ -عليه السلام- بداخلِ الحيِّزِ السُّليمانيِّ
وما عداهما من الأنبياء -عليهم السلام-، فمحل قبورهم بالظنِّ لا بالقَطْع.
23- {قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا}
إلى منتهى أجلِه، وذلك أن الله تعالى وعدَ الرزقَ للخلق كافَّة، مؤمنِهم وكافرِهم، وإنما قيد بالقلة؛ لأن متاعَ الدنيا قليل.
24- {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ}
أي: خسرَ نفسَه، وامتهنَها
والسفاهةُ: الجهلُ وضعفُ الرأي، وكلُّ سفيهٍ جاهلٌ
وذلك أن من عبدَ غيرًا لله، فقد جهل نفسه، لأنه لم يعرفِ اللهَ خالقَها، وقد جاء: مَنْ عرفَ نفسَهُ، فقد عَرَفَ رَبَّهُ.
25- {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ}
{صِبْغَةَ اللَّهِ} أي: دينَ الله.. يعني: الزموا دينَ الله
وإنما سماه صبغةً؛ لأنه يظهرُ أثرُ الدين على المتديِّنِ كما يظهرُ أثر الصّبغ على الثوب.
26- {ومَا جَعَلنَا القِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ على عَقِبَيْهِ}
{إِلَّا لِنَعلَمَ} قالَ أهلُ المعاني: معناه إلا لِعِلمِنا
وقيل: معناه: ليعلمَ رسولي والمؤمنون به، وجاء الإسنادُ بنون العظمة إذ هم حزبُهُ وخالصتُه
27- {مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ}
والرجوعُ على العقب أسوأ حالاتِ الراجع في مشيِه عن وجهه، فلذلك شُبِّهَ المرتدُّ في الدين به
وظاهرُ التشبيهِ أنه بالمتقهقِرِ، وهي مشيةُ الحيرانِ الفازع من شَرٍّ قد قربَ منه.
28- {وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} من الضلالة
ولعل وعسى من اللهِ واجبان؛ لأنهما للرجاء والإطماع
والكريمُ لا يُطْمِعُ إلا فيما يَفعل
29- {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ومَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}
لأن الله تعالى يلعنُهم يوم القيامة، ثم يلعنُهم الملائكةُ، ثم يلعنُهم الناسُ، والظالمُ يلعنُ الظالمينَ، ومن لعنَ الظالمين وهو ظالمٌ، فقد لعنَ نفسه
30- {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}
جمعَ السمواتِ؛ لأن كلَّ سماء ليست من جنس الأخرى، ووحَّدَ الأرضَ؛ لأنها من جنسٍ واحد، وهو الترابُ
31- الرياحُ ثمانية:
أربعةٌ للرحمة، وهي: المبشِّراتُ، والناشِراتُ، والذارياتُ، والمرسَلاتُ
وأربعة للعذاب: وهي: العقيمُ، والصَّرْصَرُ في البَرِّ، والعاصِفُ والقاصِفُ في البحر.
32- {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ} بالعينِ يومَ القيامة
و (إذ) للماضي، ووقعت هنا للمستقبَل؛ لأنَّ خبر الله عن المستقبَل في الصحة كالماضي.
33- {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
من الأمثالِ الدائرةِ على ألسُنِ الناس: القَتْلُ أَنْفَى لِلْقَتْلِ.
34- {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فيهِ القُرآنُ هُدًى للنَّاسِ وبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدى والفُرقانِ}
{هُدًى للنَّاس} من الضلالة {وبَيِّنَاتٍ} دلالاتٍ واضحاتٍ {مِنَ الهُدَى}
ذكر أولًا أنه هُدًى للناس
ثم ذكر ثانيًا أنه بيناتٌ من الهدى
ليؤذن أنه من جملةِ ما هَدَى الله تعالى به
35- {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}
أي: الهلاكِ بتركِ الإنفاقِ في سبيل الله
والعربُ لا تقولُ: ألقى بيدِهِ إلَّا في الشرِّ
36- {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}
{وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ} بالبخلِ ومنعِ الزكاة
وكلُّ فحشاءَ في القرآنِ فهو الزنا إلا هذا
37- {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}
تلخيصه: من أنفقَ للهِ يُثَبْ مع الأمنِ والفرحِ
38- {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}
{إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أنه خير لكم، فتعملون به، فجعلَ من علمَ ولم يعملْ كمن لم يعلمْ
39- {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ}
المعنى: اجتنبوا معصيةَ الله يُعَرِّفْكُمْ طُرَقَ فلاحِكُم.
تلخيصُه: من راقبَ اللهَ، أرشدَه.
40- {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}
كرَّرَ لفظَ الله في الجمل الثلاث لاستقلالها
فإن الأولى حَثٌّ على التقوى
والثانيةَ وَعْدٌ بإنعِامِه
والثالثةَ تعظيمٌ لشأنه
41- {ولا تكتُموا الشهادةَ ومَن يكتُمها فإِنه آثمٌ قلبُهُ}
لأن الكتمان يُقَرُّ فيه، ولأن القلب هو رئيس الأعضاء، والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت، فسد الجسد كله
فكأنه قيل: قد تمكَّن الإثم في أصل نفسه، ومَلَك أشرف مكان فيه
والقلبُ هو محل تحمُّل الشهادة والعقائد والنيات
42- {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ}
وتقديمُ الملائكةِ لا إشعارَ فيه بأفضليَّتِهم على الرُّسُلِ...
وصرَّحَ بالرسلِ دونَ الأنبياء...
43- {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ}
وإنما قالَ في القرآن: (نَزَّلَ) لأنه نزلَ مفصَّلًا، والتنزيلُ للتكثير، وقال في التوراة والإنجيل: (أَنَزَلَ)؛ لأنهما أُنزلا جملة واحدة
44- كيف نجمع بين:
{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ}
وكون القرآن كله محكم: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ}
وكونه كله متشابه: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا}؟
45- {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}
هذه الآية قطعتْ عمل كلَّ عاملٍ على غيرِ ملَّة الإسلام
46- {لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ}
أي: يؤخَّرون
ولا راحة إلا في التخفيف أو التأخير، فهما مرتفعان عنهم
[انتهينا من المجلد الأول بفضل الله وننتقل للمجلد الثاني بإذن الله]
47- وقد اجتمع حروف المعجم كلها التسعةُ والعشرون في هذه الآية من قوله: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ}
وكذا في سورة الفتح في قوله: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} إلى آخر السورةَ
وليس في القرآنِ آيتان كلُّ آية حَوَتْ حروفَ المعجم غيرُهما، مَنْ دعا الله بهما، استُجيبَ له
48-{للذَّكرِ مِثْلُ حظِّ الأُنْثَيَيْن}
لأن الذكر في مَظِنَّةِ الحاجة أكثر من الأنثى
فإن كل واحد منهما في العادة يتزوج، ويكون له الولد
فالذكر يجب عليه نفقة امرأته وأولاده
والمرأة يُنْفِقُ عليها زوجها، ولا يلزمها نفقة أولادها
وقد فضل الله الذكر على الأنثى في الميراث على وَفْقِ ذلك
49-{ما أصابكَ مِن حسنةٍ فَمِنَ اللهِ وما أصابكَ مِن سيّئةٍ فَمِنْ نفسك}
تعلَّق القدريَّة بظاهر هذه الآية،فقالوا:نفى الله عز وجل السيئة عن نفسه، ونسبها إلى العبد
ولا متعلّقَ لهم فيه؛ بدليل قوله تعالى:{قُل كُلٌّ مِن عندِ الله} غير أن الحسنة إحسانٌ وامتحانٌ، والسيئة مجازاةٌ وانتقامٌ
50- {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جُنَاحٌ أن تَقْصُرُوا من الصلاة إن خِفْتُمْ أن يَفْتِنَكُمُ الذين كفروا}
فظاهرُ الآيةِ: لا يجوز القصر إلا عند الخوف، وليس كذلك، بل الصحيح أن الخوف ليس بشرط بالاتفاق
لأن النبي ﷺ سافرَ بينَ مكةَ والمدينةِ لا يخافُ إلا اللهَ، فكان يصلِّي ركعتين
51- {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ}
من الأمثال الدائرة على ألسن الناس:
ما تَزْرَعْ تَحْصُدْ
52- {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا}
وإنما قال: {وَلِيُّكُمْ} ولم يقلْ: أَوْلياؤكم
للتنبيه على أن الولايةَ لله على الأصالةِ، ولرسولِه والمؤمنينَ على التبع
53-{لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}
دلَّتِ الآية على أن تارك النهيِ عن المنكَرِ كمرتكبِ المنكَرِ
فالآيةُ توبيخٌ للعلماءِ في تركِ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ
54- ومن خصائصِهِ ﷺ وبِرِّ اللهِ تعالى به
أَنَّ اللهَ تعالى خاطبَ جميعَ الأنبياءِ بأسمِائهم
فقال: (يا آدمُ) (يا نوحُ) (يا إبراهيمُ) (يا داودُ) (يا عيسى) (يا زكريا) (يا يحيى)
ولم يخاطَبْ هو إلا (يا أيُّها الرسولُ) (يا أيها النَّبيُّ) (يا أيُّها المزمِّلُ) (يا أيها المدثِّرُ).
55- {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ}
ومن قالَ: إن الله ثالثُ ثلاثةٍ، ولم يردِ الآلهةَ، لم يكفرْ
لقوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ}، ولقولِه ﷺ لأَبي بكرٍ: "‌مَا ‌ظَنُّكَ بِاثنيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا؟"
56- {قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ}
فإنَّ المحمودَ القليلَ خيرٌ من المذمومِ الكثيرِ
57- {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ}
المعنى: لا يجوزُ الاقتداء إلا بالعالمِ المهتدي
58- {الحمد للهِ الذي خلق السماواتِ والأرضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنورَ}
وجمع الظلمةَ ووَحَّدَ النورَ؛ لأن التوحيدَ متحدٌ، والكفرَ مِلَلٌ، وهما كنايتان عنهما
وقال الجمهور من المفسرين: المراد بهما سواد الليل وضياء النهار.
قال ابنُ عطية: والنورُ هنا للجنسِ فإفرادُهُ بمثابةِ جمعِهِ
59- {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ}
ليس المراد لا تكونَنَّ ممن يجهل أن الله لو شاء لجمعهم على الهدى؛ إذ فيه إثبات الجهل لصفةٍ من صفات الله
وذلك لا يجوز على الأنبياء
وإنما المقصودُ وعظُه ألَّا يتشبَّه في أمره بسمات الجاهلين
60- {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}
وإنما لم يقلْ: أيُّنا أنا أم أنتم؛ احترازًا من تزكيةِ نفسِه
61-{ولَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَم يُذْكَرِ اسمُ اللهِ عَلَيهِ وإِنَّهُ لَفِسْقٌ وإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلى أَولِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}
فيه دليلٌ على أن من أحلَّ شيئًا مما حرَّمَ الله، وحرَّم شيئًا مما أحلَّ الله، فهو مشركٌ
62- {يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ..}
ولمَّا كانت الجنُّ ممن يخاطَب ويعقل، قال: (منكم)، وإن كانت الرسل من الإنس، وغُلِّبَ الإنس في الخطاب كما يُغلَّبُ المذكَّرُ على المؤنث، ورُوي أن الله تعالى أرسل رسلاً من الجن كما أرسل من الإنس؛ لظاهر الآية
63- {قال ما مَنَعَكَ ألَّا تسجدَ إذْ أمَرْتُكَ قال أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلقتني مِن نارٍ وخَلَقتَهُ مِن طِينٍ}
وقد أخطأ الخبيث بتفضيل النارِ على الطين، وليس كذلك، وإنما الفضلُ لما فضَّله الله، وقد فَضَّلَ الطين على النار، ولأن التراب سببُ الحياة للنبات والأشجار، والنار سببُ الهلاكِ
64- {قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ}
رُوي أنه يأتي ابنَ آدمَ من جميعِ الجهاتِ إلَّا من فَوْق
لئلَّا يحولَ بينَ العبدِ والرحمةِ
65- {وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} مؤمنين
قالَ الخبيثُ ذلكَ ظنًّا، فأصابَ
قال تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ}
66- وفي معنى قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا}
من الأمثالِ الدائرةِ على ألسُنِ الناسِ: الحِمْيَةُ رَأْسُ الدَّوَاءِ
67- {ونادى أَصحابُ الجنةِ أَصحابَ النارِ أَنْ قد وجدنا ما وعَدَنَا ربُّنا حقًّا فهل وجدتمْ ما وَعَدَ ربُّكُمْ حقًّا قالوا نعم}
وأجاب الكفار بنعم دون بلى؛ لأنَّ (نعم) جوابُ استفهامٍ دخلَ على إيجاب، وهو (وَجَدْتُم)
و (بلى) جوابُ استفهامٍ دخلَ على نفي؛ نحو: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}
68- {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ}
أي: في مقدارها لأن اليومَ من لَدُنْ طلوعِ الشمسِ إلى غروبها، ولم يكنْ يومئذٍ يومٌ ولا شمسٌ
وخلقَهُنَّ فيهنَّ تعليمًا لخلقه التثبُّتَ والتأنِّي؛ لأنه سبحانه كان قادرًا على خلقهنَّ في لمحة
69- {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}
قال الحسنُ: "بينَ دعوةِ السرِّ ودعوةِ العلانيةِ سبعون ضِعْفًا".
70- {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ}
{مَطَرًا} حجارةً، وقيلَ: الكبريت
قال أبو عبيدة: يقالُ في العذابِ: (أَمْطَرَ)، وفي الرّحمة (مَطَرَ)
71- {لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} ديننِا
ولم يكنْ شعيبٌ قطُّ على دينهم، وإنّما تناولَهَ الخطابُ تغليبًا للجَمْع على الواحد؛ لأنّ مَنْ تبعَه كانَ منهم
[تم المجلد الثاني وننتقل للمجلد الثالث بإذن الله]
72- {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} يَتَّعِظون فيؤمنون
لأنّ البلاءَ يرقِّقُ القلوبَ، ويرغِّبُ في الآخرَة
73-{ولَمَّا جاء موسى لِميقاتِنَا وكَلَّمهُ ربُّهُ قال ربِّ أرِنِي أَنظُرْ إليكَ قال لن تراني}
وسؤال الرؤية دليل على أن رؤيته تعالى جائزة في الجملة
لأن طلب المستحيل من الأنبياء محال
خصوصاً ما يقتضي الجهل بالله..
وقد وردت السنة بالحديث المتواتر أن أهل الإيمان يرون الله يوم القيامة
74- {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}
يقال لكلِّ من ندمَ: (سُقِطَ في يدِهِ)
فإن النادمَ المتحسِّرَ يَعَضُّ يدَه غمًّا
فتصيرُ يدُه مسقوطًا فيها
75- {ولَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أسِفًا قال بِئْسَمَا خَلَفْتُمُوني مِنْ بَعدِي أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ وألْقَى الألواحَ وأخَذَ برأسِ أخيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ قال ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي..}
وذَكَرَ الأُمَّ ليرقِّقَهُ عليه، وكانا من أبٍ وأمٍّ
76-{إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ}
قال أبو قلابة: هو واللهِ جزاءُ كلِّ مُفْتَرٍ إلى يومِ القيامة أَنْ يُذِلَّهُ الله
77- {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ}
هذه أشدُّ آيةٍ على العلماء
وأيُّ مصيبةٍ أعظمُ من أن يؤتى العالُم علمًا، فيكونَ وبالًا عليه؟!
78- {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ} أي: وسوستَهُ.
وسَمَّى الوسواسَ رجزًا، لأنّه سببُ الرجزِ، وهو العذابُ.
79- {إذْ يُوحي رَبُّكَ إلى الملائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فاضرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ واضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}
قال ابن الأنباري: ما كانت الملائكةُ تعلم كيفَ تقتلُ الآدميين، فعلَّمهم اللهُ تعالى
80- {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ‌‌* وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}
سمي كيدًا؛ لأنَّ ظاهرَه إحسانٌ، وباطنه خِذْلانٌ.
81-{واعلموا أنما غنِمتم من شيء فأن لله خُمُسَهُ وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل}
إن كنتم آمنتم بالله، فاعلموا أنه جعل الخُمُس لهؤلاء، فسلموه إليهم، واقنعوا بالأخماس الأربعة الباقية
فإن العلم العمليَّ إذا أمر به، فالمراد به العملُ
وليس المراد منه العلمَ المجرد
82-{إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا..(72)}
ثم قال بعدها بآيتين
{والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله..(74)}
كُرِّرت هذه الآية
لأن بعضهم هاجر قبل الحُديبية، وبعضهم بعدها، وبعضهم ذو هجرتين: هجرة إلى الحبشة، وهجرة إلى المدينة
فالآية الأولى لأصحاب الهجرة الأولى، والثانية للثانية
83- {وقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابنُ اللهِ} والذي قالَ هذه المقالةَ رجلٌ من اليهودِ..ورُوي أنّه لم يبقَ يهوديٌّ يقولها، بل انقرضوا
قال ابن عطية: فإذا قالها واحدٌ، فيتوجه أن يلزم الجماعة شنعة المقالة لأجلِ نباهةِ القائل فيهم
وأقوالُ النبهاءِ أبدًا مشهودة في النَّاس يُحتجُّ بها
84- {عفا الله عنك لِمَ أَذِنْتَ لهم}
أي: دام لك العفو، وهو افتتاح كلام بمنزلة: أصلحك الله وأعزَّك الله
أخبره بالعفو قبل أن يخبره بالذنب، ولو بدأه ﷺ بقوله {لِمَ أَذِنْتَ لهم} لخيفَ عليه أن ينشقَّ قلبُه من هَيبةِ هذا الكلام، لكنَّ الله تعالى برحمته أخبرَه بالعفوِ حتى سكنَ قلبُه
85- في معنى قوله تعالى: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} من الأمثالِ الدائرةِ على ألسُنِ الناسِ: للحيطانِ آذانٌ
86- {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ}
لما كان رضا الله تعالى رضا نبيه، وبالعكسِ، وَحَّدَ الضمير في (أَنْ يُرْضُوهُ)
87- قيلَ للحسينِ بنِ الفضلِ:
هل تجدُ في القرآنِ قولَ الناسِ احذَرْ شَرَّ مَنْ أحسنتَ إليه؟
فقال: نعم، قولهُ تعالى في قصةِ المنافقينَ في التوبة:
{وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ}
88- في معنى قوله تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ} من الأمثالِ الدائرةِ على ألسنِ الناس: مَنْ جَهِلَ شيئًا عاداهُ
89- {ومِنهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِليكَ أَفَأَنْتَ تُسمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ ‌‌* ومِنهُمْ مَنْ يَنظُرُ إِليكَ أَفَأَنْتَ تَهدِي العُمْيَ ولَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ}
قرنَ عدمَ العقلِ بعدمِ السمعِ، وبعدمِ البصرِ عدمَ الإدراكِ تفضيلًا لحكمِ الباطنِ على الظاهرِ
90- {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ}
المعنى: إن لم ترَ في أعدائك ما يسرُّكَ هنا، فستراه ثَمَّ
91- {ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قُضِيَ بينهم بِالْقِسْطِ وهم لا يُظلَمُون}
ثم قال بعدها بعدة آيات
{وأَسَرُّوا الندامة لَمَّا رأوا العذاب وَقُضِيَ بينهم بِالْقِسْطِ وهم لا يُظلَمُون}
ليسَ تكريرًا؛ لأن الأولَ قضاء بينَ الأنبياءِ ومكذِّبيهم، والثاني مجازاةُ المشركينَ على الشركِ
92- {وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل}
{وَمَا تَكُونُ} يا محمدُ {فِي شَأْنٍ} أمرٍ {وَمَا تَتْلُو مِنْهُ} من اللهِ {مِنْ قُرْآنٍ} نزلَ
ثم خاطبَه وأُمَّتَهُ فقال {وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ}
وأُضمِرَ ﷺ قبلَ الذكر تفضيلًا له، ثم جُمع معَ أمته تفضيلًا لهم
93- {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}
فيه دليلٌ على أنَّ كلَّ قولٍ لا برهانَ عليه فهو جهالةٌ
94- {وجاوزنا بِبَنِي إسرائيل الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فرعون وجنوده بَغْيًا وَعَدْواً حتى إذا أدركه الْغَرَقُ قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين}
كرر معنى الإيمان ثلاثَ مراتٍ حرصًا على القَبول، فلم يُقْبَلْ؛ لأنه فَرَّطَ، ولم يكنْ وقتَ قَبولٍ
95- رويَ أن الحيةَ والعقربَ أتيا نوحًا، فقالتا: احملْنا، فقالَ: إنكما سببُ الضررِ والبلاءِ فلا أحملُكُما، قالتا: احملْنا ونحن نضمنُ لك أَلَّا نضرَّ أحدًا ذكرك، فمن قرأَ حينَ خاف مضرتهما: {سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ} ما ضَرَّتَاهُ
96- {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ‌‌(*) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}
جُعِلت ذاتُه عملًا غيرَ صالح مبالغةً في ذمِّه
97- {إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ‌}
سُمِّيَ كيدُ الشيطانِ ضعيفًا؛ لأنه وسوسةٌ
وكيدُ النساءِ عظيمًا؛ لأنه مواجهةٌ
98- {وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطَّعن أَيْدِيَهُنَّ إن ربي بكيدهن عليم}
أراد بذلك إظهار براءته بعد طول المدة حتى لا ينظر الملك إليه بعين التهمة
في هذا دليلٌ على وجوبِ الاجتهادِ في نفي التُّهَمِ، ونفيِ الوقوفِ في مواقفِها
99- {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ}
ولم يقلْ: من الجبِّ؛ تكرمًا لئلَّا يستحييَ إخوتهُ
ومن تمامِ الصفحِ ألَّا يذكرَ ما تقدَّمَ من الذنب
100- {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}
فيه تنبيهٌ على أَن الصبرَ والشكرَ عنوانُ المؤمنِ
101- {وإذ تأذَّنَ ربُّكمْ لَئِنْ شكرتم لأزيدنَّكم ولَئِنْ كفرتم إنَّ عذابي لشديدٌ}
{لأزيدَنَّكُم} من فضلي وثوابي
{ولَئِنْ كفرتُم} إحساني إليكم
{إنَّ عذابي لَشَدِيدٌ} فَلَعَلِّي أُعَذِّبُكم على الكفرِ عذابًا شديدًا
ومن عادةِ أكرمِ الأكرمينَ أن يصرِّحَ بالوعدِ، ويُعرِّضَ بالوعيدِ
102-{ألم تَرَ كيفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كلمةً طَيِّبَةً كشجَرَةٍ طيِّبَةٍ أصلُهَا ثَابِتٌ وفَرعُهَا في السَّمَاءِ}
شُبِّهَ الإيمانُ بالشجرةِ
لأن الشجرةَ لا بدَّ لها من أصلٍ ثابتٍ، وفرعٍ قائمٍ، ورأسٍ عالٍ
كذلك الإيمانُ
لا بدَّ له من تصديقٍ بالقلبِ، وقولٍ باللسانِ، وعملٍ بالأبدانِ
103- {وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ}
ليسَ الضلالُ ولا الإضلالُ غرضهم في اتخاذِ الأنداد، لكنْ لمَّا كانَ نتيجتَه، كانَ كالغرضِ
104- {وإِذْ قال إِبرَاهِيمُ رَبِّ اجعَلْ هذا الْبَلَدَ آمِنًا} يُؤْمَنُ فيه
والفرق بينه وبين قوله [في سورة البقرة]: {اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا} أن المسؤول في الأول إزالة الخوف عنه، وتصييره آمِنًا، وفي الثانية جعله من البلاد الآمنة
[انتهى المجلد الثالث وننتقل للمجلد الرابع]
105- {إِلَهُكُمْ إِلَهٌ واحدٌ فالَّذينَ لا يُؤمِنونَ بالآخرةِ قُلُوبُهُم مُنكِرَةٌ وهُم مُستَكبِرونَ ‌‌* لا جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعلِنونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُستكبِرينَ}
فيه: أَنَّهُ مَن سَجَدَ للهِ سَجدَةً مِنَ الْمُؤمِنِينَ، فَقَد بَرِئ مِنَ الْكِبْرِ
106- {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}
فَوَّضَ تعالى حسابَ العبدِ إليه لئلَّا يُنْسَبَ إلى الظلمِ، ولتجبَ الحجةُ عليهِ باعترافِه
107- {وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا}
والباءُ في (بِرَبِّكَ) زائدةٌ، والتقديرُ: وكفى ربُّك، هذه الباءُ إنما تجيءُ في الأغلبِ في مدحٍ أو ذمٍّ، فكأنها تُعطي معنى: اكْتَفِ بِرَبِّكَ؛ أي: ما أكفاه في هذا!
108- {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ} أن نفعلَ له ذلكَ، أو إهلاكُه.
قَيَّدَ المعجَّلَ، والمعجَّلَ له بالمشيئةِ والإرادةِ؛ لأنه لا يجدُ كُلُّ مُتَمَنٍّ ما يتمناه، ولا كلُّ واحدِ جميعَ ما يهواه
109- {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا}
قال أهلُ التفسير: كلُّ راكبٍ وماشٍ في معاصي الله فهو من جُنْدِ إبليسَ
110- {قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا }
إنما استثنى؛ لأنه لم يثق من نفسه بالصبر، وهذه عادة الأنبياء والأولياء
111-{وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا}
قال سفيان بن عيينة:
أوحش ما يكون الإنسان في هذه الأحوال:
يوم ولد فيخرج مما كان
ويوم يموت فيرى قومًا لم يكن عاينهم
ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر لم ير مثله
فخص يحيى بالسلامة في هذه المواطن
112-{وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي‌‌(29) هَارُونَ أَخِي ‌‌(30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ‌‌(31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ‌‌(32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ‌‌(33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ‌‌(34)}
فإن التعاون يهيج الرغبات، ويؤدي إلى تزايد الخير
113-{قال فما خطبك ياسامري ‌‌* قال بصُرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول}
فإن قيل: كيف عرف جبريل ورآه من بين سائر الناس؟
قيل: لأن أمه لما ولدته في السنة التي يُقتل فيه البنون، وضعته في كهف حذرًا عليه، فبعث الله عز وجل جبريل عليه السلام ليربيه لِما قضى على يديه من الفتنة
114- {فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} فتتعب في الدنيا بتحصيل ما يُحتاج إليه منها؛ كمأكل ومشرب وملبس
وخص آدم بالشقاء؛ لأن طلب المكاسب غالبًا يكون بالرجال
115- {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}
وشكواه لم تخرجه عن الصبر، ولذلك وصف بالصبر بقوله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا}؛ لأنها إلى الخالق بأوجز عبارة، وألطف إشارة إلى أنه تعالى أهل أن يَرحم، وأيوب أهل أن يُرحم
116- {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ}
دلالة على كمال قدرتنا حمل امرأة بلا مساسة ذكر، وكون ولد من غير أب
ووحّد الآية، ولم يقل: (آيتين)؛ لأن معنى الكلام: وجعلنا شأنهما آية؛ لأن الآية فيهما واحدة
117-{ومِنَ الناسِ مَنْ يُجادِلُ في اللهِ بِغَيرِ عِلمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيطانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ علَيْهِ أنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فأنَّهُ يُضِلُّهُ ويهديهِ إلى عذابِ السَّعير}
في معنى قوله تعالى: {كُتِبَ عليه..} الآية، من الأمثال الدائرة على ألسن الناس: من أعان ظالمًا، سُلِّط عليه
118- {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}
نسخت هذه الآية سبعين آية؛ لأنها أول آية نزلت في الإذن بالقتال، ونزلت بالمدينة
119- {وإِنْ يُكَذِّبُوكَ فقد كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نوح وعاد وثمود * وقوم إبراهيم وقوم لوط * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ للكافرين ثم أَخَذْتُهُمْ فكيف كان نَكِيرِ}
وقوله: {وَكُذِّبَ مُوسَى} مجهولًا؛ لأن موسى لم يكذبه قومه بنو إسرائيل، وإنما كذبه القبط
120-{أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها}
فيه دليل على أن العقل محله القلب، وهو قول المالكية والشافعية وأصحاب أحمد، والأطباء قالوا: وله اتصال بالدماغ، والمشهور عن أحمد أنه في الدماغ، وفاقًا للحنفية، والعقل ما يحصل به المَيْزُ، وهو نور في القلب كالعلم
121- {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}
المعنى: أعينهم صحيحة، وقلوبهم عُمي
والعمى الضار هو عمى القلب، فأما البصر، فليس بضار في أمر الدين
122- جعل فاتحة هذه السورة [سورة المؤمنون] {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} وخاتمتها {لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} فشتان ما بين الفاتحة والخاتمة
123-{والذين كفروا أعمالهم كسَرابٍ ..أَو كظُلُمات في بحر لُجِّيٍّ يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض}
فشبه عمل الكافر بالظلمات
وقلبه بالبحر
وما يغشى قلبه من الشرك بالموج
والختم على قلبه بالسحاب
فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، وقلبه وجميع أحواله ظلمة، ومصيره إلى جهنم
124- {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ} باسطاتٍ أجنحتَها في الهواء يُصفقن بهن
قيل: خص الطير بالذكر من جملة الحيوان؛ لأنها تكون بين السماء والأرض، فتكون خارجة عن حكم من في السموات والأرض
125-{ويُنَزِّل مِن السماء مِن جبال فيها مِن بَرَد}
قال أهل النحو:
ذكر الله تعالى (مِن) ثلاث مرات في هذه الآية
فقوله:(من السماء) لابتداء الغاية؛لأن ابتداء الإنزال من السماء
وقوله:(من جبال) للتبعيض؛لأن ما ينزله الله بعض تلك الجبال
وقوله:(من بَرَدٍ) للتجنيس؛ لأن تلك الجبال جنس البرد
126- {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا} يبين معنى الظل ونفعه
لأنه لولا الشمس، لما عرف الظل، ولولا النور، لما عرفت الظلمة، والأشياء تعرف بأضدادها
127- {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ‌‌(*) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا}
قدمت الأرض على الأنعام والأناسي؛ لأن حياتها سبب لحياتهما
128-{وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}
في معنى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا} الآية، من الأمثال الدائرة على ألسن الناس: خيرُ الأمورِ أوسطُها
129- {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} من مرضي
وأسند إبراهيم المرض إلى نفسه، والشفاء إلى الله عز وجل، وهذا أحسن الأدب في العبارة، والكل من عند الله
كالخضر حين قال في العيب: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} [الكهف: 79]، وفي الخير: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا}
130- {إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ}
بخلق الشهوة فيهم، فاعتقدوا أعمالهم القبيحة حسنة؛ لشهوتهم إياها، لا أنا حَسَّنَّا لهم الفواحشَ، وأمرناهم بها
131- {وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ}
لأن نفع شكره عائد عليه
لأن الشكر قيد النعمة الموجودة، وصيد النعمة المفقودة
132- {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}
فجمع في هذه الآية بين أمرين ونهيين، وخبرين وبشارتين
133- {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}
عن علي رضي الله عنه: أنها نزلت في أهل التواضع من الولاة وأهل القدوة
134- {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكبَرُ}
{وَلَذِكرُ اللَّهِ أَكبَرُ} أي: أفضل الطاعات
لأن ثواب الذكرِ الذكر، قال الله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} ، وسئل ﷺ: أي الأعمال أفضل؟ فقال: "أن تفارق الدنيا ولسانك رَطْبٌ من ذكر الله"
135- {ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِنْ رجَالِكُم}
ولا يجري فيه القول الضعيف أنه لا يجوز أن يقال له: أبو المؤمنين.. فقوله تعالى: {ما كان مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِنْ رجَالِكُم} إنما سيق لانقطاع حكم النبي ﷺ لا يمنع من الإطلاق المراد به: أنه أبو المؤمنين في الاحترام والإكرام من هو أحق
136- {وإنَّا أَو إِيَّاكُم لَعَلَى هُدًى أَو في ضَلَالٍ مُبِينٍ}
أي: ما نحن وأنتم على أمر واحد، بل أحد الفريقين مهتد، والآخر ضال، المعنى: إنا على الهداية يقينًا؛ لأنا موحدون، وأنتم على الضلالة يقينًا؛ لأنكم مشركون
ولم يصرحوا بذلك تأدبًا؛ لأنه أدعى إلى الإيمان، وهذا غاية الإنصاف
137-{قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا}
وفائدة التقييد بالاثنين والفرادى:
أن الاثنين إذا التجأا إلى الله تعالى،وبحثا طلبًا للحق مع الإنصاف، هدوا إليه،وكذلك الواحد إذا فكر في نفسه مجردًا عن الهوى
لأن كثرة الجمع مما يقل فيه الإنصاف غالبًا،ويكثر فيها الخلاف
138- {يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ‌‌(3)}
ولم يقسم الله - تبارك وتعالى - لأحد من أنبيائه بالرسالة في كتابه إِلَّا له - صلى الله عليه وسلم -
139- {وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} والقائلون هم المؤمنون؛ شكرًا لله حين تم وعده لهم
وقد فتح الله أول الخلق بالحمد فقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}، وختم القيامة بالحمد في هذه الآية
للإيذان أن يحمد تعالى في أول كل أمر وخاتمته
140- {ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ}
ولم يقل: فبئس مدخل؛ للإعلام أن الغرض من الدخول الإقامة
141- {يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بين يَدَيِ اللهِ ورسولِه}
وتحقيق معنى الآية الأمرُ بتعظيم النبي ﷺ وتوقيره، وخفض الصوت بحضرته، وقد كره بعض العلماء رفع الصوت عند قبره ﷺ
وكره بعضهم رفع الصوت في مجالس الفقهاء؛ تشريفًا لهم؛ إذ أنهم ورثة الأنبياء
142- {يا أَيُّها الذين آمَنوا اجتنِبوا كثيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بعضَ الظَّنِّ إثمٌ}
والتبعيض يؤذن باجتناب بعض الظن، ولا يقدم عليه إلا بعد النظر في حال الشخص، فإن كان موسومًا بالصلاح، فلا يظن به السوء بأدنى توهم، بل يحتاط في ذلك..
وأما الفساق، فلنا أن نظن بهم مثل الذي ظهر منهم
143- {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ ‌‌(*) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ}
وخص الأبصار بالخشوع؛ لأنه فيها أظهر منه في سائر الجوارح، وكذلك سائر ما في الإنسان من حياء أو خوف ونحوه إنما يظهر في البصر
144-{عَلَّمَ القرآنَ*خَلَقَ الإنسان}
ومن الدليل على أن القرآن غير مخلوق: أن الله تعالى ذكره في كتابه العزيز في أربعة وخمسين موضعًا، ما فيها موضع صرح فيه بلفظ الخلق، ولا أشار إليه، وذكر الإنسان في ثمانية عشر موضعًا، كلها نصَّ على خلقه، وقد اقترن ذكرهما في هذه السورة على هذا النحو
145- {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}
فيه دليل على أن الخلود في النار مخصوص بالكفار؛ لأن الصحبة تدل على الملازمة
146- {لِكَيْلَا تَأْسَوْا علَى ما فَاتَكُمْ ولا تَفرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ واللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}
فيه دليل على أن الفرح المنهي عنه إنما هو ما أدى إلى الاختيال والفخر
وأما الفرح بنعم الله، المقترنُ بالشكر والتواضع، فأمر لا يستطيع أحد دفعه عن نفسه، ولا حرج فيه
147- {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} لا يدرك منها إلا ما يتعبه
وكل من علم علمًا ولم يعمل به، فهذا مثله
148- {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ}
والمراد بالسعي: المبادرة بالنية والجد، وليس المراد الإسراع في المشي
149- {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}
التوكل: سكون القلب في كل موجود ومفقود، وقطعُ القلب عن كل علاقة، والتعلقُ بالله في جميع الأحوال
150-{ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا للَّذينَ كفروا امرَأَتَ نُوحٍ وامرَأَتَ لُوطٍ كَانَتا تَحتَ عَبدَيْنِ مِنْ عِبَادِنا صالِحَينِ فَخَانَتَاهُما فَلَمْ يُغنيَا عَنهُما مِنَ اللهِ شَيئًا وَقِيلَ ادخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِين}
قطع الله بهذه الآية طمع من يركب المعصية أن ينفعه صلاحُ غيره
151- {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ}
من الأمثال الدائرة على ألسن الناس: الجارُ قبلَ الدار
152- {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ}
حكي أن بعض المتجبرين تُليت عنده هذه الآية، فقال: يأتي به رؤوس المعاول، فذهب ماء عينيه، وعمي، فسمع هاتفًا يقول: قد أغرناها، فاستعمل الآن رؤوس المعاول
153- {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ ‌‌(41)}
واتصاف إيمانهم بالقلة هو الإيمان اللغوي؛ لأنهم قد صدقوا بأشياء يسيرة لا تغني عنهم شيئًا؛ إذ كانوا يصدقون أن الخير والصلة والعفاف الذي كان يأمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو حق صواب
154- {وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى} أي: أدلك على معرفته بالبرهان {فَتَخْشَى} الله تعالى
والعلم تابع للهدى، والخشية تابعة للعلم {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}
155- {وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى ‌‌(8) وَهُوَ يَخْشَى ‌‌(9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى}
فحملة الشرع والعلم والحكام مخاطبون في تقريب الضعيف من أهل الخير، وتقديمه على الشريف العاري من الخير، بمثل ما خوطب النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه السورة
156- {إنَّهُ لَقَولُ رسُولٍ كرِيمٍ ‌‌* ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ ‌‌* مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} أي: في السموات، يطيعه الملائكة
ومن طاعتهم أنهم فتحوا أبواب السماء ليلة المعراج بقوله لرسول الله ﷺ
وطاعة جبريل فريضة على أهل السموات، كما أن طاعة محمد ﷺ فريضة على أهل الأرض
157- {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}
روي أن الله سبحانه إنما ذكر الكريم من بين سائر أسمائه، كأنه لقنه الإجابة حتى يقول: غرني كرمُ الكريم، فهذا من لطف الله بعباده العصاة المؤمنين.
158- {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ}
جمعَ برّ، وهو الذي قد اطَّرد بِرُّهُ عمومًا، فبرَّ ربَّه في طاعته إياه، وبرَّ أبويه، وبرَّ الناس في جلب ما استطاع من الخير لهم، وغير ذلك
159-{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ‌‌(2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ‌‌(3)}
فإنك حينئذ لاحق به، وذائق الموت كما ذاق مَنْ قبلك من الرسل
وعند الكمال يُترقب الزَّوال
160- {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إذَا حَسَدَ}
قال بعضهم: كلّ أحد يمكن أن ترضيه إلا الحاسد؛ فإنّه لا يُرضيه إلا زوالُ النعمة عنك.
وأنشد بعضهم:
فَكُلٌّ أُداريهِ على حسبِ حالِهِ … سِوى حاسدٍ فَهْيَ الّتي لا أَنالُها
وكيفَ يُداري المرءُ حاسدَ نعمةٍ … إذا كانَ لا يُرضيه إِلَّا زَوالهُا
161- {قل أعوذ برب الفلق (1) من شر ما خلق (2) ومن شر غاسق إذا وقب (3) ومن شر النفاثات في العقد (4) ومن شر حاسد إذا حسد}
قال الحسين بن الفضل:
ذكر الله تعالى الشرور في هذه السورة، ثمّ ختمها بالحسد؛ ليظهر أنّه أخس طبع
162- {الَّذي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النَّاسِ ‌‌(5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ}
قيل: هو بيان لمن يوسوس؛ لأنّ الشيطان إنسي وجني..أي: من شر وسوسة الإنس والجن
ويعضد هذا القول قول ابن عطية رحمه الله: (وَالنَّاسِ) يراد به من يوسوس بخدعه من البشر، ويدعو إلى الباطل، فهو في ذلك كالشيطان
وبذلك نكون ختمنا نقل الفوائد في يوم عرفة
والحمدلله الذي بنعمته تتم الصالحات
رتب
@rattibha

جاري تحميل الاقتراحات...