د. عبدالله الفيفي
د. عبدالله الفيفي

@alfaifawiP

9 تغريدة 4 قراءة Jan 11, 2022
ثبات الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان مسألة قال بها الفقهاء فقط، وأما الفلاسفة فيعتقدون بأنّ التشريع مسألة نسبية، ويجب على أهل كل زمان تحديد شريعتهم التي تصلح لزمانهم.
الشرائع في كل زمان هي نظام يُشتَق من ظروف الناس وحياتهم ومعاييرهم وأذواقهم.
فإذا كان مصدر الاشتقاق متغيراً فإنّ المُشتَق يجب أن يتغير قطعاً.
هل يصلح أن تسن قوانين (العقار) الخاصة بأهل الساحل عند أهل الجبال، وهل يصلح أن تسن قوانين الزراعة عند أهل الصيد والأسماك؟
لا طبعاً.. القانون هو ثمرة لأصول موجودة في ظروف الناس وحياتهم وتعاملاتهم.
وهذه الأصول ليست ثابتة، بل تتغير في كل زمان ومكان، ويقوى التغير بطول المدة.
إذا أقنعتني بأنّ ظروف الحياة الآن هي نفسها ظروف الحياة في عهد الرسول سوف أقتنع بأنّ شريعة الفقهاء مناسبة وصحيحة، بمعنى أنّ الحياة بدائية والمجتمع قروي والغزوات قائمة والسبي والإماء والعبيد حاضرة، ولا وجود لحدود بين الدول ولا قانون دولي ولا متطلبات اقتصادية ولا ضرورات سياسية.
اهتم الفقهاء قديماً بالشريعة لأنّها هي قانون الحياة في ذلك الوقت، وأما الفلاسفة فقد كانوا يهتمون بالحياة نفسها.
القانون تابع للحياة وليست الحياة تابعة للقانون.
الشريعة التي يتحدث عنها الفقهاء لا تخاطبنا نحن، بل تخاطب ناساً عاشوا قبل 1400 سنة في ظروف مختلفة تماماً.
الثبات عند نقطة الماضي هو الذي خلق فئات ترفض الحياة المعاصرة وتكرهها وتكفرها لأنّها عندما تريد تطبيق مبادئها على الواقع لا تجدها مناسبة أبداً؛ فتصدر حُكماً عاماً وشاملاً بوجود جاهلية سائدة وكفر يغطي الأخضر واليابس، ثم يتحول مشروعها إلى محاربة الذات وإنهاكها وتمكين الأعداء منها.
الفلاسفة قرؤوا الماضي على أنّه نقطة انطلاق ودفعة جديدة إلى مستقبل أكثر إشراقاً، ولذلك لم تكن لديهم مشكلة مع مشروع النبي إطلاقاً.
مشكلتهم فقط مع الفقهاء الذين اعتبروا هذا المشروع هو المِحوَر الذي يجب الدوران حوله، وتطويع الحياة في سائر الأزمان لتتوافق مع ظروف ذلك المشروع.
وهذه نقطة مهمة أرجو التركيز عليها.
فلاسفة المسلمين يقرّون بعظمة المشروع الذي قدمه النبي وأهميته وضرورته ولكنهم يتعاملون معه كـ (نقطة انطلاق) وليس (محور).
وبين الأمرين فرق الشاسع، ونتيجة كل واحد منهما مناقضة للآخر تماماً، رغم أنّ الجميع يشترك في الموقِف من الأصل والاعتراف بأهميته.
خلاصة الكلام؛ لا يوجد ثبات في هذه الحياة، وكل الأحكام فيها نسبية، ومستحيل أن يوجد قانون أو شريعة ثابتة إلى الأبد.
وكل عظيم يظهر في أي زمن إنما تكمن عظمته في دفع الحياة إلى الأمام، وليس في جذبها إليه، سواءً كان نبياً أو غيره.
رتب @rattibha

جاري تحميل الاقتراحات...