أمجد النور | Amjad Alnour
أمجد النور | Amjad Alnour

@AmjadAlnour

37 تغريدة 15 قراءة Jan 23, 2023
<أنا الطيرة الـ جيت الليلة>
✍️ أمجد النور - (قصة حقيقية)
في قاموس "الشرح المجزول في مصطلحات الزول"، وهو قاموس من تأليفي قبل قليل لغير الناطقين باللهجة السودانية، إذا بحثتَ عن كلمة "الطيرة" ستجد التعريف الآتي: "كلمة مشتقة من الطير، يوصف بها الطائر الصغير أو العصفورة.
وتُستخدَم اصطلاحًا لوصف الشخص الأبله، العبيط، أو مثلما نقول مجازًا في السودان: المسكين اللي الغنماية تاكل عَشاه".
في نفس القاموس، وعلى بعد عدة صفحات من الطيرة، ستجد مصطلح ش.ع. وهو اختصار لصفة (شهادة عربية). نعم، "شهادة عربية" تعتبر صفة في السودان. تطلق على خريجي المرحلة الثانوية النازحين من مختلف الدول العربية ليرتموا في أحضان الوطن من أجل إكمال الدراسة والالتحاق بالجامعات السودانية العريقة.
العرف السائد في السودان هو أن ليس كل طيرة ش.ع. ولكن كل ش.ع. طيرة.
محدثكم… كان ش.ع.
الـ ش.ع. من منظور الشخصية السودانية الكادحة هو طالب مُنَعّمٌ مُدللٌ وبالترطيبة مُبللٌ، تلقى تعليمه في مدارس دول الخليج.
مدارس فصولها شُيدت من الزعفران، وقاعاتها طُليت بماء الذهب، ومبانيها تجري من تحتها الأنهار (مع إنه مافي أنهار في دول الخليج). 🤔
قبل أن يتم قبولنا في أي جامعة، كان يُخسَف بمعدلاتنا التي جئنا بها من الخليج بما قد يصل لـ11% (حسب سنتي الدراسية التي تخرجت فيها من المرحلة الثانوية).ذلك الخصم الجائر كان بحجة العدل بين الـ ش.ع. الذي حصل على درجته بكل يسر وسهولة وهو يسبح في ترف مدارس الخليج الزعفرانية،>>>
وبين نظيره السوداني الشقيان التعبان الذي درس في ظروف عسيرة وعانى الأمرين ليتخرج من الثانوية، في ظل مناهج صعبة وضعها آلبرت آينشتاين ونيكولا تسلا والمحقق كونان.
كان هذا ظاهر الخصم من النسبة المئوية، أما باطنه فقد كان ذريعة يتذرع بها تجار الجامعات الخاصة ومن فوقهم الدولة الجشعة حتى يلهطوا ما بجيوب ذوي الـ ش.ع. الذين يفشل أبناؤهم وبناتهم في إدراك القبول العام بسبب نسبهم المتدنية (قسرًا).
وأتذكر أني فوجئت بسؤال في استمارة التقديم الجامعي عن راتب والدي المغترب في السعودية! (وسؤال مستفز ثانٍ عن قبيلتي!! ولكن ذلك موضوع آخر لوقت آخر). هذا الشيء يعرفه تماما أبناء وبنات جيلي من الـ ش.ع. ولا أعرف إذا كانت ما تزال هذه الأسئلة موجودة في استمارات التقديم الجامعي.
ليس ذلك فحسب، بل حتى إذا تمكن الـ ش.ع. من أن يلتحق بالجامعة بقبول عام -كحالتي مثلاـ فإنه سيدفع رسوم التسجيل وكل الرسوم الجامعية الأخرى بالدولار، بخلاف طالب الشهادة السودانية (الـ ش.س.) الذي كان يدفع بالجنيه السوداني.
لا أعلم لماذا كان الإصرار على أن ندفع بالدولار! ألم يخبركم آينشتاين في المناهج التي وضعها لكم يا مسؤولي التعليم العالي أن العملات في الخليج هي الريال والدينار والدرهم!؟
ما علينا 🤷🏽‍♂️
ولأن قدري قادني للدراسة الجامعية في دولة عسكرياااو بامتياز، فقد كان لابد لي ولكل خريجي الثانوية من أداء الخدمة العسكرية الوطنية قبل أن نفكر في الالتحاق بالجامعات. وكعادة النظام البائد (الكيزان) في ذلك الوقت في التفنن في اختيار الأسماء الرنانة،>>>
فقد كان يطلق على الخدمة العسكرية الإجبارية التي تسبق الجامعة: (عِــزّة الـسـودان). حيث كان خريج المرحلة الثانوية يخضع لكشف طبي يُصنفه حسب قدرته الجسدية والصحية إلى عدة أصناف تخوله للالتحاق بمعسكرات التدريب، أو تحيله إلى الإعفاء إذا وُجِد غير لائق طبيا.
قبل يوم من موعد فحصي الطبي، أشارت لي ابنة خالتي (الطبيبة) بأن أخبر الفاحص بأنني أعاني من الرعاف (نزيف الأنف)، حيث أنه -بحسب روايتها- مرض لا يمكن كشفه بالفحوصات، وهو كفيل بأن يحول بيني وبين دخولي للمعسكر. فقد كانت ترى أنني مُنَعّمٌ مُدللٌ وبالترطيبة مُبللٌ، ولن أقوى على العسكرية.
في اليوم التالي وَلَّيتُ وجهي (وأنفي) قِبَلَ مستشفى حاج الصافي ليتم فحصي. وأنا أستذكر وأراجع مع نفسي أعراض الرعاف وكأني طالب طب على وشك أن يدخل امتحان أنف وأذن وحنجرة. وعندما حان دوري ووقفت أمام الفاحص، بادرني بالسؤال دون أن يرفع عينيه من على الورقة التي كان يسجل عليها ملاحظاته:
-الفاحص: "بتعاني من أي أمراض مزمنة؟"
—أنا: "أيوه، عندي رعاف."
-الفاحص يتوقف عن الكتابة ويرفع رأسه لينظر إلي: "رعاف كيف يعني؟"
—أنا: "رعاف يومي.. كل يوم مرة أو مرتين."
-الفاحص (بنظرة من فوق لتحت وابتسامة صفراء تضُر الناظرين): "رعاف يوميًا ولحد هسي دمك ما اتصفى؟"
عندها، التقط الفاحص قلمه من جديد وكتب أول حرف في اسمي (أ) ولكنه لم يكن يقصد (أمجد) بل كان يقصد التصنيف الطبي (أ) وهو يعني أني لائق طبيا لدخول المعسكر من أجيش أبوابه.
وفجأة وجدت نفسي أحزم حقيبة حديدية وفرتها لي خالتي لأبدأ رحلتي نحو معسكر العيلفون الذي كان يستقبل طلاب الـ ش.ع. المنعمين المدللين وبالترطيبة مبللين، ولعل ذلك كان سبب تسميته -حسب القائمين عليه- بـ مـصـنـع الـرجـال. (مسلسل أسماء رنانة - الحلقة 132)
دعوني أنوه إلى أني كنت قد وصلت للسودان قبل كل هذه الأحداث بأقل من ثلاثة أيام فقط، بعد قضاء سنين طويلة من طفولتي ومراهقتي في السعودية، كنتُ بعيدا فيها كل البعد عن السودان، ثقافيا وجغرافيا -وبالتأكيد- عسكريا.
بل إن تجربتي العسكرية الوحيدة قبل ذلك كانت في أغوار البلاي ستيشن، حيث كان خصومي من الزومبي ومصاصي الدماء. وكل الأسلحة التي حملتها كانت بصور ثلاثية الأبعاد رديئة الجودة (أنا من جيل بلاي ستيشن 1).
وصلت معسكر العيلفون، وكنت وقتها متخلفا عن رفاقي من الـ ش.ع. في المعسكر بأكثر من شهر بسبب تعطل بعض إجراءاتي في السعودية. ولذلك تم إدراجي في سرية الــخـوالـف، حيث كان الضغط علينا كبيرا من أجل أن نلحق برفقائنا الذين بدأوا التدريب قبلنا. كنت آخر من التحق بالمعسكر في ذلك العام.
بمجرد دخولي للمعسكر، تم تفتيش حقيبتي من قبل (تعلمجي طموح)، وسأعود لقصة طموحه لاحقا، وبدأ تعلمجي آخر بتفتيشي شخصيا. لأكتشف لاحقا أن التفتيش المتزامن لي وللحقيبة في نفس الوقت، ما هو إلا حيلة بين التعلمجية لشغلي عن حقيبتي والاستيلاء على مزيل العرق الذي أتيت به للمعسكر.
~تخيل واحد ماشي معسكر خدمة وطنية وشايل معاه مزيل عرق! والله بالجد ش.ع. 🤦‍♂️~
بعد التفتيش، تم تكريمي بحلاقة مجانية Zero بالموس على نفقة الدولة، لم أدفع فيها قرشًا واحدًا، فنشكر الدولة على اهتمامها بـ "شعورنا".
حلت الساعة التاسعة مساءً، وحان وقت التمام اليومي، فَطُلِبَ مني الالتحاق بسرية الخوالف ليتم تسجيلي ضمنها، فشققت طريقي نحوها في ظلمة الليل معتمدا على نور القمر المنعكس من على صلعتي التي حصلت عليها قبل سويعات
وعندما وصلت للسرية، استقبلني قائدها (لا أذكر رتبته بصراحة) بعبارة: "انت الطيرة الـ جيت الليلة؟"
رددت عليه بخجل: "أيوه"
وهنا، انقسمت السرية لقسمين، قسم أطلق ضحكات خافتة بسبب كوميدية الموقف، وقسم آخر تعاطف مع الطيرة الـ جا الليلة.
-قائد السرية (يعيد السؤال): "ما سامعك، انت الطيرة الـ جيت الليلة؟"
—أنا (بصوت أعلى بمقدار 2 ديسيبل): "أيوه"
-قائد السرية: "ارفع صوتك يا مستجد.. قول أنا الطيرة الـ جيت الليلة"
—أنا (بصوت أعلى بمقدار 3 ديسيبل): "أنا الطيرة الـ جيت الليلة"
-قائد السرية (ينهر بغضب): "يا زول قلت ليك ارفع صوتك"
—أنا: "أنا الطيرة الـ جيت الليلة"
-قائد السرية (يضرب بعصاه الأرض): "يا مستجد، أنا قلت ليك أقيف؟ قولها لحد ما أقول ليك أقيف وارفع صوتك"
—أنا: "أنا الطيرة الـ جيت الليلة" (6 ديسيبل)
"أنا الطيرة الـ جيت الليلة" (9 ديسيبل)
"أنا الطيرة الـ جيت الليلة" (14 ديسيبل)
"أنا الطيرة الـ جيت الليلااااو" (صراخ ديسيبل)… إلخ
في تلك اللحظة لم تعد السرية منقسمة بين ضاحك ومتعاطف، بل إن الجميع بدأوا بالتعاطف معي لدرجة أن أحدهم همس لي من بعيد: "يا زول انت فارقة معاك شنو؟ قولها وبس، ما تخليه يستفزك".
وبذلك، فقد كان أول تمرين لي في مصنع الرجال هو تمرين الحبال الصوتية. وليس حمل السلاح أو اللياقة البدنية 😂
لاحقا في تلك الليلة، وبعد أن نلت قدرا من التعاطف من الخوالف، سألني أحدهم: "انت الجابك شنو هنا يا زول والمعسكر ليهو شهر مما بدأ؟". فأخبرته بقصتي وتأخري في السعودية، ومحاولتي للزوغان من المعسكر بالعذر الطبي الفاشل المتمثل في الرعاف، والذي أشارت لي به ابنة خالتي، الطبيبة الفذة.
عندها سخر مني وأخبرني أن أفضل عذر طبي (لا يمكن اكتشافه) للهروب من المعسكر هو: الصداع النصفي المزمن، بل إنه حتى أخبرني بأسماء الحبوب والعلاجات التي يستخدمها من يعانون من الصداع النصفي بشكل مَرَضي. كما أنه وجهني للمكان الذي يجب أن أقصده في المعسكر ليتم فحصي طبيا وتصنيفي من جديد.
وفعلًا -في اليوم المحدد- عندما أتت المواعيد التي كان قد أخبرني بها رفيقي، توجهت للعيادة وأنا أستذكر وأراجع أعراض الصداع النصفي وكأني طالب طب على وشك أن يدخل امتحان مخ وأعصاب. وجاءني طبيب المعسكر ليستفسر عن سبب زيارتي للعيادة.
وبعد جولة من السين والجيم ممزوجة بأداء تمثيلي متقَن، أرى أنني استحققت عليه جائزة الأوسكار أكثر من @LeoDiCaprio في فيلم #TheRevenant قرر الطبيب بأن يسمح لي بالخروج من المعسكر لتتم إعادة فحصي من جديد وتصنيفي بتصنيف يعفيني من المعسكر.
وهنا تجسدت لي مقولة "اسأل مجرب ولا تسأل طبيب". حيث أن الرعاف الذي حصلت عليه من بنت خالتي (الطبيبة) لم يفدني بقدر الصداع النصفي الذي أعطاني إياه زميلي في المعسكر.
أما (التعلمجي الطموح)، بعد أن علم بقرب خروجي من المعسكر، فقد طلب مني ألا أغادر قبل أن يسلمني "أمانة" على حد قوله. فاستبشرت خيرا، وظننت أن ضميره أنبه، وأنه سيعيد لي ما سرقه مني عندما فتشني في يومي الأول
ولكني تفاجأت به وهو يسلمني مَلفًّا به سيرته الذاتية (CV) ويطلب مني أن أوصله لخاله في السعودية عند عودتي في أقرب إجازة. وحتى يومنا هذا، لا أعلم كيف عرف أني أتيت من السعودية! ربما قرأ ملصق السعر على عبوة مزيل العرق التي سرقها مني… فقد كان السعر على الملصق مكتوبًا بالريال السعودي.
بالريال يا مسؤولي التعليم العالي.. وليس بالدولار.
✍️ أمجد النور
الطيرة الـ عيدميلادي الليلة 🎂

جاري تحميل الاقتراحات...