قبل كل نهاية فصل دراسي يدور في غرف المعلمين حديث متشابه حول درجات الطلبة ومستوياتهم وما النتائج المترتبة على المعلم من رسوبهم من حيث إعداد التقارير والأنشطة العلاجية وغيرها وخضوعه للزيارات الإشرافية والإدارية فينتهي الحديث بتنجيح الطلبة الضعفاء تجنبا لكل ما سبق.
هنا ينبغي الوقوف بشكل صادق وموضوعي تجاه هذا الأمر المتكرر سنويا لما فيه من تداعيات خطيرة على حقيقة سير العملية التعليمية ومستويات الطلبة التحصيلية وتأثيرها عليهم وعلى المجتمع مستقبلا فنحن نمارس النفاق التعليمي واقصد بنحن ( المعلم، والإدارة المدرسية، والمشرفين، والإداريين).
قبل سنوات زارتني لجنة من المديرية وكنت المقصود من هذه الزيارة بسبب إرتفاع معدل الرسوب في المادة (٩٤ حالة) وكنت يومها مصر على موقفي بأنهم يستحقون الرسوب نتيجة ضعف مستوياتهم ( قراءة وكتابة وفهم ولا اهتمام) وجميع متعلقاتهم من اختبارات وأنشطة وواجبات موجودة كحجة على صحة نتائجهم.
كان من ضمن الذي اقترحته على اللجنة، المتعجبة من أعداد الرسوب لدي دون جميع المدارس، بأن يصدر قرار وزاري بتوجيه المعلمين بعدم التدخل في نتائج الطلبة في الفصل الدراسي الأول فقط من أجل الوقوف على حقيقة ما يجري، فبالله كيف لطالب لا يعرف القراءة أن يحصل على حرف (باء) في العربي!!
كنت قد بينت حالة التخويف التي تمارس على المعلم من أجل تنجيح الطلبة حتى لو لم يكونوا مستحقين النجاح وما تلك الزيارة إلا مثال واضح وصريح لهذه الآلية الغريبة التي تشكك في إمكانية المعلم وتهمل مسألة تقويم المستوى التحصيلي للطالب بحجة ( ليش انت الوحيد اللي طلابك راسبين)!!
من المواقف التي لا أنساها حضور ولي أمر في ذات السنة التي رسب فيها الطلبة مستفسرا ومتعجبا من درجة إبنه المتدنية ورسوبه مبررا بأنه حاصل على درجات مرتفعة ومنها في مادة اللغة العربية فما كان مني إلا اعطاء إبنه ورقة ليقرأها فما استطاع.
طالب ضعيف في القراءة من أين له تلك الدرجات!!
طالب ضعيف في القراءة من أين له تلك الدرجات!!
هذا العام الدراسي وضعت بنفسي الاختبار النهائي لصفوفي، الاختبار جدا سهل ويكاد تصنيفه يليق بصفوف الخامس وليس الثامن ولكن كل ذلك من أجل رفع معدل التحصيل بعدما ظهر ضعفه في الاختبارات القصيرة التي نطبقها بعد تحديد الدروس وزيادة التوقيت لحصة كاملة وكل ذلك مخالف ولكن....!
ماراثون الدرجات الذي يجري فيه ولي الأمر والإدارات المدرسية والمشرفين لا يكترث بالمصداقية إطلاقا فالجميع يريد تحقيق درجات على حساب مستوى الطالب الضعيف الذي لم يحصل إلا على قناع زائف من الدرجات، درجات مرتفعة بمستوى عقلي منخفض، مع السنوات ستظهر نتائجه الكارثية على الطالب نفسه.
وهنا أيضا أركز على ولي/ة الأمر الذي ساهم بشكل كبير في غرس صفة الإتكالية في عقل إبنه منذ الصفوف الأولى في الحلقة الأولى. حل الواجبات والأنشطة بدل الطالب جعله يفقد الكثير من المهارات والنتيجة طالب في الصف الخامس يعاني من الضعف المركب في حلقة تعليمية ينبغي أن يكون ملم بالقراءة.
دور ولي/ة الأمر الصحيح يكون فقط إشرافي ومتابعة، أتركوا إبنكم يتعلم بنفسه ويذاكر بنفسه ويحل واجباته وأنشطته بنفسه حتى لو كانت خطأ لأن درجة ٣ / ٥ بجهد إبنك أفضل من درجة ٥ / ٥ بالمساعدة فلا تظنوا بأنكم تصنعون طالب قادر على التفكير والاستنباط والتحليل والقراءة والكتابة بهذه الطريقة!
يتسع عقل وتفكير الإنسان حين يترك في مساحة ضيقة، وكلما واجه الصعوبة أصبح أكثر قدرة على التفكير والبحث عن الحلول. ما يحدث اليوم هو حالة من الضمور العقلي لدى الطلبة نتيجة تقديم المادة العلمية على طبق دون أن يكلف الطالب عقله في الحفظ والاستنتاج، هذا التسهيل عاما بعد عام أصبح سلبي.
ومما يجب التنويه عليه هو تدخلات بعض أولياء الأمور في سير العملية التعليمية، هناك من يتدخل حتى في الاختبارات القصيرة وتوقيتها وما إذا كانت اختبار أم اثنين في اليوم الواحد لدرجة بلغ الأمر بالمطالبة بتحديد دروس الاختبار النهائي وكأنه حق مكتسب وكل ذلك بحجة ضعيفة كالتسهيل على الطلبة.!
النصيحة الأخيرة التي قدمتها مؤخرا لطلبتي بعدما انتهيت من وضع الاختبار النهائي هي المذاكرة ثم المذاكرة ثم المذاكرة لأن مستوياتكم ضعيفة في الوقت الذي فيه نعطيكم اختبارات وواجبات منزلية سهلة وأن المستقبل لا يرحم ولا مكان للضعفاء وما نفعله اليوم من تسهيل وتنجيح ليس من صالحكم.
جاري تحميل الاقتراحات...