نادية.(واغفر لوالديّ)
نادية.(واغفر لوالديّ)

@3_mp9

25 تغريدة 282 قراءة Jan 05, 2022
22/5/1443
ليلة الأحد
ذهبت لزيارة والدتي فلذة كبدي وكل النور رحمها الله،كان يومها الطريق طويل رغم أنه نفس الطريق اللي نمره كل يوم لكن كنت بهذي الليلة عجولة،متشوقة لرؤيتها أكثر من كل مرة وكأنها غابت عني سنوات عديدة،كانت المشاعر في هذي الليلة مختلفة غريبة،كان قلبي متشفق ويركض لها..
وصلت و دخلت رغمًا عن الموانع،كانت الاجهزة مغطيتها،ما كان يوضح منها إلا ملامح بسيطة رويت فيها جزء من شوقي،مسكت يديها ولأول مرة ماشدت أمي على يدي، تأملت تجاعيد السنين ومرت عليّ كل الذكريات كل الطفولة كل المراهقة، الشقاوة،كل مسكة يد،كل طبطبة على الكتف،كل موقف حنون،كل كمادة آخر الليل
تأملتها ساعات وكأن في شيء يقولي أن هذي آخر نظرة ،هذي آخر مسكة استمتعي فيها ..فجاءة العلامات الحيوية تتناقص وكنت ادعي ربي بقلب خايف وارجوه أنها ترتفع وأنها ما تروح أمي ولو كان الرضا بأقدار ربي حاضر بقلبي لكن هذي أم واغلى ما بحياة الإنسان أمه،وقتها ارتفعت العلامات بعد كل دعوة..
وكنت ابتسم بغصة وأمل خير رغم جملة الدكتور لي:"يا بنتي روحي لبيتك، ارتاحي وجودك ما بيفيدها، امك حالتها حرجة ادعيلها بالرحمة"فاهمة لكن يعزّ علي اترك أمي ولو لحظة كيف لو كانت الأخيرة، وكيف وأنا عارفة أن بتجي لحظة وتروح بها عني للأبد،وبتجي أيام افتش عنها بزوايا البيت وما احصلها..
شلون اتركها وأنا كنت سابقًا اخاف النوم لخوفي من ضياع الدقائق من غير ما اكون معها لما كانت حالتها مستقرة، كيف اتركها الحين وهي بين هذي الأجهزة ومدري بإي لحظة بيكون فيها الفراق الأبدي الدنيوي ،كنت اكلمها رغم الغيوبةو كانت هذي المرة الأولى اللي أمي ما تلبي لي ولا تسابقني بالكلام..
كنت اقولها بختم القرآن وبكون مصدر فخر لك بالدارين،أبوي رفيقك ما بتركه،صحيح أني الأصغر عمرًا وصحيح ما اقدر اكون أنتي، ومحد يقدر يكون أنتي،لكن بكون أم لأخواني وبخطي خطاك،بتصف بأخلاقك الحميدة، بصبر مثلك ولو كنت انزف وجعًا،بعفو واصفح عن المسيء،بتكون ابتسامتي حاضرة مثل ابتسامتك الحنون
بكون جنب كل احبابك بالسراء والضراء مثل ما كنتي جنبهم،وبمسح على رأس اليتيم مثل ما كنتي تمسحين، بفرح اطفال قريتنا واحتويهم واحبهم مثل ما كنتي تحبينهم و مارح يفقدونك، راح اخلد ذكراك ما حييت بالمواقف والعادات والصفات اللي اكتسبتها منك...
اثناء سردي للوعود إلا صوت من بعيد:
"الزيارة انتهت"وانا اقول أن هذا الصوت مو حقيقي، يارب يتهيأ لي،للحين ما اكتفيت وما ارتويت من يديها،كلمت الممرضة لعلها تسمح لي قلت انتي تحسين باللي احسه؟خليني جنبي امي هذي الليلة قالت حاسة فيك بس هذا القوانين ولو وافقت بتضرر بعملي،قلت إلا قطع رزقك
الزيارة انتهت واخترت انهي الحديث بتلاوة تحبها أمي، قرأت عندها آخر تلاوة،كانت سابقًا تمسك يدي وتحطها على موضع الألم وتقولي يلا رتلي بصوت مسموع بنام على تلاوتك، كانت تصارع السرطان بالقرآن،لكن هالمرة تلاوتي كانت الأخيرة،نامت عليها للأبد،رتلت الآيات في هذي الليلة بغصة، بنبرة باكية..
قبلت رأسها بغصة،يدي ما قدرت انزعها من يدها،قلبي مو قادر يغادر هذي الغرفة.. طلعت من الغرفة لخوفي على مستقبل الممرضة،مشيت والخطوات ثقيلة،وجهي وقلبي وكلّي متجهين لها،تعذرت بعلبة ماء نسيتها بالغرفة عشان يسمحون ارجع وادخل اشوفها مرة ثانية،كان كل مافيني بهذي الليلة يخاف يتركها ويروح..
طلعت من المستشفى وقلبي ما طلع معي..
من لحظة وصولي للبيت جلست انتظر بكرة يجي بشوق عشان اشوفها لو من بعيد لدرجة كنت طوال الليلة اطالع الساعة وادعي تعدي الساعات بسرعة ويجي الصبح يجي..جاء الصبح وامي راحت فيه..
قالوا لي امك توفت بنفس اللحظة من الخبر في شيء انطفأ بالدنيا وما بيرجع يضوّي،حمدت الله عند الصدمة الأولى ورضيت ما تجزعت،لكن في شيء تلاشى مع والدتي، شيء حنون ماله عوض،هذي أم والله يعلم أنها ما كنت أم وبس وما كنت إي أم..
كانت ليلة غريبة على كل من عرف أمي لو من بعيد،شيء حنون ودافىء بالقرية انطفأ، قلب طيب يحتوي الجميع راح للأبد،كل من في القرية اطفالها رجالها نسائها بكوها و رثوها،لدرجة عجزوا عن مواساتنا بوفاتها،لأنها تمسهم و منهم وفيهم، بكل بيت تركت بصمة، ضحكة،هدية، وقفة، طبطبة، مصالحة، حتى آكلة..
الكل مصدوم، ام عبدالله الصبورة توفت، نسمة القرية ودفاها،الوجه الضحوك،ام عبدالله اللي ما ترضى احد يغتاب بمجلسها، ام عبدالله اللي وين ما احتجناها لقيناها،اللي تقدم الجميع على نفسها وراحتها، اللي توصينا على الخير، البر، الإحسان، اللي تصلح بين المتخاصمين بفضل من الله..
ليلتها رغم صدمتي ومرارة الفقد كنت انتظر الصبح للحين، كنت اقول لا تحزنين للحين في فرصة ،فرصة لنظرة آخيرة ومسكة يدين، في يوم ثاني اشوفها،وصلنا المغسلة دخلت كنت انتظر المغسلة تكشف عن وجه أمي الحنون، كانت هذي اللحظة عندي اشتريها بعمري كله، انكشف وجه فقيدتي نور عيني،وقتها اطمأن قلبي..
نور ساطع، وجهه بشوش مطمئن، تجاعيد السنين والحزن وعلامات المرض ووكل الآلام اللي كانت بملامحها اختفت تلاشت!
حواجبها سوادهم غامق وكأنها شابة، صحيح روحها مو بجسدها لكن الحنية اللي عشت فيها ٢٦ سنة حسيت بها من ملامحها ووصلتني..
بدينا بتغسليها كانت المغسلة تقوم بتقليب والدتي بمساعدتي يمين ويسار وتلقائي بدون شعور قلت بأسلوب عامي عفوي:" شوي شوي خلينا نقلبها ،اللي يخليك يدها لا تتأذى وتنجرح"طالعتني بتعجب وكأنها تقول أمك مافيها روح وأحساس شلون بتحس بالألم لو شدينا عليها،صح ماتت أمي لكن أمومتي تجاهها ما بتموت
كان جسمها بارد برودة شديدة اوجعتني لدرجة ما حسيت بأطراف يديني وكنت وقتها ابي ادفيها بإي طريقة كانت، طول عمري كنت اخاف على أمي من البرد وطلعت هالمشاعر اثناء الغسل بدون شعور مني، مسكت يديها عشان ادفيهم لكن ما دفت وهذا شيء مستحيل، كان شباك المغسلة فاتح وسكرته عشان ما تزيد برودتها..
كانت هذي الافعال غير مقصودة وكان الجميع يظن أني مجنونة لأنهم يجهلون علاقتي بوالدتي وامومتي لها وتعلقي فيها،كنت احب شعر أم حبًا جمًا وكنت اظفره لها دايمًا واتسابق مع اخواتي على هاللحظة،واثناء تظفير المغسلة لشعر أمي لاحظت عيوني ورغبتي بهذي المهمة وقالت تعالي خوذي انتي ظفري لو ودك..
وقتها فرحت و كأن امي رجعت الحياة ورجعت اقوم فيها،كان شعوري وقتها شعور طفل رجعت له أمه بعد سفر طويل،فرحتي سببها أني بخدمها واهتم فيها للمرة الأخيرة، جلست اظفر شعرها ببطىء واتعمد،مابي تنتهي هذي اللحظة،مابي تروح أمي من هذا المكان، مابي اودعها،لكن لخوفي من فوات الصلاة عليها استعجلت..
انتهى كل شيء،هذي اللحظة اللي كنت اتهرب منها من بداية الغسل واخاف قربها،طلبت اكون جنبها لدقيقة أخيرة قبل يأخذونها للقبر وما بشوفها إلا يوم القيامة،هذي اللحظة كان ودي ينتهي كل شيء عندها كل شيء، تأملتها للمرة الأخيرة، قبلتها،وعدتها بوعود،واستودعتها الله إلى لقاء آخر أبدي يوم القيامة
طلعت من المغسلة وأنا صابرة راضية بما كتبه الرحيم اللطيف و حامدة لكن قلبي بما فيه من حب تركتها عندها وطلعت والله يعلم مرارة فقدها، آخر ما قالته المغسلة عن أمي: اول مرة اغسل جنازة بهذي السهولة والسرعة والخفة، امك مستعجلة على لقاء ربها، أمك شهيدة"
يكفيني يا أمي أنك مرتاحة آمنة مطمئنة عند ربي،الله يجعلك تتقلبين بالنعيم يا دفء الحياة ونورها،الله يغفرلك ويقدمك مثل ما قدمتيني على نفسك،عزائي الوحيد اللي اتصبر به على مرارة فقدك وصعوبة الليالي بدونك أنك الآن عند رب رحيم يحبك ويرحمك ويلطف فيك ويرعاك،عساك تكونين اول لمحة لي بالجنة.
الله الله بأمهاتكم أحياءً وأمواتنا.
استغلوا اللحظات، الدقائق، قدموهم على كل الخلق، كل شيء بعدهم للخسارة وبدون حسايف، الله لا يفجعكم فيهم..
كل من يقرأ و فاقد احدى والديه:
ما انتهي البرّ،ما انتهى الحب،ما انتهت الأمومة، ما بنتهي شيء بمجرد وفاتهم..
اعلم أن والديك المتوفين بحاجتك أشد الحاجة الآن،صلاحك واخلاقك ودعواتك وصدقاتك هي اسمى واصدق البرّ ،لا تغيب عنهم،لا تغيب،لا تسهو عنهم بمواطن الإجابة، و اجعل لهم نصيب من مالك.

جاري تحميل الاقتراحات...