أُسامة.
أُسامة.

@OFD_02

37 تغريدة 23 قراءة Jan 06, 2022
#دراسة_فيلم 🔴
بين المدح والذَّم لفيلم "مارتِن سكورسيزي" الشهير Taxi Driver، دراساتٌ جدليَّة كُتِبت في حقِّه. في التغريدات القادمة، سندرسُ الفيلم دراسةً نقديَّةً فنيَّة، لنُبيِّن سبب كونه تُحفةً من تُحف السينما العالميَّة 🤩👇🏼
فضِّل التغريدة وأعِد نشرها حتى تصِل للجميع 🙏🏼❤️..
في البداية يجبُ التوضيح أنَّ فقرة (دراسة فيلم) تحتوي على حرق لأحداثه؛ لأننا سنُحاول تحليل جوانب القوة في القصة والأحداث والشخصيات، وسنتناول الفيلم بشكلٍ تام ومُباشر، ولذا يُستحسن لمن لم يُشاهد الفيلم أن يتوقَّف عن القراءة حالًا ويعودُ لها بعد مُشاهدته.
أتمنى لكم قراءةً مُمتعة 🙏🏼
أوَّل ما يُلاحظه الناس غالبًا حول Taxi Driver هو مدى كونه منوِّمًا مغناطيسيًّا. يُصوِّرُ الفيلم صورةً مُرعبةً لمدينة (نيويورك) في مُنتصف السَّبعينات، عبرَ استخدامه الصَّارخ للظلال، اللون الأحمر النابض بالحياة، وحركة الكاميرا المُذهِلة.
ذكرَ المُخرج "مارتِن سكورسيزي" أنَّ فكرة الفيلم نشأت من إحساسه بأنَّ الأفلام غالبًا ما تتصرَّفُ كالأحلام، أو تخيُّلاتٍ ناتجة عن المُخدرات، وأنَّ الإحساس المُنوِّم للفيلم يعملُ كمحاولةٍ لاحتضان المُشاهد بالشُّعور بأنه في طيِّ النسيان؛ حالةٌ بين النوم واليقظة.
في كتابة السيناريو، استشهد كاتبُ الفيلم "پول شريدر" بمُذكرات ومحاولات اغتيال "آرثر بريمر" كمصدر إلهام لطموح "تراڤيس" المُدمِّر، بالإضافة إلى رواية «رسائل من تحت الأرض» لـ "دوستويفسكي"، حيثُ يُقدِّم راوٍ منعزل حوارات داخلية مُتجوِّلة، تُشبه إلى حدٍّ كبير مُذكرات "تراڤيس" الشخصية.
يقول "شريدر" إنه رأى النَّص كمُحاولةٍ لأخذ البطل الوجودي الأوروبي ووضعه في سياقٍ أمريكي، وبذلك، ينتقلُ الموضوع ليُصبح أكثر طفوليًّا بطبيعته، فإذا استمعتَ إلى يوميات "تراڤيس" الخاصة، فستجدُ غالبًا أنها تُشبه الخاصة بالأطفال وتحتوي على القليل من المواد الفِعلية، أو لا تحتوي شيئًا.
نظرتُهُ للعالَم ليست فِكرية، وإنما سطحية ومُتعجرفة. يُعاني "تراڤيس" من حُزنٍ وجودي، ولكنه ليس ذكيًّا بما يكفي للتعرُّف إلى مصدر هذه الأحزان والمشاكل. مُشكلته الكُبرى أنه لا يستطيع فهم مصدر اضطراباته، وهذا يدفعه إلى إظهار آلامه في الخارج من خلال ضرباتٍ عنيفة ووحشيَّة.
ذكرَ "سكورسيزي" أنَّ جُزءًا كبيرًا من الفيلم مُستوحى من فيلم The Searchers، وأنَّ "تراڤيس" من نواحي عديدة تجسيدٌ معاصرٌ لـ "إيثان إدواردز"، الشخصية التي ركَّزت قصصيًّا أيضًا على إنقاذ النساء في الفيلم.
وهُناك الكثير من الاستعارات والتشبيهات الغربيَّة والأمريكيَّة الأصليَّة في جميع أنحاء الفيلم التي يُمكن مُلاحظتها؛ فنرى "تراڤيس" يرتدي ملابسه ويتصرَّف مثل راعي البقر، وتعملُ سيارة الأُجرة الخاصة به كالحصان، مجازيًّا.
يُمكنُ ملاحظة "سپورت" وهو يرتدي ملابس أمريكيَّة أصليَّة أيضًا، في حين يقومُ "تراڤيس" بقصِّ شعره على طريقة الموهوك في أكثر مراحل شخصيَّته تدميرًا في السَّرد القصصي. ومثل فيلم The Searchers، تلعبُ العُنصريَّة كخلفيَّة خفيَّة للفيلم، مما يُؤجِّج طبيعة "تراڤيس" العنيفة.
كذلك، فمثل "إيثان إدواردز"، يُعتبر "تراڤيس" مرفوضًا اجتماعيًّا. في الواقع، تُلاحظ "بيتسي"، الفتاة السياسية المُعجب بها، شخصيَّته الغريبة في بداية الفيلم، كما هو موضَّح في المقطع التالي.
وبالمُناسبة، هي مُحقَّة تمامًا، "تراڤيس" هو تناقضٌ يمشي بالعَلن؛ يَكرهُ حُثالة (نيويورك) ولكنه يتردَّد على الأفلام الإىِـ-ـاحية ويتجوَّل حول البعْـ-ـايا، يتحدَّث عن الحفاظ على نظامٍ غذائيٍّ جيِّد لكنه يصبُّ الحْـ-ـمور في وجبة الإفطار ويتناول حُبوب منع الحمل باستمرار.
الحقيقة هي أنَّ "تراڤيس" وحيد، ونتيجةً لذلك فهو خليطٌ من أفكارٍ مُختلفة. مثلًا، لاحظوا كيف على الرغم من أنَّ "تراڤيس" ذكرَ أنه ليس سياسيًّا إلَّا أنه يضعُ مُلصقات "پالانتاين" في شقته. لماذا؟ لأنَّ "بيتسي"، المرأة التي ينجذبُ لها، مؤيدة سياسيًّا له، لذلك فهو مُتمسِّكٌ بهذا الأمر.
وهذا يأخذنا إلى ما أُريد التحدُّث عنه حقًّا؛ النِّساء في Taxi Driver، لأنَّ هذا الفيلم -يدورُ في جُزءٍ كبيرٍ منه- حول علاقة "تراڤيس" بهاتين المرأتين، وسواء أكان ذلك عالم "آيريس" الجىْـ-ـسي العىْيف أو السطحية المُسيَّسة التي تُحيطُ "بيتسي" نفسها بها، فإنَّ حياة هاتين الشخصيَّتين…
…حياة هاتين الشخصيَّتين تتوازى وتنعكسُ على مُحاولات "تراڤيس" الغامضة للعب دور البُطولة. لذا، فلنبدأ بالنظر إلى "بيتسي".
تمَّ تقديمها للمُشاهدين لأوَّل مرة بطريقةٍ ملائكيَّة كامرأةٍ طاهرة. يُعلِّق "تراڤيس" على هذا في أحد مقالاته الأولى في دفتر يومياته قائلاً: «لا يُمكنهم لمسها».
ولاحظوا كيفَ أنَّ هذه اللقطة تحديدًا تُحاول خلق مسافة بين الاثنين. ينظرُ "تراڤيس" إلى "بيتسي" من بعيد، فقط من خلال النافذة، كما لو أنه لا يُمكن أن يكون جزءًا منها حقًّا.
وبينما "بيتسي" تُعتبر نقيَّة، فإنَّ "آيريس" هي العكس تمامًا. لقد أُلقِيَت في سيارة "تراڤيس" مثل طفلٍ ضائع، وبالنسبة إلى "تراڤيس"، فإنَّ الجسر الرابط بين هاتين المرأتين هم الرجال في حياتهما.
ما لاحظه "تراڤيس" وتمسَّك به مع "بيتسي" و "آيريس" هو أنَّ هاتين المرأتين هُما دُمى لشخصيات اجتماعية وسياسية؛ تتمثَّل بـ "پالانتاين" و "سپورت"، وهذا التصوُّر تشكَّل إلى حدٍّ كبير بعد أن رفضت "بيتسي" "تراڤيس" عاطفيًّا.
إنه غير قادر على رؤية استخفاف "بيتسي" على أنه أيُّ شيءٍ آخر غير التصوُّر السَّطحي لشخصيَّته، وهذا هو مفتاحُ شخصيَّته. يُطوِّر "تراڤيس" الكراهية لأنماط الحياة التي ترفضه، ونتيجةً لذلك تنمو أنانيَّتُه المكبوتة، ويبدأ باعتبار "پالانتاين" و "سپورت" كرُموز صوريَّة تُسبِّب انزعاجه.
يُعبِّر "تراڤيس" عن هذا الإحباط في وقتٍ مُبكر من الفيلم لـ "پالانتاين"، كما هو موضَّح بالمقطع المُرفق، ويكونُ ردُّ "پالانتاين" ردًّا يكتسي باللباقة السياسيَّة استعراضًا لشخصيَّتِه.
إذا قارنتَ هذا المشهد بالمشهد الذي تمَّ تقديم "سپورت" فيه لأول مرة، فإنَّ إطار الكاميرا يُوضِّح مدى اختلاف هؤلاء الرجال في استخدام نقاط قوَّتهم.
كان "پالانتاين" على مرأى ومسمع في سيارة أجرة "تراڤيس"، كلُّه ظاهرٌ في الشاشة، مستخدمًا قوَّته في الكلام والكاريزما التي يتمتعُ بها.
في الجانب الآخر، وجه "سپورت" لم يظهر بالصورة، فقط جزءٌ من جسده كان واضحًا من خلال النافذة، ويضعُ "سكورسيزي" هذا بشكلٍ عبقريٍّ مقصود؛ لأنَّ "سپورت" رجلٌ يتميَّز بصفاته البدنية، بينما يعتمدُ "پالانتاين" على المظهر الآسِر للُغته وجاذبيته، وهذا التبايُن الجسدي والشخصي يتكرر بالفيلم.
على سبيل المثال، انظُر لهذا المشهد في بداية الفيلم مع "بيتسي" و "توم". لاحظ كيف عندما انزعجت "بيتسي" في البداية من وجود "تراڤيس"، أرسلت "توم"، وليَّ أمرها، لإعفاء "تراڤيس" شفهيًّا. إنها تستخدمُ السياسة لرفض مشاكلها.
من ناحيةٍ أخرى، عندما تنزعجُ "آيريس" من وجود "تراڤيس"، تُمسكُ بذراع رجل لحمايتها، كما هو موضَّحٌ في المشهد المُرفق.
وهكذا تبدأ موضوعات «الحالة» و «الذُّكورة» في الانغماس في نفسيَّة "تراڤيس"، مما يؤدي إلى هيَجانِه المُدمِّر أخيرًا. يُقرِّر أنه يجبُ عليه هزيمة "سپورت" و "پالانتاين" في هذه المعركة الغربيَّة الزائفة من أجل منح حياته إحساسًا بالهدف كما يصفها.
في مُقابلة عام 1976 مع "روجر إيبرت"، بيَّن "سكورسيزي" و "شريدر" أنَّ الفيلم من نواحي كثيرة هو فيلم ىْـ-ـسوي، وأنَّ "تراڤيس" هو استكشاف للشخصية الذُّكوريَّة المُشوَّشة. يذكُر "سكورسيزي" أنَّ شخصية "تراڤيس" تعرضُ عقدة (مادونا والعـ-ـاهـ-ـرة)، وهي حالةٌ نفسية حددها "سيغموند فرويد"،
حيثُ لا يستطيع الرجال تحقيق العلاقة الحمىِمة في علاقة المحبة، وبالتالي يميلون إلى تعريف النساء على أنهن إما مادونا (مَلاك وقدِّيسات) أو عـ-ـاهــراىــَـ؛.
في ذهن "تراڤيس"، "بيتسي" و "آيريس" أصبحا رمزًا للمَكانة والنقاء، لذا فهو يخدعُ نفسه بالاعتقاد بأنَّ انتقامه مدفوع بالإيثار…
…انتقامه مدفوع بالإيثار لإنقاذهم من القهر والظُّلم، لكن في الواقع، تُمثِّل أفعاله محاولات أكبر لإظهار رجولته تجاه المُعتدين في حياته، ولأنه رُفِضَ عاطفيًّا من "بيتسي"، فقد لجأ للتعبير عن رجولته في شكلٍ من أشكال العُـىْف النفسي والجـىْـ-ـسي.
الشيء المُثير بالنهاية هو تخليد اسم "تراڤيس"؛ يُصبحُ بطلًا، وليس سرًّا أنه وحشيّ. في عالم "بيتسي"، يُعتبر "تراڤيس" حارسًا حريصًا على تعزيز المُجتمع المُتعفِّن، ولدى "آيريس"، فإنه راعي بقر، حارسٌ وحيد جاهزٌ لإنقاذ أسير، وفي هذا الصدد يُخطئ العامة بالفيلم في اعتبار "تراڤيس" بطلًا.
يعتقدُ الكثير بأنَّ المشهد الأخير للفيلم هو حُلم، لكنني أعترضُ على هذا لعددٍ من الأسباب؛ لأنه وعلى الرغم أنَّ هذا المشهد له نغمةٌ تُشبه الأحلام، إلَّا أنَّ هُناك تلميحًا كامنًا لعدم الارتياح يُحدِّد النهاية بشكل أدق بالنسبة لي.
يُعتبر السَّرد الخاص بهذا الفيلم فرديًّا، وبسبب ذلك فإننا ننظرُ إلى العالم من خلال أعيُن "تراڤيس"، وإذا درستَ هذا المشهد ستجد أنه مؤلَّف بالكامل من لقطات قريبة ضيِّقة لـ "تراڤيس".
شاهدوا…
يتمُّ تأطير "بيتسي" فقط من خلال مرآة الرؤية الخلفية الخاصة به كما لو كان يُقدِّم لها خُطوة بعيدة عن الواقع، ولعلَّ هذا السَّبب في اعتقاد الكثير أنه حُلم، ولكن لا شيء من هذا يعني أنَّ ما نراه حُلمٌ في الأساس، والآن سأُوضِّح.
إنَّ وجود "بيتسي" منطقيٌّ سرديًّا، وأما السريالية المُصوَّرة بالمشهد فهي نتاجُ وجهة نظر "تراڤيس" المُتصدِّعة للواقع، وتحدثُ اللحظة المحورية بعد مغادرة "بيتسي"، عندما نرى جُنون "تراڤيس" يظهر مرة أخرى.
في هذه اللحظة، نرى أنه لا يزال غير مستقر؛ إنه قنبلة موقوتة تنتظرُ الانفجار.
هذا الفيلم في جوهره دراسةٌ لما يحدثُ للإنسان في العُزلة، وكيف تُشكِّله الوحدة، وتدفعه إلى نقاط الجُنون، وبالنسبة لي، فإنَّ الجانب الأكثر إثارة في Taxi Driver هو كيف يخدعنا "سكورسيزي" كمُشاهدين.
يتمُّ إغراؤنا لنُعجب بـ "تراڤيس"، ولكيّ نجد حالته طبيعية من بعض النواحي، لكنه في مرحلةٍ ما يخوننا، وفي هذه الحِيلة يجبرنا "سكورسيزي" على النظر إلى أنفُسِنا وإعادة التفكير في ذواتِنا.
بالنِّسبة لي، هذا الفيلم هو التعريف الحقيقي لتصنيف «دراسة شخصية»، فالكمال القصصي الذي بلغَه العمل بالاعتناء بالتفاصيل السردية، والكمال الإخراجي الذي اهتمَّ به "سكورسيزي" في تصوير وتأطير المَشاهد، والكمال التمثيلي للأُسطورة "روبرت دي نيرو" في تقمُّص الدور بجُنون، هو ما جعلني…
…جعلني أعشقُ هذا الفيلم في المرة الأولى؛ أعشقُ فِكرته وطرحه الجريء للأفكار، لدراستِه النفسية والفلسفية لذواتِنا البشرية، ومع مُشاهدات مُتكررة للفيلم صرتُ أُقدِّر هذه التُّحفة الكلاسيكيَّة أكثر وأكثر.
انتهى ❤️..

جاري تحميل الاقتراحات...