12 تغريدة 1 قراءة Dec 26, 2022
دفقة من النور:
لطالما حاولتُ أن أعي بقلبي قبل عقلي الأسباب التي تسمح لتلك الحالة من الرقة والخِفّة الروحية أن تتملّكني حتى يتجلى أمامي العالم بوجهٍ غير ذلك الذي اعتدتُ رؤيته به، وجهٌ جميل وصادق وشديد العاطفة
يبعث في نفسي رغبةً عميقة في البكاء عندما يُظهِر في مُحَيّاه ابتسامة اعتذار حزينة وعطوفة تذكرني بكل الهزائم التي أنهكَتْني وألقَتْني على سريري جسدًا بلا روح، تذكرني تلك الابتسامة بذلك، ثم تخبرني أنه لا بأس أن أحزن وأبكي على هذه الحال وأن أرجو من نفسي ومن العالم خيرًا مما حدث.
هذه الحالة التي تجعل العالم لا يكتفي بالعطف والاعتذار، وإنما تحمله على جلب العزاءات الكريمة من كل مكان، فتكتسب قصيدةٌ من الشعر شجنًا يملؤني فرحًا وبهجةً بكل معنًى ألتقطه طرأ أو لم يطرأ على خُلد الشاعر، وتكتسب رياح الليل القدرة على بعثرة الهموم والغموم في مَهَبٍّ لم يكن يحمل
سابقًا إلا أحلامي الخائبة وآمالي الموءودة، ويكتسب قلبي -ذلك المخبوء في قرار سحيق- الجرأة على اقتحام قلوب الآخرين، والضحك في أفراحهم، وذرف العبَرَات على عتبات مآسيهم وأحزانهم، وهو الذي لم يجرؤ قبلُ -مختبئًا هاربًا من العالم- على الضحك في أفراحه ولا ذرف العبرات على أحزَانِهِ هُو
أحاول أن ألقي القبض على الأسباب التي تُحدِث هذا الأثَرَ فِي قَلبِي وتدخلني هذه الحالة، حتى أعتَكِفَ في محرابها وأثني الركب بين يديها لعلي أُدرِك سر الكون، لكنها أسبابٌ ظلّتْ "أشدَّ حَيَاءً من العذراءِ في خِدرِها" تتمنّع على طالبها ولا تتيح له أن ينَالَ منها نظرةً إلا الفينة بعد
الفينة، خاضعةً في ذلك لإرادتها التي لا يبدو لها منطقٌ أو نظامٌ واضِح، فكأنّي وأسبابَ هذه الدفقة من النور نتمثل قولَ الشاعر:
مَقَامُكِ في جَوِّ السمَاءِ مكَانُهُ
وبَاعِي قصيرٌ عَن نوَالِ الكوَاكِبِ
لطالما تجلّى العَالَمُ أمامي مُصمَتًا بليدًا باردًا لا ينفُذُ فيه عقلي ولا قلبِي، ولا أُدرِكُ فيه حِكمَة آلَامِي وأحزَانِي -إلَّا خِلَال لحظات نادرةٍ من الحب حينَ أُضطَّرُّ إلى أَلَمٍ لَا يتركني إلا بعد درسٍ قاسٍ-، أما في ما سوى ذَلِكَ فقد كانت لحظات دفقة النور في قلبي،
تلك التي تحدث مرتين أو أربعة كل عام، هي اللحظات التي يكتسب فيها العالم مظهرًا أنسانيًّا بَهِيًّا كثيفًا في الجمال باعِثًا للسرور والسكينة، فأتعلم من الجمال والحكمة في ليلةٍ من ليالي دفقة النور ما لَا أتعلمه في شهور طويلة من باقي السنة،
وأمتلئِ بليلة دفقةِ النور ما أواجه به بقية العام لشهور طويلة قبل أن أرتدّ نحو اليأس والخمول، وأظل ممتنًّا لدفقة النور شاكرًا لها منتظراً رجوعها منذ أول اندفاعها في قلبي وحتى إقبالها مرةً أُخرَى بعد شهور طويلة، هكذا أنتظر الدفقة بعد الدفقة.
ومهما يكن من شيء فإن هذه الأسباب تكاد تكون منيعةً على الإدراك والمعرفة، فلا يكون أمام المرء إلا الترقب والانتظار بكل رجاء وأمل. ولكن ماذا إذَا كانَ الرجاءُ والأملُ همَا المفتَاحَانِ اللذَانِ يملك صاحبهما أن ينال من النور ما يريد، وربما لعلهما لخفاء حالهما وصعوبة قياسهما بل ورصد
وجودهما بالأساس هما العصيَّان على التنبه والملاحظة، فلا يبصرهما وفاعليتهما في فتح باب القلب إلَّا من شرَحَ الله صدرَهُ، فيكونان الكنز الثمين الثاوي بين يَدَي المرءِ والذي يكفيه لمجابهة كل صعوبات الحياة، بينما هو يبحث عن فُتَات الهدوء على موائد الآخرين.
ربما يكون الأمر كذلك، الله أعلم"
-كريم عبدالقادر

جاري تحميل الاقتراحات...