معاذ صفوت
معاذ صفوت

@Moaath

24 تغريدة 17 قراءة Jan 01, 2022
كنت أعدت نشر منشور قديم على فيسبوك، فيه دعاء بالتوفيق وسعة الرزق والفتوح والبركة، ونحو ذلك، قبل بداية السنة الميلادية آنذاك، فجاءتني عليه تعليقات رأيت فيها عدة مفاهيم تحتاج إلى تصحيح من وجهة نظري، تتلخص في هذه النقاط:
- ليس هناك احتفال "شرعي" برأس أي سنة من السنين، لا العام الميلادي ولا العام الهجري، ولا غيرهما.
- المراد بالاحتفال الشرعي: جعل هذا اليوم مناسبة يكون الاحتفال وإظهار الفرح والسرور فيها عبادةً ينبغي فعلها، كما في عيدَي الفطر والأضحى، حيث يشرع فيهما إظهار الفرح والسرور ولو كان المسلم حزينًا، تعبدًا لله.
- ينبغي تحرير مفهوم الاحتفال، فإن كان المراد الدعاء أو الفرح بانتهاء عمل أو مناسبة أو دورة علمية أو إنجاز شخصي فلا حرج في ذلك بالشروط السابقة، وأما الاحتفال بعمل طقوس ليست من ثقافتنا ولا من ديننا ولا من عاداتنا، فهذه هي التبعية التي ينبغي إنكارها،
وهي مما تتأثر به الأمم المغلوبة (كأمَّتنا الإسلامية في هذه الحقبة) بالأمم الغالبة، وقد سبق أن أنكرت أن يكون المسلم متخذًا لعادات الغرب (وإن لم تكن دينية عندهم) عاداتٍ له يتبعها، كما يفعل بعضهم من وضع شجرة الكريسمس، وصور بابا نويل، وغيرها.
- الاحتفال بأي يوم غير العيدين الإسلاميين جائز شرعًا ولا حرج فيه إن كان على سبيل العادات، دون أن يلصق الاحتفال به بالإسلام أو غيره من الأديان، فمن احتفل برأس العام الهجري وألصقه بالإسلام بمعنى أنه جعل ذلك عملا شرعيا يترتب عليه الثواب، وعلى تركه العقاب؛ فقد ضل وابتدع.
وكذلك مَن احتفل برأس السنة الميلادية بغرض حب النصارى واتباع عاداتهم والتقرب منهم لدينهم فقد ضل ضلالا بعيدا.
أما من كان يحتفل بأي يوم يعود في كل عام (ولعَوده سُمي عيدًا)، ولم يكن لاحتفاله غرض إلا العادة المحضة، دون اعتقاد شيء،
كمن يحفل بعيد ميلاد ابنه أو عيد زواجه، أو عيد تأسيس شركته، أو رأس السنة الميلادية أو الهجرية، أو أي يوم في السنة، فلا حرج في ذلك، هذا ما أعتقده وأدين الله تعالى به، وأفهمه مما تعلمت من الشريعة.
- الدعاء في فواتح الأعمال وخواتيمها مشروع، وهو أمر حسن، ومن ذلك فواتح الليل والنهار، وفواتح الشهور القمرية، ولا حرج على المسلم أن يدعو في أي وقت شاء، وأي مناسبة شرعية أو عرفية، عادية كانت أو عبادية،
ومن ذلك العام الميلادي الذي لا نعتقد فيه فضيلة، وإنما نؤرخ به مواليدنا ووفياتنا، ونأخذ به رواتبنا وأموالنا، ونضبط به مواعيدنا البعيدة، ونرتب به أوقات الزراعة والحصاد، ومداخل الفصول الأربعة، وهو عام محكم كذلك، مبني على بديع صنع الله، ودليل على قدرته وربوبيته،
وهو مرتبط بخلق الله للشمس التي نضبط بها أوقات الصلوات النهارية، كما أن العام الهجري مرتبط بخلق الله للقمر، وما دام الاعتقاد ضمن هذه الحدود التي هي من قبيل العادات لدى عموم المسلمين، بحيث لو انقلب العمل بسَنة أخرى لعدوا أولها مناسبة يضبطون بها أهدافهم
ولَمَا ارتبطوا بالسنة الميلادية ولا عَدُّوا لها عدة، فلا بأس بالدعاء في أول أو آخر العام، لا لفضيلة هذا الوقت في ذاته، وإنما لفضيلة الدعاء في خواتيم الأعمال.
- لا أعتقد في فاتحة العام الميلادي ارتباطًا اعتقاديا بالدين النصراني، فالنصارى أنفسهم لم يجعل أحد منهم مولد سيدنا عيسى عليه السلام في يوم 1 يناير، كما أن هجرة المصطفى ﷺ لم تكن يوم 1 محرم أصلا، ومع ذلك فلا أدعو إلى استخدام التاريخ الميلادي أو تركه.
- من يعتقد أن التاريخ الميلادي أفضل من الهجري نُظر؛ فإن كان قصده أنه أفضل في ضبط التواريخ البعيدة فهو مصيب، وإن كان قصده الأفضلية في كل شيء، لم يُقبل قوله، فإن الله تعالى جعل عدة الشهور عنده يوم خلق السموات والأرض هي الأشهر القمرية.
- آية (إن عدة الشهور) ليست على الظاهر الساذَج الذي يظنه بعض المسلمين، وإنما فيها تقريع للمشركين الذين عبثوا بهذه الشهور وقدموا فيها وأخروا تبعًا لمصالحهم وحروبهم، وغيروا مواعيد الأشهر الحرم فيها، وهو ما سماه الله تعالى (النسيء) وقال إنه (زيادة في الكفر)،
وإلا فالسنة الشمسية أيا كانت طريقة حسابها ميلادية أو فلاحية أو غيرهما هي كذلك من خلق الله، ومن بديع صنعه، ولا تتخلف ولا تتغير إلا ببطء شديد جدا يعرفه من درس علم الفلك، وأعني به علم الفلك الصحيح الذي برع فيه علماء الإسلام، وليس علم الشعوذة.
- لا يلزم أن يكون منهج الفعل وردّ الفعل سببًا لجميع أفعال الناس في عاداتهم، فلا يلزم أن ننظر في كل عمل، هل يعمله الكفار لنا إن عملناه لهم أم لا، فهذه في رأيي عقدة، غذتها أفكار مكرورة، وإلا فأكثر الكفار في بلاد الكفر لا يعنيهم إن احتفلنا بعيدهم أم لم نحتفل،
ولو علم عامتهم أن عندك مناسبة في دينك فإنهم يجاملونك ويهنئونك دون أدنى غضاضة، ومع ذلك فلا تهنئتهم تهمنا، ولا إهمالهم يؤثر فينا، ونحن مستقلون باختياراتنا، وهكذا ينبغي أن نكون.
- اعترضَت علي إحداهن بأن الخوف هو من "أن تغفّلنا هذه الفلسفة المحدثة الغربية الأصل عن حقيقة الأمور وأن تخلق فى النفوس مؤثرات خفية لعقائد باطلة".
والحقيقة أن هذا غير حاصل، وها هم الناس يتعاملون بالتاريخ الميلادي منذ كذا وكذا، ولم نجد منهم من تنصر لأجل ذلك،
وإنما إهمال التاريخ الهجري وعدم ارتباطهم به في عباداتهم (كصيام البيض، وعاشوراء وغيرهما من المناسبات الإسلامية) هو الذي سبب الإشكال، وهذا أمر دقيق جدا في الفرق بين الأمرين، مؤثر عندي في الحكم والنظر ولا يفقهه إلا قليل.
- وقد قالت إحداهن: "إن الاعتراض على الاحتفال برأس السنة الميلادية تغيير للمنكر بالقلب".
ولا أرى منكرًا في الدعاء بالتوفيق والسعادة وتيسير الأمور في أول أي عام، أيا كان اليوم الذي يبدأ به في عرف الشخص المحتفِل.
- وأخيرًا: أعيش حاليًا في بلاد الغرب (في مهمة دعوية ولله الحمد) ولم أهنئ أحدًا من الكفار بشيء من المناسبات المذكورة، ولم أحتج لذلك، وأفخر بإظهار ديني والحمد لله، وأصلي في كل مكان تحضرني فيه الصلاة، مسجدًا كان أو غير مسجد، وألبس ما شئت من الملابس الإسلامية،
ولم أجد في ذلك أي مضايقة ولا عنت ولله الحمد، ولا أعاني من أي هزيمة نفسية تجاه الغرب، ولا أشعر بنقص تجاههم، بل أرى حضارتهم المادية جوفاء فقيرة، وأراهم يعانون بسبب ذلك ويلات لا يعلمها إلا الله، وهم محتاجون إلينا غاية الاحتياج، وعلينا بذل عمل كثير لتحقيق ذلك،
ونسأل الله التوفيق لما يحبه ويرضاه، وأن يجعلنا من ذلك الخير في ازدياد، وأن يجنبنا جميع الفتن ما ظهر منها وما بطن، بمنه وكرمه.

جاري تحميل الاقتراحات...