الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
الحياة مأساة، لطالما كانت، ودائمًا ستكون، كل شي في الحياة مصمم على نحو يحتضن المأساة، الأرض الفقيرة من الكلَأ، النفوس المليئة بأسباب الشر والسوء والضلال، والسلطة التي تحمل أنقَى الناس على فعل أقبح الأفعال بفعل منطقها الخاص،
الحياة مأساة، لطالما كانت، ودائمًا ستكون، كل شي في الحياة مصمم على نحو يحتضن المأساة، الأرض الفقيرة من الكلَأ، النفوس المليئة بأسباب الشر والسوء والضلال، والسلطة التي تحمل أنقَى الناس على فعل أقبح الأفعال بفعل منطقها الخاص،
موتُ الأخيار والبريئين، طول حياة الظلمة والأشرار، تقلبهم في البلاد ناعمين بما يريدون. أجسادنا مأساوية ومصممة ألا تشعر بالسكينة والإشباع عبر الوصول لمراداتها ورغباتها، والعالم مصمم على ألا يوفر لنا حتى إمكانية هذا الوصول على الدوام. "الناس تعبانون" كما يقول حكيم من قبيلة الفولاني.
فإذا كان هذا هو الحال، فما من أحد أشدُّ بؤسًا وحِرمَانًا ممن علق في هذه المأساة وهو ما يزال يَنشُدُ فيهَا مَا لَا تملك أن تمنحه، ويرجو منها ما تفتقده هي نفسها، وفي أفضل أحواله يعمل على تسكين هذا الألم المأساوي عبر إغراق نفسه في بحر الشهوات؛
هذه المأساة لا يمكن حلها من داخلها، وإنما التسوية الوحيدة معها تحدث من خارجها. "وحده إله يمكن أن ينقذنا" كما ذكر الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر.
الحياة مأساة، من أشدّ الفلاسفة المسلمين نظرًا وحسن إدراكٍ لهذه الحقيقة وتأمّلًا فيها كان الرئيس البوسني الراحل علي عزت بيجوفيتش، والذي عقد مقارنة في غاية العبقرية بين العدمية والدين. كِلَا العدمية والدين يدركون هذه المأساة الوجودية، وكلاهما يدركان الفشل الذي صاحب الإنسان عبر
التاريخ في إيجاد حل دنيويّ لهذه المأساة؛ لكن يفترق الدين عن العدمية في أنه يرى آفاق الحل عبر وصل هذه الحياة الدنيوية وواجب العمل فيها بعالم أخروي، بينما تيأس العدمية ممن مثل هذا الحل، العدميّ يدرك ويتفهّم بعمق وجود الله وضرورته لإيجاد معنى لهذه المأساة، لكن هذا الإدراك يبدو له
دومًا متمثّلًا في غياب الله، فهو يائس بسبب هذا الغياب، وليس -كما يبدو- غير مبالٍ به.
دوستويفسكي في روايته "الشياطين" وضع كل ما يعني أن يكون المرء ملحدًا جادًّا في إلحاده واعيًا بلوازم هذا الإلحاد على معنى الكون في شخصية "كيريلوف"،
دوستويفسكي في روايته "الشياطين" وضع كل ما يعني أن يكون المرء ملحدًا جادًّا في إلحاده واعيًا بلوازم هذا الإلحاد على معنى الكون في شخصية "كيريلوف"،
والذي يقول: "إنَّنِي لَا أتَصَوّرُ كيفَ يستطيعُ مُلحِدٌ يعلمُ أنَّ الله غيرُ موجُود، كَيفَ يَستَطِيع ألَّا يَنتَحِرَ فَورًا". وهو ما فعله كيريلوف في نهاية المطاف، مواجهًا هذه المأساة التي لا مخرج منها.
كنت أفكر في إشارتين قرآنيتين فيهما إشارة للفكرة العدمية المركزية "العبث"، هما:
(أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَـٰكُمۡ عَبَثࣰا وَأَنَّكُمۡ إِلَیۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۖ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡكَرِیمِ)
(أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَـٰكُمۡ عَبَثࣰا وَأَنَّكُمۡ إِلَیۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۖ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡكَرِیمِ)
(أَیَحۡسَبُ ٱلۡإِنسَـٰنُ أَن یُتۡرَكَ سُدًى أَلَمۡ یَكُ نُطۡفَةࣰ مِّن مَّنِیࣲّ یُمۡنَىٰ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةࣰ فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ فَجَعَلَ مِنۡهُ ٱلزَّوۡجَیۡنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰۤ أَلَیۡسَ ذَ ٰلِكَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰۤ أَن یُحۡـِۧیَ ٱلۡمَوۡتَىٰ)
فإذَا هُما آيتانِ تشيران لهذه الفكرة المركزية، أنّ المخرج الوحيد من عبثية العالم الدنيوي يتصل بصلته بالعالم الأخرويّ، وفي البعث بعد الموت والحساب، في المصير النهائي للإنسان.
لا مناص من أن يخلو العالم من أي مظاهر المعنى، ومن أن يتساوى فيه قتل طفل صغير بكفالته ورعايته،
لا مناص من أن يخلو العالم من أي مظاهر المعنى، ومن أن يتساوى فيه قتل طفل صغير بكفالته ورعايته،
إلا عبر فكرة الحساب العادل في عالم آخر. ولا سكينة للقلب ولا راحة للضمير إلا بالإخبات والعبودية لمَلِكٍ ديّان غفور رحيم عادل، قد خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه.
سبحانك لا تحصى ثناءً عليك، أنت كما أثنَيتَ على نفسك.
لَا ملجَأ ولا منجى منك إلا إليك.
سبحانك لا تحصى ثناءً عليك، أنت كما أثنَيتَ على نفسك.
لَا ملجَأ ولا منجى منك إلا إليك.
جاري تحميل الاقتراحات...