هذه سلسلة تغريدات حول موضوع الحجاب عنونتها ب"الحجاب وصراع الهوية" سأناقش فيها موضوع الحجاب من زاوية قد تكون جديدة على البعض في هذا الموضوع، ومزية هذه الرؤية هي أنها ستكون ذات بعد مختلف في مناقشة قضية الحجاب، وآمل أن يجد فيها القارئ فائدة بحول الله تعالى، وبسم الله نبدأ..
- هل حدث في يوم ما خلاف بينك وبين أحدهم حول كلمة أو عبارة قلتها أنت فأساء صاحبك الظن ، وحملها على محمل آخر ، ثم حينما أوضحت له مرادك مما قلت انتهت المشكلة الدائرة بينكما ؟.
- هذا الأمر طبيعي أن يحدث بين الناس ، فقد يحمل بعض الناس بعض الكلمات ما لا تحتمل ويسيء الظن بالآخر ، لكن بمجرد أن توضح له المراد الحقيقي يتفهم أنه كان مخطئا في فهم ما أردته أنت.
- هذه الإشكالية نستطيع أن نسميها ( تجوّزاً ) إشكالية فهم المصطلحات حيث يتسبب الخلل في فهم المصطلح إلى مشكلة أخرى يترتب عليها هذا الفهم ، وهذا مدخل بسيط للفكرة الأساسية التي سنذكرها حول موضوع ومصطلح الحجاب.
- إذا اتفقنا على هذا ، فسوف نبدأ في مناقشة قضية الحجاب من هذه الزاوية ، وهي الزاوية المصطلحية للحجاب ، وكيف تأثرت معاني الحجاب مع مرور الوقت؛ حتى صار نمطاً آخر مختلف تماماً عن الوجه الحقيقي الذي وضعته الشريعة
- حسناً : هل هذا الأمر مهم لهذه الدرجة ؟ والجواب : نعم . لأن المعركة الدائرة اليوم بين مرجعية الإسلام وغيرها هي معركة "مفاهيم ومصطحات ومرجعيات" وعليه فسنرى كيف يُغيّر مفهوم الحجاب ويُخرج عن معناه الحقيقي.فأمر المصطلحات والمفاهيم ليس بالأمر العيّن.
-مثال ذلك لما كانت كلمة (راعنا) عند اليهود تعني (سبة وشتيمة) في عرفهم الاصطلاحي، أمر الله المؤمنين بتغيير الكلمة في خطابهم للنبي ﷺ، فقال تعالى مخاطباً المؤمنين: ( يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا .. ) الآية ، والشواهد في الكتاب والسنة كثيرة في هذا الباب
- نشرع الآن في مصطلح الحجاب فنقول : إن سبب كون الحجاب قد احتل مساحة كبيرة من المعارك الفكرية ، هو كون الحجاب كان متعلقاً بقضية المرأة ، والتي سُلِّط الضوء عليها لأكثر من قرن حتى الآن ، فما هو حاصل الآن هو نتيجة كل تلك التراكمات السابقة في هذا الموضوع .
- التركيز الأولي في قضايا المرأة جاء مع المدرسة العصرانية ، وفترة الاستعمار ، وكان التركيز الأكبر في قضية الحجاب؛ لأن الخصم يدرك جيداً أن الحجاب وراءه مجموعة من المفاهيم ، إذا انحل جزء منها = تبتعتها البقية .
- مصطلح الحجاب له دلالته في الشريعة ، حيث يرمز للحشمة والعفة والستر ، كما دلت عليه أدلة الوحي ، لكن هذه المفاهيم ما لبثت أن تبدلت ، حتى تحولت دلالة الحجاب عن دلالته الحقيقية وبالتالي = كان سهلاً نزعه بعد ذلك والتلاعب به !
- والسؤال هنا : كيف حدث هذا ؟ ما والجواب : عبر يسمى ، باختراق المصطلح ، ونعني بذلك أن مصطلح الحجاب بحكم كونه دائرة للمعارك الفكرية السابقة واللاحقة ، قد تعرض مع الوقت لاختراق لمفهومه ، وتغيير لدلالته كذلك.
-وهذا الأمر قد تم عبر خطوات متعددة ، وعبر عدة اتجاهات فكرية ، حملت مشعل الحرب الفكرية ، في الوقت الذي كان فيه الحجاب يمثل بؤرة الصراع الثقافي بين المسلمين وخصومهم ، وهو ما جعل هذه القضية ساخنة لأكثر من مئة عام ! وسيأتي بیان سبب ذلك.
- أولى هذه الاتجاهات المؤثرة هو الاتجاه النسوي ، فالنسويات يعتبرن أنفسهن ممثلات لبقية جنسهن ، ويتكلمن بأصواتهن ، وقد قامت النسوية بشحن مصطلح الحجاب بمفاهيم خارجة عن حقيقته ومراد الوحي منه .
- فترى النسوية أن الرجل يمارس سلطته على المرأة من خلال الحجاب ، وأن الحجاب ما هو إلا أداة قمعية يستخدمها الرجل لحسابه ! إضافة لكون الحچاب رمزا لقهر المرأة وعزلها مجتمعيا . !!
- كذلك الاتجاه العالماني الذي ركز في صراعه مع الإسلام في مسألة الحجاب ؛ حيث يعتبر أن الحجاب رمز لتعطيل التنمية والعمل بالنسبة للمرأة ، وككونه رمزا للتمييز الطبقي ، وعزلة سياسية للمرأة ونحو ذلك
- وعلى كل ما سبق يصادق الاتجاه الليبرالي على هذه الاتهامات ، ويجعل كبرى قضية الحجاب في قمع حرية المرأة ، والتضييق عليها من خلال فرض الحجاب.
- كذلك لعبت المدرسة التوفيقية بين الإسلام والواقع المعاصر دوراً في هذا ، من خلال الفتاوى الشاذة ، والتلاعب بدلالات الآيات والسنة ، ولا أدل على ذلك من الظاهرة الشحرورية ( محمد شحرور ) كنموذج لهذا الأمر ، واستخدمت تفسيراته كحيلة للتملص من الحجاب عند البعض.
- وإضافة لكل ما سبق لعبت المواثيق والمؤتمرات الدولية للمرأة -والتي فرضت على كثير من الدول- لعبت دورها في إعادة خرق مصطلح الحجاب وتغيير دلالته ، واعتباره رمزا لقمع المرأة ومصادرة حريتها .
- كل هذه الافتراءات السابقة على مصطلح الحجاب، ودوران حمى المعركة الفكرية حوله= جعلته في موضع اتهام ، وبدأت تنزاح دلالته الأصلية ( حشمة ، عفة ، ستر ) إلى الدلالة الأخرى ( تقیید ، قهر ، قمع .. ) وأسهم في ذلك الإعلام والكتب والمؤتمرات ، والدوافع السياسية وغيرها .
- وهنا سؤال مهم : لماذا بقيت قضية الحجاب ساخنة لهذا الحد منذ عقود طويلة ، ولماذا بقيت هذه المسألة مدار صراع فكري بين أنصار الوحي وخصومه ؟ ولماذا تعادي جميع الفلسفات الكفرية "الحجاب " تحديداً وتسلط الضوء عليه ؟
- والحقيقة أن هناك ثلاثة نماذج تفسيرية بخصوص هذا الأمر :
الأول : وهو صراع الهوية بين الإسلام وخصومه ، حيث يمثل الحجاب أظهر سمة إسلامية في حق المرأة ، وهو يمثل في الحالة هذه الرمزية الإسلامية (الحشمة، العفة) بمقابل الرمزية العالمانية ( التفسخ ، العري ) ونحوه .
الأول : وهو صراع الهوية بين الإسلام وخصومه ، حيث يمثل الحجاب أظهر سمة إسلامية في حق المرأة ، وهو يمثل في الحالة هذه الرمزية الإسلامية (الحشمة، العفة) بمقابل الرمزية العالمانية ( التفسخ ، العري ) ونحوه .
- ومن هنا تفهم لماذا تعادي فرنسا الحجاب مثلاً ؟ والجواب هو في كون الحجاب رمزا وهوية إسلامية تعادي الهوية العالمانية ، وعلى خلفية قانون ( صون العالمانية ) منعت فرنسا الحجاب ؛ كونه يهدد هويتها العالمانية .. !!
الثاني : مما يفسر طبيعة هذا الصراع كون الحجاب طريقا لتغيير البنية الثقافية للمجتمعات الإسلامية ، وصبغها باللبوس العالماني ، فالحجاب من حيث دلالته الشرعية هو طريق للستر والعفة والاحتشام وهذا ما يصادم المنظومة العالمانية عموماً =
= فإذا تم تغيير دلالة الحجاب الأصلية ، وتم تعبئة المصطلح بدلالات جديدة ؛ فالناتج من هذا التحريك للدلالات الأصلية للحجاب هو ضرب حرمة الاختلاط والعلاقات بين الجنسين ، والتساهل في إبداء الزينة ، وبالتالي يكون المكتسب العالماني أبعد من قضية نزع الحجاب فحسب .. !
الثالث : وهـي ضرب المرجعية الدينية ، ووجه ذلك أن الحجاب هو أصرح الواضحات في نصوص الكتاب والسنة ، فإذا تم التحايل على هذا الأمر وشرعنة التبرّج = كان ما بعد ذلك من الأوامر التشريعية للمرأة أسهل في التفلّت منها ، وضرب مرجعيتها .
- مما سبق نستنتج أن هذا الزخم الذي حفّ مصطلح الحجاب وتلاعب بدلالاته قد أبدى نتائجه في واقعنا المعاصر ، فقضية الحجاب في معظم البلدان المسلمة أخذت بعداً آخر غير البعد الشرعي ، وبات هذا واضحاً على كثير من النساء إلا من رحم الله .
- ونتيجة أخرى لهذا الأمر هو دخول الحجاب في منظومة السوق ، ومع كل الدلالات السابقة ، صار هناك حجاب عصري ، ليس من الشريعة في شيء ، وإنما هو تلفيق بين بعد إسلامي وبعد اقتصادي رأسمالي .
- فمما بدا واضحاً أن كثيراً من الفتيات بتن يرتدين حجاباً ليس بالحجاب وإنما هو شبه حجاب ، مع حالة الزينة المفرطة في بقية الجسد ؛ ليظهر " الحجاب المتبرّج " الذي يعبر عن هذه الحالة التي وصلنا إليها .
- هذا الصراع حول الحجاب ووصوله لهذه الحالة هو منذر بحالة النزع الكامل للحجاب أصلاً ، وهو الذي بدأ يطفو على الساحة رويداً رويداً خاصة من أعمار الجيل الجديد ، وما هذا إلا نتيجة تراكمات طويلة حول معركة الحجاب التي استمرت لعقود طويلة .. !!
- إن المشكلة الرئيسة في صراع الهوية بين الإسلام وخصومه، هو أن الهوية بالنسبة للخصم لن تأخذ حقها إلا بإزاحة الآخر ( الإسلامي ) وكافة مرجعياته ، ومن ثم بقيت قضية الحجاب قضية طويلة الصراع . لأن الخصم يريد إثبات ذاته من خلالها .
- إن التغير الثقافي في بنية وثقافة المجتمعات الإسلامية = أسهم في تعديل نمط الحجاب؛ ليخضع كذلك لمنطق الجمال، وهو الدور الذي تلعبه مشهورات وسائل التواصل؛ فصار الحجاب الذي تراه أبعد ما يكون عن مراد الوحي .
بعد هذه الجولة حول مفاهيم الحجاب يجدر بنا أن نتساءل هنا عن أبرز الحلول لمعالجة هذه الإشكالية ، والحقيقة أن هذا يحتاج إلى جهد كبير ، ولكن من الممكن أن نضع خطوطاً عامة يمكنها أن تفيد المربين في خصوص هذه القضية .
أولاً : يجب أن يربى النشء على الدلالات الأصلية لمصطلح الحجاب ، وأنه رمز للعفة والطهارة ، فتعميق هذه الدلالة . جداً في ضوء هذا التلاحم الفكري حول مسألة الحجاب مهم.
ثانياً : تعميق المرجعية الإسلامية في نفوس الجيل الجديد ، وأن مقتضى الالتزام بالحجاب هو التسليم لأمر الله ورسوله .
ثانياً : تعميق المرجعية الإسلامية في نفوس الجيل الجديد ، وأن مقتضى الالتزام بالحجاب هو التسليم لأمر الله ورسوله .
ثالثاً : غرس معنى العبودية في موضوع الحجاب ، فالعبادة تشمل قضية الحجاب وما يتعلق بها ، وكون التقصير فيه = هو تقصير في حق الله تعالى الذي فرضه على عباده .
رابعاً : إقامة البرامج والمحاضرات الدعوية حول أهمية الحجاب ووجوبه ، وما يترتب على ذلك من الجزاء ، وتنوع الأساليب في هذا الجانب مهم جدا ، فكما أن الطرح العالماني يجدد أدواته = فيحتاج المربين والمسلمين كذلك لتجديد أدواتهم .
خامساً : إقامة برامج خاصة بالأمهات يتعلمن فيها طريقة تربية البنات على الحجاب، والتعامل مع طبيعة هذا الجيل الجديد من الإناث خاصة مع قضية الحجاب .
سادساً : ضرورة تبني عدد من البرامج للرد على الشبهات المثارة حول الحجاب ، والتأكيد على أن الحجاب لا يمنع المرأة أداء وظائفها ؛ خاصة بعد الشحن النسوي لدلالة الحجاب بأنه عائق للمرأة عن وظائفها وحريتها .
سابعاً : الانتقال من مرحلة الدفاع لمرحلة الهجوم، وكشف عوار المنظومة العالمانية والنسوية بخصوص نظرتهم للمرأة ، وتسليط الضوء على آثار التفسخ والعري ، وهناك كثير من الإحصائيات والدراسات تخدم المستفيد في هذا الباب .
ثامناً : ضرورة حقن الفتاة بجرعة مضادة للطرح النسوي والعالماني ، هذه الجرعة من التحصين الأولي؛ ستغلق أمامها أبواب تلك الانحرافات الشيطانية في مسألة الحجاب ، وهذا المنهج هو منهج قرآني أصيل في باب دفع الشبهات ؛ خاصة مع انتشارها .
جاري تحميل الاقتراحات...