بُـثَيْنُ | اللهم صلِّ على محمد ﷺ
بُـثَيْنُ | اللهم صلِّ على محمد ﷺ

@buthaiiin

30 تغريدة 234 قراءة Dec 29, 2021
بعض النساء إذا تحدثوا عن عمل المرأة المختلط، تخرج تصرخ، "خديجة بنت خويلد كانت تاجرة!".
ويظهرونها بمظهر السلفع الخرَّاجة الولاَّجة التي تختلط بالرجال، ويقارنونها بهن!
في الحقيقة كل هذا محض إفتراء هي براء منه حاشاها - رضي الله عنها - بل كانت تستأجر الرجال للعمل بـ تجارتها.
دعونا نتعرَّف سوية على أم المؤمنين خديجة بنت خويلد-رضي الله عنها وأرضاها-
ولنتحدث عن المفترى عنها، من قبل دعاة التحرر.
هذا الاسم الذي تَنْفَهق الأرواح لسماعه؛ حبًا لها، ووفاء لجميلها، فنن هي خديجة؟
من هي خديجة، التي يُخْتطَف اسمها اليوم لِيُجعل ستارًا لإفساد المرأة في مُجتمعنا؟
إنَّها خديجة بنت خويلد بن أسد القرشيَّة، ذاع صيتُها وعُرِفت في المجتمع الجاهلي بالطَّاهرة، فجاء الإسلام، فزادها شرفًا إلى شرفها.
جَمَعت خديجة خِصال الخير دون نساء قومِها، فامتازت بِحِدَّة الذَّكاء وبالعفاف والسَّخاء، وكان لها من شرف حسَبِها ونسبها وأدبِها..
ما جعل كلَّ شريف من قومها يُمنِّي نفسه بالزواج منها، كيف وهي بعد ذلك كلِّه كثيرةُ المال، ذات حُسْن وجمال؟
كانت أمُّنا قبل الإسلام تستأجر الرِّجال في جَلْب تجارتِها، فبلغها خبَرُ ذلك الفتى القرشيِّ محمَّد، الذي ذاع صيته في مكَّة بالصِّدق والأمانة، فعرضت عليه أن يتَّجِر في مالها
فوافق النبي ﷺ فخرج الصادق الأمين يستقدم البضائع من الشَّام، وكان معه في سفره هذا "مَيْسرة"، غلامٌ لِخديجة، فرأى هذا الغلامُ من حُسْنِ خلُقِ النبِيِّ ﷺ وتعامله ما أعجبه، فحَفِظه ووعاه؛ لِيَزفَّ بعد ذلك إلى خديجة خبَرَ ما رآه.
فَرِحَت خديجة - رضي الله عنها - بِمَن ائتمنَتْه على تِجارتها، وازدادت فرحًا وارتياحًا أنَّها رأت أثرَ هذه التِّجارة في برَكةِ أرباحها، فرأَتْ أنَّ هذا الصادق الأمين هو الرَّجُل الذي كانت تنتظره، فأرسلت إلى النبِيِّ ﷺ تعرض نفسها عليه، فكانت الموافَقةُ وتَمَّ الزواج..
وذلك قبل بعثة النبِيِّ ﷺ بخمسة عشر عامًا.
تزوَّج الكريمُ من الكريمة، والطيِّبات للطيِّبين، والطَّيبون للطيبات.
بدأ النبِيُّ ﷺ بدعوة قومه إلى هذا الدِّين الجديد، فطاشَتْ لهذه الدَّعوة عقولٌ وأحلام، وقلَّ النَّصير، وعزَّ المُعِين، فكان النبِيُّ ﷺ يحفظ لخديجة تصديقَها ونُصرتَها، وكان ﷺ يقول عنها بعد وفاتِها:"لقد صدَّقَتْنِي حين كذَّبَني الناس، وآمنَتْ بي حين كفَر بي الناسُ".
وقفَتِ المرأة الصالحة مع زوجها في دعوته ورسالته، وهَمِّه ومعاناته، تدفع من مالها لِنُصرته، ومن عطفها لمواساته وتسليته، كم مرَّت بالنبِيِّ ﷺ من مواقفِ تصلُّبٍ ومعاندة ومُحادَّة، كادت نفسه تذهب معها حسرات على هذا الإعراض، حتى قال له ربُّه:﴿ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عليهم حسرات ﴾
قال ابن إسحاق: كان النبِيُّ ﷺ لا يسمع شيئًا مما يكرهه من ردٍّ عليه، وتكذيبٍ له، إلا فرَّج الله عنه بِها إذا رجع إليها، تثبِّته وتُخفِّف عنه، وتصدِّقه وتهوِّن عليه أمر الناس، فرَضِي الله تعالى عنها.
وظلَّت أمُّ المؤمنين وفيَّة لزوجها، بفِعالِها وأقوالها، حتَّى ملكَتْ على النبِيِّ ﷺ قلبه ووجدانه، فكان ﷺ يقول عنها:" لقد رُزِقْتُ حُبَّها ".
 
ولذا لم يتزوَّج عليها النبي ﷺ حتى توُفِّيَت؛ إكرامًا ووفاء، وازداد مقامُ أمِّ المؤمنين إلى مقامها؛ أنَّها الأمُّ لبنات النبِيِّ ﷺ ...
فكانت - رضي الله عنها - مدرسة في التربية والتوجيه والتعليم، فخرجتْ من بيت النبوة بنات، كُنَّ مضْرِبَ المثل في العفَّة والحياء والوقار..
ولِصَلابة الإيمان، وكمال الخلُق، ورجاحة العَقْل؛ استحقَّت خديجةُ - رضي الله عنها - وسام الأفضليَّة بين النِّساء في الدُّنيا والآخرة، فقال ﷺ عنها :" أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمَّد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون ".
امرأة عجوز، تَدْخل بيت النبي ﷺ فهشَّ لها المصطفى ﷺ وبشَّ، وبالَغَ في إكرامها وحفاوتها، فتعجَّبَت عائشةُ - رضي الله عنها - من هذه الحفاوة، وزال عنها هذا التعجُّب حين عرفَتْ أن هذه المرأة صدِيقةٌ لخديجة.
كان ﷺ يَرِقُّ قلبُه رقة شديدة حين يرى أثرًا أو شيئًا من متاع خديجة، حتى إنه ليرى أثر هذا التأثر على محياه، واستمِع لهذا المشهد الذي تقف له النفوس خاشعة، مترضية على أم المؤمنين.
هذه هي أمُّكم الطاهرة الحصينة الرزينة، وهذا جانبٌ من سيرتِها ومكانتها وبَصْمتها، تقلَّدَت الفضائل، وتسوَّرَت المآثر، وحازَتْ مكانة لا تُسامى، لا لِتَجارتِها قبل الإسلام؛ وإنَّما بإيمانِها وصلاحها، وصِدْقِها ونصرتها، وعفافها وحشمتها..
هذه الحصَّان الرزان، تُدنس سيرتُها، وتشوَّه صورتُها، من لفيف من الجاهلين والجاهلات، جعلوا من اسْمِها عنوانًا لمؤتَمرِهم قبل أيام، والذي كان ظاهِرُه "دورَ مشاركة المرأة في التنمية الوطنيَّة".
وسَمِعنا البيانات والندوات، ورأينا الصُّور والمقابلات، فتأكَّدْنا وتيقنَّا أن مُحاولات إفساد المرأة في مُجتمعنا ليس مؤامرةً، بل هو واقع قد تقدَّم خطوات.
وهاكم شيئًا من التنمية المنتظرة، والمشارَكة المرتقَبة للمرأة التي يُبَشِّر بها هؤلاء:
بل أعلنَ أَحدُهم بِجرأةٍ أنَّ العمل على توظيف المرأة لن يَقِف إلاَّ عند حدِّ التحام أجساد الرِّجال بالنساء!
 
لَم نسمع منهم إشادةً بكلمة واحدة للمرأة المربية، المرأة التي تخدم المجتمع بتربية الأجيال تربيةً صالحة، فهذه ليست امرأة منتِجة، بل هي عاطلة باطلة، عائقٌ من عوائق التنمية !
حُقَّ لِسَواد المجتمع ولصوت الحقِّ أن يتساءل:
هل كانت أمنا أمُّ المؤمنين داعية إلى السفرر وإظهار الشعور والنحور والتمرد على أحكام الدين؟
هل كانت أمنا خديجةُ تزاحم الرجال وتصافحهم، وتبادلهم الضحكات والابتسامات؟
وحُقَّ لنا أن نتساءل:
هل كانت خديجةُ زوجةُ محمَّد تُراسِل نساءَ فارس والروم، وتستضيفهنَّ، وتطلب من الصحابيات الاستفادة من تجارِبهن؟
وحُقَّ لنا أن نتساءل أيضًا:
هل كانت النصيرةُ العضيدةُ تتهكَّم بأقوال رَسولِها، وتعترض على أحكام دينها، وتُعْلن التمرُّد عليها بفِعْلِها قبل قولها؟
وحُقَّ لنا أيضًا:
هل خديجة دعَتْ إلى مسابقة الرِّجال إلى المناصب، ونادَتْ نساءَ زمانِها بالثَّورة على القوامة؛ لأنَّها تدخُّل في الحُرِّية، وتكريس لِسُلطة الرجل كما يردِّدون؟
ثم لماذا لم تسافر خديجة وحدها،ولمصلحة مالِها،وإنما كانت تستأجر الرجال في تجارتها؟ هذا قبل إسلامها،وأما بعد إسلامها فلم تنقل لنا كتب السيرة ودواوين السنة شيئًا عن تجارتها بعد ذلك،وانما ستقرأ في سيرتها بعد إسلامها المرأةَ العربية،الناصرة لدينها،القارة في بيتها،المتمسكة بحق زوجها.
إن كل صاحب دعوة باطلة يلبس دعوته لبوس الإصلاح.
والتطوير والتنمية والإصلاح ليست دعوى للمفاخرة والتكاثر.
الاصلاح الحقيقي لا يكون عبر بوابة الفساد،فالله لا يحب الفساد،لقد أفسد المنافقون في عهد النبوة ورفعوا شعارات الإصلاح،بل أقسموا ايمانا:إنْ أردنا إلا الحسنى،والله يشهد أنهم لكاذبون
كلنا مع التنمية، وإيجاد فُرَص عمل للمرأة، إذا احتاجَتْ، ولكنَّه عملٌ يتناسب مع طبيعتها وأنوثتها، لا أن يُزَجَّ بِها في مَجامع الرجال؛ لفتنهم وفَتْنها!
قال ﷺ:
" ما تركْتُ بعدي فتنةً أضرَّ على الرِّجال من النساء ".
حديثٌ مُحمَّدي، لا تُغَيِّره الأيامُ، ولا الأزمان، ولا الأموال.
ولن يستطيع الانْحِراف أن ينتصر عَبْر اسْمِه الصريح، ووجْهِه الكالح، وإنَّما سيَنْجح ويتقدَّم خطوة - وربَّما خطوات - إذا تلبَّس بلبوس الدِّين؛ ليغترَّ به من يغتَرُّ من أهل الجهل والهوى.
لقد علَّمَنا الزمان أنَّ دهاقنة الإفساد ما استطاعوا أن يمرروا أفكارهم في المجتمعات المحافِظة، حتى اعتمدوا على الخطاب الدِّيني، فشرعنوا لأهوائهم من التراث، وزعموا أنَّ منطلقاتهم شرعية، وأنهم يمثلون روح الإسلام، حتى إذا تمكنت هذه المرحلة واستقرت، جاءتها المراحل الأخرى في الانحراف.
خطوات هذا الإفساد نَراها - وللأسف - تتكرَّر وتتسارع، فيا ليت شِعْري أأَيْقاظٌ قومي أم نيام؟ إلى متَى نضع رؤوسنا في التُّراب؟ ونظنُّ أن سَيْل الإفساد لن يَجْرفنا؟!
 
استَمِعوا لهذه النَّصيحة المؤثِّرة الصادقة، من الشيخ الأديب الشاميِّ "علي الطنطاوي" :

جاري تحميل الاقتراحات...