Ibrahim Abdel Meguid
Ibrahim Abdel Meguid

@ibme_guid

21 تغريدة 12 قراءة Dec 28, 2021
اول مقال اكتبه اليوم في القدس العربي واتمني ان لا تعطلني عمليات اخري من الاستمرار:
ماذا يمكن ان تكتب الآن يا إبراهيم
إبراهيم عبد المجيد
بعد ستين يوما في غرفة لا تغادر جدرانها إلا إلى معامل التحاليل أو معامل الأشعة، يراودك سؤال كيف تكون في زيوريخ لأول مرة ولا تراها .
من النافذة علي الناحية الأخري مستشفي خاصة بالعلاج النفسي لكن حتي روادها أو من هم قائمون فيها لا يظهرون في نوافذها . يأخذني الخيال أنهم سيخرجون جميعا إلى الشوارع محتجين على حبسي كل هذا الوقت . هي مقهي قريبة كان يأخذني إليها ابني إياد الذي صحبني في الرحلة الصعبة وزوجتي .
كانت زوجتي معي في الغرفة وهو يسكن في فندق قريب يأتينا كل يوم يقضي ساعات طويلة معنا . مع الأيام نسيت أني أود أن أري زيوريخ . كل ماكنت أود أن أراه أن ينتهي الألم الذي يأتي في العظام بعد انتهاء العمليات الجراحية . لم يضايقني أنهم بعد مرور يومين من العملية الجراحية الأولي
التي استغرقت ثلاث عشرة ساعة لإزالة التكلس علي الفقرة العاشرة من العمود الفقري وعلي الضلع الواصل إليها من الصدر. لم يضايقني انهم اكتشفوا كسرا جديدا في الفقرة الأسفل من الفقرة التي خلصوها من الورم والتكلس . كسر حدث بعد العملية ولم يكن طبعا موجودا من قبل .كان لابد من عملية أخرى
أقبلت عليها دون قلق . كل ما فعلته هو أني رفعت وجهي للسماء طالبا من الله إذا كان يود أن يرفعني إليه فليكن أثناء العملية وأنا رهن التخدير فلا أشعر بشيئ . لكن الله أراد أن تمر العملية التي اسغرقت ست ساعات بسلام . بعدها بيومين أو ثلاثة اكتشفوا كسرا في فقرة أخرى أسفل الفقرات السابقة
. احترت وسألت ألم يكن يمكن وضع دعامات لكل الفقرات التي انكسرت قبل العملية؟ وكانت الإجابة أن كل الاشعة لم تُظهر ضعفا في الفقرات الأخرى ولا يمكن لطبيب ان يتعامل بالدعامات المعدنية مع فقرة غير مصابة. كانت المتابعة بعد ذلك جيدة لم تظهر كسورا اخري لكن الألم الذي كنت أشعر به ولا يزال
وإن صار أقل، كان بشعا. بدأت رحلة مع الحبوب والحقن المخدرة من المورفين وغيره بشكل يومي . لن أحكي شيئا مما أصابني من أمراض أخري لم يكن ممكن الانتظار لعلاجها هناك وخاصة آلام البروستاتا التي اشتعلت فجأة رغم الدواء الذي أحافظ عليه منذ سنوات . قدر الله وماشاء فعل ووجدت أن الافضل
هو العودة بعد ستين يوما محبوسا في غرفة واحدة ومعي زوجتي تساعدني . رغم أن الممرضات هناك لم يتركنني احتاج إلى شيئ لكن وجود زوجتي معي كان مريحا لي جدا رغم أنها ايضا لا تخلو من تعب صحي . كنت ابحث عن فرصة للحديث فيما حولنا لكن الألم كان يمنعني معظم الوقت . كنت أشعر بالرغبة في العودة
إلى الدنيا الثقافية لكن الألم يمنعني . فجأة صرت لا أعرف من أنا وأين أنا . ولولا زوجتي معي وابني إياد كنت نسيت والله من أكون وكيف ظهرت هنا في زيوريخ وهل من بلد ثاني ساعود إليه؟
حين وصلت إلى المستشفي توقفت عن التدخين دون أى أوامر . بعد أيام اكتشفت أن هناك غرفة للمدخنين في الطابق
التالي للطابق الذي به غرفتي. تشجعت وصعدت إليها. الغرفة طبعا غير مسموح بالجلوس فيها لأ كثر من ثلاثة أو أربعة . صرت أصعد إليها تدفعني زوجتي أو ابني علي العربة المخصصة للحركة كل ثلاث ساعات أو اربعة في الأيام التي لا أكون فيهافي غرف العناية المركزة.وهكذا صرت أدخن ست سجائر في اليوم
أو سبعة انا الذي كنت ادخن علبتين وثلاثة في اليوم وأسعدني ذلك . صاروا يعرفون في المستشفي أني أصعد أحيانا إلى غرفة التدخين فصاروا اذا أرادوني لشيئ ما ولم يجدوني في الغرفة يصعدون إلىّ أو يرسلون من يخبرني بضرورة النزول . في غرفة التدخين رغم قلة المرات التي أصعد فيها اليها كل يوم
قلت سأجد فرصة للحكايات . نساء ورجال مكسوري الأقدام أو السيقان أو الأذرع أو المفاصل أو ما تشاء من العظام فصرت أشعر مع كثرة من أراهم في غرفة التدخين او في الطريق بين الحجرات بأنني في جزيرة المكسورين وذوي العاهات . عرفت كثيرا منهم خاصة من يستطيعون التحدث بالإنجليزية فأنا لا اعرف
الالمانية، وقابلت ثلاثة من المصريين وشاب سعودي وصديقيه معه لكن الحديث مع الأجانب هو الذي توقعت فيه جديدا.هل سأكتب يوما قصة أو رواية عن جزيرة العاهات. لا أعرف . لا أكتب فنا عما أراه إلا بعد سنين حين يكاد يغيب عن الذاكرة ويبدو كحلم قديم.المقالات هي الطريق. لكن الألم كان يمنعني
. ما معني أن تكتب وانت تصرخ ؟ هل ستستطيع منع صوت صراخك أن يصل إلى الجريدة أو المجلة مع المقال . الأفضل ان تنتظر . وها أنذا أعود للكتابة دون صراخ مسموع وأتمني أن استمر فيها لا يعطلني مشوار العلاج القادم . ظللت لوقت طويل لا أرد علي المكالمات التي تأتيني من الدنيا . لم أشأ أن يسمع
أحد صوتي مختنقا حزينا وأن يري دمعي اثناء الحديث . حدث ذلك مرة واحدة بكيت فيها وأنا أرد علي مكالمة خليل النعيمي.تركته متاثرا يبكي وقررت أن لا أرد إلا قليلا وعبر الرسائل . لم يكن البكاء مما أنا فيه لكن الرسائل الجميلة والمكالمات من الأصدقاء والكتابات التي انثالت علي صفحات
الميديا في محبتي كانت تذكرني أن لي وطنا أكبر من بلدي . وطن هو الثقافة والابداع فلماذا يحرمني الألم منهما؟ قررت أن أهرب إلى زمن آخر . في الغرفة شاشة تليفزيونية متصلة بقنوات كثيرة منها اليوتيوب . وجدت عليها خزينا ضخما من الأفلام المصرية القديمة . دخلتها أنا وزوجتي طول الوقت .
هي لتستعين علي الوقت وأنا مثلها واستعين على الألم . وجدت أن كل ابطالها فارقوا الحياة . قلت فلأذهب إليهم لأظل حيا. فريد شوقي وزكي رستم ومحمود المليجي ورشدي اباظة ومحمود ياسين ونور الشريف وعمر الشريف وأحمد رمزي وشكري سرحان ونجيب الريحاني وأنور وجدي واسماعيل ياسين وعماد حمدي وكمال
الشناوي وتوفيق الدقن ومحمود مرسي وعادل أدهم وتحية كاريوكا وهدي سلطان ونادية لطفي وفاتن حمامة ومديحة كامل وماجدة وشادية وزبيدة ثروت وماري منيب وغيرهم كثيرجدا جدا. رأيت أفلاما من ثلاثينات القرن الماضي حتي السبعينات، تسعون بالمائة من ابطالها رحلوا . تعمدت أن أشاهدافلام المغامرات
والضرب والقتل وغيرها في الريف والمدن وصارت تجعل الحياة حولي متحركة . صرت كلما أشارت زوجتي إلي فيلم رومانسي أقول لها ابحثي عن الضرب . انهم لا يضربون بعضهم . يضربون الوقت . صرنا نشاهد عشرة أفلام تقريبا كل يوم وأنا ممدد على السرير ولا نمل حتي لو غلبنا النوم قبل منتصف الليل. لم أجد
معني لقنوات الأخبار فلقد أخذتني الافلام عنها . لا جديد أعرفه منها . . صار الأموات من الفنانين هم طعم الحياة . تذكرت معهم كل السينمات التي شاهدت افلامهم فيها وكل أصحابي ايام الطفولة والصبا الذين رحل أكثرهم واخفت الدنيا الباقين عني . اقمت بهم خيمة من الحياة .
الحقيقة أن خيم الحياة التي أقامها الفن لا تضيع . تعطيك الامل كما تعطيك خيم المحبة من الأصدقاء من الفنانين والقراء .

جاري تحميل الاقتراحات...