صالح بن مطر الهطالي
صالح بن مطر الهطالي

@smalhatali

23 تغريدة 2 قراءة Dec 28, 2021
نعمة المرض والابتلاء:
قد تكون الأمراض والابتلاءات فرصة للبعض للتشكِّي والتذمرُّ والضيق، وهناك مَن ينظر إليها على إنها مِنَحٌ عظيمة ونِعَمٌ جسيمة، وقد لا يتبيَّن صاحبها فضلها ولا يُدرك أثرها الإيجابي على حياته إلا بعد حين،
وما أعنيه هنا من الفضائل تلك التي هي من أمور الدنيا، فكيف بأمور العقيدة والدين والعاقبة الأخروية؟ إنها- بلا شك- فضلٌ عظيم وعاقبة حسنة إن صبر العبدُ عليها وشكر.
فإذا أدركك شيءٌ من تلك الأمراض والابتلاءات التي قد تبدو للناس وكأنها مصائب تنزل وبلايا تتوالى، فأيقن بأنها هباتٌ اختصَّك الله بها دون خلقه، وقد لا تنتبه إليها وتشعر بأثرها وبركتها إلا بعد مرور السنوات والأعوام،
وربما تكون هناك غيرها التي لم ولن تدرك فضلها وعِظَم أثرها إلى أن تلقى ربك.
من الهبات والمِنَح التي يسوقها المولى- سبحانه- مع أو بسبب الأمراض والابتلاءات ما يلي:
1- لا شكَّ أن المرض والابتلاء يجعل عجلة الحياة تتباطأ وربما تتوقَّف ولو لبرهة من الزمن، مما يجعل المرء يعيش لحظاتٍ من أجمل ما يمكن أن يعيشها في حياته؛ ففيها يصفو الودُّ والأُنس بالرحيم الرحمن؛
فالضعف والانكسار الذي يشعر به الشخص في تلك الفترات الجميلة يجعله يتودَّد ويتملَّق إلى ربه وخالقه ليس فقط من أجل أن يُخرجه من ذاك المرض والابتلاء وإنما أيضًا لينظر إليه نظر رحمة وشفقة،
ومع انكسار القلب وتهيُّئ النفس تصعد تلك الزفرات من القلب فتلامس عنان السماء، وعندها تبدأ شآبيب الرحمة وفيوضات الأُنس تهطُل على نفس العبد، فتزيده صفاءً وأُنسًا وسعادة، وتفتح له آفاقًا أُخرى من التواصل بالعليِّ العظيم، ما كانت لتأتيه لولا تلك اللحظات الجميلة التي يعيشها،
والتي تبدو للناس وكأنها من أصعب لحظات الألم والضعف، ولله في خلقه شؤون ولإيصال رحماته سُبُل، وما على العبد إلا الرضى والتسليم، والإكثار من التسبيح والتهليل والتعظيم والذكر والدعاء والتوسُّل إليه سبحانه.
2- عندما يُقعدك المرض في فراشك، لا لساعاتٍ وأيام وإنما ربما لأشهر وسنوات، وعندما يكون كتابُ الله في جَنانك أو- على الأقل- في هاتفك أو فوق منضدتك، فاعلم حينها أن فرصة العُمُر قد واتتك، وما عليك إلا اغتنامها بكثرة تلاوة كتاب الله، ليلَ نهارٍ وصباحَ مساء،
وليس هناك من عجلة لتلهث خلف شؤونك الدنيوية، ولذا فعندك الوقتُ الكافي لتدبُّر آيات الله، وتدارس معانيها من تفسير لآخر ومن محاضرة لأخرى،
فيوم كنتَ لا تقرأ إلا صفحاتٍ في يوم صحتك وأوج قوتك، يكون المرض والابتلاء سببًا لأن تُنجز كلَّ يوم الأحزاب والأجزاء الكثيرة، وتقرأ الصفحات والفصول العديدة، فتزداد بذلك علمًا وفضلًا وقربًا من مولاك وخالقك سبحانه.
3- وإذا كنتَ من مُحبِّي القراءة أو ممَّن آتاهم الله علمًا، فهنيئًا لك السياحة الفكرية والرحلة العلمية التي هيَّأها ربك لك، وإن جاءتك على هيئة مرض أو ابتلاء، فلم يعُد أمامك انقضاءٌ للوقت أو انقطاعٌ للفكر، فأنت مالكُ ساعاتك ومدبِّرُ أوقاتك،
وما عليك إلا اغتنام الثواني والدقائق قبل الساعات والأيام في التنزُّه بين رياض الفكر والتنقُّل بين ضِياع المعرفة، وستجد أنهار العلم مُترَعة، ومراكب المعرفة مُشرعة، لتُقِلَّك إلى عالَم الأنوار والحِكمة وفيوضات الأسرار والرحمة.
وإن كنتَ ممَّن قصُر ركبُهم عن إدراك العلماء، أو ساخت قوائم عقله عن السَّيْر في ركب القُرَّاء، فإن لك بفضل الله وتوافر التقنيات سبيلًا لنيل حظِّك من العلم، وتحقيق رغبتك في المعرفة،
وذلك من خلال هاتفك أو حاسوبك اللذَيْن سيأتيانك بكلِّ جديد، ويُقرِّبان لك كلَّ بعيد، ويُذلِّلان لك كلَّ عنيد، فأقبِل على العلم من أبوابه، والتهِ عن المرض والألم بحُسْن التنقُّل في بساتين العلم، وجميل التدبُّر في خمائل الفكر.
4- والمرض والابتلاء سببان أيضًا لكسب والودِّ والمحبة والعلاقات الطيبة مع أهلك وجيرانك ومعارفك والناس أجمعين؛ فأنت حينها لك مكانتك الخاصة في قلوبهم، فتراهم يتقاطرون لمواساتك ومؤانستك، فتتوطَّد العلاقات وتزداد، فمَن كانت بينك وبينه شحناء أو بغضاء أو فتورٌ في التواصل والعلاقات،
فيومُ مرضك يكون سببًا لمحوِ تلك الشوائب، وتصفية القلوب من تلك المكدِّرات، فيهرعون للتسليم عليك والاعتذار إليك، فتجد منهم بعد الجفاء صفاءً خالصًا لا شائبة تُكدِّره ولا مصالح تُعكِّره، فتعود المياه إلى مجاريها، وتكسب بسبب ما كنتُ تنظر إليه على أنه ضعفٌ وانكسار،
تكسب بذلك الرفعة والإعزاز والمكانة العالية في النفوس، وتزداد معرفتك بالناس وأحوالهم؛ فهذا يقصُّ عليك أحواله، وذاك يشكي إليك شؤونه وهمومه، وثالثٌ يصطفيك ليستشيرك في معضلاته وأعماله، فتكون بينهم كالملِك المُعزَّز والعالِم المُبجَّل.
5- والمرض والابتلاء يجعلانك تسعى وراء العلاج في بلدك وقريبًا من أهلك، أو ترحل بعيدًا إلى بلدان ما كنتَ لتحلم أن تزورها وأناسٍ ما كنتَ لتظنَّ أن تلتقي بهم وتتعامل معهم، وفي كل ذلك من الخيرات العظيمة والفوائد الجسيمة ما لا يخفى على مجرِّب ولا يغيب عن فكر عاقل؛
فمن يوم خروجك من بلدك وأنت تتقلَّب من موقف لآخر، وتعيش تجارب الحياة حُلْوَها ومُرَّها، فهذا يُسرع ليُنجز معاملاتك، وذاك يرفض قبول التماسِك، وثالث يأتيك بالخيارات التي تكون الفرص بين حناياها،
ثم عندما تصل إلى المستشفيات والمصحات تجد ما لم يخطر على بالك من الأجهزة والعلاجات وأنواع الخبرات وكثرة الخيارات، وبحسب ما لديك من إمكانيات، وما أتيتَ به من موارد وأموال، تكون أبواب العلاج مفتوحة على مصراعيها، وأسباب التشافي مُشرَعة تنتظر مَن يأتيها،
ولا تظنُّ أنها قد تهيأتْ من ذاتها، أو أن أصحابها وأربابها هم المالكون الحقيقيون لها، ولكن عليك أن تُدرك أنها حلقة من حلقات الفيوضات الربانية وتجلِّيات القدر التي يُغدها مولاك عليك،
وما تيسير الأمور وانفراج الأحوال وسرعة الأخذ بأسباب العلاج والتشافي التي قد تحصل عليها إلا من تلك الفيوضات التي كان المولى- سبحانه- يُهيِّؤها لك، وما سعيُك إليها أو إنفاقك عليها إلا من باب الأخذ بالأسباب، وإلا فهي منوطة برضى ربك عنك ومرهونة بمقدار حبل التواصل بينك وبينه.

جاري تحميل الاقتراحات...