لمّا جئتُ مكَّة أدرّس في كلّيَّة التّربية سنة 1384هـ، جاء ذكر مسألةٍ فقهيّةٍ ذكرتُ فيها الحكم في مذهب الإمام أحمد، فقام أحد الطّلاب يردُّ عليّ بأدبٍ بأنّ المذهب ليس على هذا، وأنّ المسألة ليست كما ذكرتُ. فأطلتُ لساني عليه وقلت له: لقد درستَ اثنتي عشرة سنةً حتَّى وصلت الجامعة...
... وأنت لا تعرف الحكم في المذهب الذي يمشي عليه أكثر النّاس في هذه البلاد... وكلامًا كثيرًا من أمثال هذا، ما كان لي حقٌّ فيه، وما كان بيدي مسوِّغٌ له، وهو ساكتٌ لا يُجيب.
فلمّا رجعتُ إلى الدّار فتحتُ كتب الفقه الحنبليّ، فإذا المسألة كما قال الطّالب لا كما قلتُ أنا. أفتدرون ماذا صنعتُ؟ جئتُ في الغد فقلت للطّالب: أنا أعتذر إليك، لقد كنت أنا المخطئ وأنت المصيب، وأعتذر إليك مرّةً أخرى لأنّك كنت مهذَّبًا...
... ولأنّني لم أكن في التّهذيب على ما يُطلب من العلماء، فسَامِحْني.
هل تظنُّون أنّ هذا الموقف نقص احترام الطّلّاب لي أو تقديرهم إيّاي؟ لا؛ بل أؤكّد لكم أنّهم زادوني تقديرًا وأنَّهم استفادوا منه درسًا لعلّه أكبر من الدّروس التي تُستفاد من الكتب.
عليّ الطّنطاويّ
هل تظنُّون أنّ هذا الموقف نقص احترام الطّلّاب لي أو تقديرهم إيّاي؟ لا؛ بل أؤكّد لكم أنّهم زادوني تقديرًا وأنَّهم استفادوا منه درسًا لعلّه أكبر من الدّروس التي تُستفاد من الكتب.
عليّ الطّنطاويّ
قلت تعليقًا على هذه الحكاية: ويحدث في هذه الأيَّام الحاضرة ما هو أشدُّ وأنكى؛ فقد تصدَّر لمواقع الإعلام أقوامٌ لم يحصِّلوا حظًّا من العلم الثّابت والإحكام الصّحيح لما يتحدّثون فيه، فحصدوا المتابعين بالتّفنُّن في الإلقاء والتّصوير...
... حتَّى ظنّوا أنفسهم علماء يُرجع إليهم في المعضلات، ويُستشفى بآرائهم في المشكلات، فترفَّعوا وتكبَّروا، وصار أحدهم يجمع في المقطع المسجَّل أخطاء وخطايا، فإذا نُبِّه عليها، غرَّه مقامه العلميّ الزّائف بين متابعيه، فاستنكف أن يرجع إلى ما أخطأ فيه، ويعدِّله أمام النّاس...
... فرحم الله الطّنطاويّ، وكثَّر من أمثاله، وألحقنا بمنزلته في العلم والتّواضع.
جاري تحميل الاقتراحات...