إبراهيم آل سنان
إبراهيم آل سنان

@Ibrsin

22 تغريدة 16 قراءة Dec 27, 2021
من الصعب جدا اختلاق خيالا كاملا، كل ما افعله بالعادة هو تجزئة الواقع وانتقاء الحقائق وإعادة تشكيلها في بطريقة تجعلني صادقا حين اكتب ( الاحداث في هذه القصة لا تمت للواقع بصلة وإن حدث أي تشابه في الأسماء أو الأماكن فهو من محظ الصدفة ) والصدفة هي من أوصلتني اليوم إلى بوابة السجن
صباح وكأس شاي، وهدوء يسبق انطلاق الناس إلى أعمالهم، وعسكري يراقبني بتململ، يغالبه النعاس بعد مناوبة ليل طويلة لم يعد المذياع جذابا، فقط وسيلة الهاء وتمرير للوقت، اقلبه وعيناي تراقب البوابة، لم يفترض أن اكون أنا من يستقبل ( سيف ) عند اطلاق سراحه، ولكنه اتصل بي قبل عائلته.
قبل خمس سنوات، كنت في الداخل اجمع اغراضي من على الأرض، اعيد لبس شماغي وعقالي، والعسكر يمسكون برجل تكاد تنفجر عروق جبينه وهو ينظر إلى بعينيه الغاضبة، ويحاول الانطلاق نحوي، ادرك حقيقة تجعلني دائما اتقبل كل ما يحدث لي وهي أنني شخص مستفز جدا ، هكذا كانت تخبرني والدتي رحمها الله.
ينظر الناس للسجن برهبة، مكان مخيف خطير، جدرانه المرتفعة، بواباته الحديدية، مليء بالمجرمين، ولكن الأجدر بهم الخوف من الحياة في خارجه فهي أكثر خطرا ، لم اكتشف هذا بالتأمل،ولا بالقراءة، بل بالحديث مع سيف، على مدار خمس سنوات منذ كاد أن يقتلني في أول زيارة مع إحدى لجان رعاية السجناء
- تنتظر أحد ؟
سألني العسكري الذي نقر نافذة سيارتي، بنبرة عسكرية حادة، انتهت بطلب خجل لـ ( سقارة )، دعوته لدخول السيارة اتقاءا لبرد الصباح، ولكنه شكرني واخذ السقارة وأخذ الإجابة وعلق ( غريب الآدمي هذا )، ولا يعرف أن الأغرب هو استقبالي له، والكرتون الذي خبأته في شنطة السيارة
موظفوا العلاقات العامة في القطاع الخاص، يتورطون في الأعمال الإنسانية، تدفعهم شركاتهم، أو رغبتهم في تكوين العلاقات المفيدة مع المسؤولين، لذلك كان العديد منهم يختارون ابسط المهام والأكثر إثارة للتعاطف في نظر الناس، تلك التي تظهر إنسانيتهم، كرعاية عوائل السجناء لا السجناء أنفسهم
شاركت كارها، ليس لفعل الخير، ولكن لفكرة أن شركتي تريد ظهور شعارها ومديري يريد أن تظهر صورته في الجريدة، في داخلي شخص يقول لي لا تفعلها، وراتب نهاية الشهر يقول (اشتغل وانت ساكت) ، وهكذا وصلنا في أول زيارة كلجنة محملة بالورد والهدايا والابتسامات المصطنعة التي تحمل شعار الشركات.
كان في استقبالنا مدير السجن، الذي اختار من السجناء أصحاب القضايا البسيطة والصغيرة، يجلسون في مكتبه استعدادا للقاءنا والحديث معهم عن احتياجاتهم واحتياجات أسرهم في الخارج، مديري مشغول ومنزعج لتأخر المصور، والسجناء لطفاء على غير الصورة والانطباع الذي يتوقعه أي شخص يدخل للسجن.
المجاملات والشكر والثناء جعل من الوقت كما يقال ( يلزق ) أحاول توزيع ابتسامات كثيرة، وأهمها تلك الابتسامة التي ترافق هز الرأس للتأكيد على كل ما يقوله مديري المحب للخير، السجناء يطالبون، والمدير يتلقا الوعود من مديري، حتى انقطع الحديث بصوت صياح وعسكري يقتحم المكتب ويضرب برجله الأرض
التحية العسكرية أجفلت الجميع، نهض مدير السجن وهو ضابط بدوره مسرعا للخارج، ولحقه فضولي الذي، اكمل مديري استعراضه لأدواره الاجتماعية، ولم ينتبه لخروجي من المكتب بعد أن حضر المصور وأسر كل انتباهه. على حدود الباب استمع والمدير يهديء من روع سجين بثياب مدماة وممزقة، غاضب نحيف البنية.
يبتسم لي المدير ويعتذر عن ما يحدث ويشير إلى أنه سيعود حالا، لتأتي إحدى اللحظات التي يسبق فيها لساني عقلي وتقديري لأي موقف، ( عادي خذ راحتك، وشف اذا عنده عايلة نرعاها) مشيرا للسجين الغاضب، والذي نفض الجميع من حوله بطريقة لا أتذكر منها إلا أنني اصبحت معلقا من حلقي بيد تخنقني.
أول لقاء بـ ( سيف ) ، اتذكره وأنا اتلمس عنقي واقفا أمام شنطة السيارة المفتوحة في انتظار خروجه، أتأكد من وجود طلباته داخل الكرتون، عيناي تتابع العسكري عند بوابة السجن، خوفي من العسكري، أقل بكثير مقارنة بخوفي من تصرفات رجل كـ سيف لا يمكن توقع ماذا يريد أن يفعل بما يوجد في الكرتون.
مديري العزيز يطل برأسه من مكتب مدير السجن، (ايش فيه؟)، سؤاله هذا كان أكثر استفزاز مما قلته وسبب كل هذه الضجة، اجمع أغراضي المتناثرة والبس شماغي وعقالي، مدير السجن شخصية جميلة وبشوشة لا تناسبه كسجان، يعتذر لي ولمديري مما حدث، بل اعتذر نيابة عن سيف (سامحوه محكوم بقصاص ونفسيته سيئة)
(محكوم بقصاص) أي قاتل، من الغريب في مجتمعنا ردة الفعل تجاه هؤلاء الأشخاص، ولن اذهب بعيدا في ملاحظتي، يكفي شعور الحزن الذي انتاب أمي رحمها الله، ودعاءها له بالعتق والفكاك من القصاص، دائما يطرأ في ذهني لماذا يهمل الناس التفكير بالمقتول وعائلته، لماذا تتحول العاطفة للقاتل.
وكثيرا ما سألت هذا التساؤل ليكون الجواب (يا رجال الله يحطك في موقفه ما تدري ايش اسبابه)، غريزة القتل لإنسان، فكرة مرعبة، لكن الناس لا تخاف من أن يقتلون، بل يخافون من قتلهم لآخرين، من اضطرارهم لها، وهذا الأمر الأكثر رعبا، لذلك يشعرون بالتعاطف تجاه كل شخص فقد سيطرته على هذه الغريزة
مر إٍسبوع على الحادثة، تحملت فيه عتابا حادا من كبار السن في أحيان، وفي غالبه سخرية لاذعة من أصدقائي، وبالنسبة لي ذلك الإسبوع كان الأهدأ، كل شيء حولي لا معنى له، الكل يتحدث وأنا صامت استعيد الحادثة وأتذكر عيني سيف المشتعلة، ووجهه صورة ثابتة في سقف غرفتي أحدق فيها لساعات قبل النوم.
"انتظار الموت" اعرف له شكلا واحداً، انتظار الاستسلام، أو بالأصح انتظار الراحة، لمسته في نظرات أبي رحمه الله، والذي رافقته حتى وفاته في عمر 95، بل أنه طلب مني عدم الدعاء له بـ طولة العمر، ( ادع لي بحسن الخاتمة ) . كان يطلب مني ذلك بتصالح مع فكرة الموت، انتظار المتمني.
في إحدى المرات انتابت أبي أزمة قلبية، وتوقف قلبه، وكانت في آخر أيامه تعاوده كثيرا، فهرعت لانعاشه، اتذكر كيف كنت اضغط صدره وفي نفس الوقت اذكره بالشهادة، كيف اجهزه للموت وكيف انقذه منه، ليفتح عينيه بعتب كمن سلبه شيئاً يمتناه.
هل كان سيف يشعر بذلك؟، شاب في عمر الثلاثين، وسيم مثقف، خريج جامعة امريكية مرموقة، أب لطفلتين جميلتين، وابن بار، وصديق يحبه الجميع، عرفت كل ذلك بعد أن أصبح شغلي الشاغل، في منطقة لم يكن من الصعب أن تحصل على المعلومات بمجرد ذكر الشخص، مجتمع متقارب، وقصص القتل تصبح وسيلة للتسامر
رجل واحد كان يغضب ويغادر المجلس إذا جاء ذكر سيف، عرفت بعد ذلك أنه ابن عم القتيل والذي يكون ابن خال سيف، يقال في علم الجريمة أن احتمالات قتل الإنسان من قبل أحد أقاربه أو أصدقاءه أو زملائه هي أكثر من احتمالات قتله من قبل الغرباء، وفي مثل هذه القصص هناك دائماً سر لا يعرفه أحد.
وهذا السر انظر له في الكرتون اثناء انتظاري لخروج سيف من السجن، نعم ، لم ينفذ حكم القصاص في سيف، قبل خاله الدية، وتنازل عن القصاص، ولكن القصص ليست قصص الموت، ولكنها قصص الحياة، الحياة التي أعاد التفكير فيها سيف لمدة خمس سنوات ليخرج هربا من العودة إليها، ويطلب مساعدتي.
وسلامتكم

جاري تحميل الاقتراحات...