سلسلة: ج٢
هل نهى النبي ﷺ كتابة الحديث؟
هل خالف الرواة أمر النبي ﷺ بروايتهم للحديث؟
عموما: المتمسكون بأحاديث كراهة رواية الحديث وكتابته أخذوه رغم أنه حدي ينقلونه عن أهل الحديث الذين ذكروا كذلك أحاديث أخرى بإباحة الكتابة.
وهذا دليل سلامة منهج علماء الحديث في النقل
هل نهى النبي ﷺ كتابة الحديث؟
هل خالف الرواة أمر النبي ﷺ بروايتهم للحديث؟
عموما: المتمسكون بأحاديث كراهة رواية الحديث وكتابته أخذوه رغم أنه حدي ينقلونه عن أهل الحديث الذين ذكروا كذلك أحاديث أخرى بإباحة الكتابة.
وهذا دليل سلامة منهج علماء الحديث في النقل
حرص الصحابة رضوان الله عليهم بحضور مجالس النبي ﷺ للتعلم منه والأخذ عنه والتأسي به. وكان الصحابة بينهم في زمن النبي ﷺ يتداولون سنته.
عن البراء بن عازب (ما كل الحديث سمعناه من رسول الله ﷺ ، كان يحدثنا أصحابنا وكنا مشتغلين في رعاية الإبل وأصحاب كانوا يطلبون ما يفوتهم سماعه من رسول الله ﷺ فيسمعونه من أقرانهم وممن هو أحفظ منهم وكانوا يشددون على من يسمعون منه)
وكون الرادين للسنة لا يقبلون النقل ويتمسكون بإعمال العقل على النقل، فهل اجيب عقولهم عن مسألة وهي: لماذا كان الصحابة يحرصون على الجلوس مع النبي ﷺ للتعلم منه والقرآن بين أيديهم! أم أن علاقتهم بالنبي هي تعلم القرآن فقط!
ولتجب عقولهم على: إن كان العرب الأقحاح الأوائل العارفين باللغة المعاصرين لنزول الوحي احتاجوا لمن يعلمهم الدين والقرآن، فما ذا نقول نحن!
وقد قال تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)
وقد قال تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)
وعن عمر رضي الله عنه قال (كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد ، وهي من عوالي المدينة، وكننا نتناوب النزول على رسول الله ﷺ ، ينزل يوما وأنزل يوما، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك)
وكان العرب يعتمدون الحفظ وتقل عندهم الكتابة وهذه من خصائصهم وهذه الخصائص كانت لهم وميزتهم عن غيرهم، فكانت أمة حافظة ، فالله أرسل نبيه من أمة تحفظ في الصدور وتفهم المعاني والمجاز فحفظوا القرآن واعتمدوا على مافي صدورهم وتدربوا على ذلك فحفظوا القرآن كما سمعوه وتواتر هذا الحفظ.
وعلى ذلك فقد اهتم المسلمون بالكتابة وتعلموها وأوصى النبي ﷺ بتعلمها، ولذلك ظن البعض أن المراد بالأمية في القرآن هي الأمية الدينية استدلالا بقوله تعالى ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبله لفي ضلال مبين)
لكن الآية الثانية التي توضح معنى الأمية، هو قوله تعالى في وصفه للنبي ﷺ (الذين يتبعون النبي الأمي) فكيف يكون نبيا وأميا إن كان معنى الأمية هي أمية الدين.
والقرآن لم ينزل بلغة العرب في الجزيرة العربية فحسب بل نزل بفهمهم ولذا لا يصح أن نستدل بفهم المستشرقين الذي وصلهم القرآن مترجما بالمعنى ولكنه نزل بفهم العرب لذا فمعنى الأمية ثابتة معروفة عند العرب وفي لغتهم.
وقد استدلوا بكراهة كتابة الحديث والعجيب أنهم يستدلون بحديث روي في السنة فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال ( لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه وحدثوا عني ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوا مقعده من النار)
وأخرج الخطيب البغدادي حديثا بكراهة الكتابة يستدلون به والعجيب أنه عن أبي هريرة قال (خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نكتب الأحاديث فقال: ما هذا الذي تكتبون؟ قلنا: أحاديث نسمعها عنك، قال: كتابا غير كتاب الله تريدون؟ ما أضل الأمم قبلكم إلا بما اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله تعالى)
هؤلاء يتناسون عددا من أحاديث إباحة الكتابة وأنوه إلى بعض النقاط في أحاديث الكراهة ومنها أن النبي أراد بذلك حفظ القرآن وأن لا يلتبس أو يخلط الناس بين القرآن وكلام النبي. وأن النهي قد يكون خاصا بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيئ واحد، وقد يكون النهي سابق والإذن ناسخ له.
لكن السبب الأهم هو أن لا يتكل الناس على الكتابة دون الحفظ وهذا واضح في قوله ﷺ( ما أضل الأمم قبلكم إلا بما اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله تعالى) وهنا خصص أنها ما كتب مع كتاب الله حتى لا يحصل الخلط.
ولهذا اجتهد العلماء لاحقا بعد ترسخ القرآن في قلوب الناس بعد خوفهم من ضياع سنة النبي وقصرت همة الناس في الحفظ وبذلك قاموا بتدوين السنة بعد أن كانوا يتداولون السنة حفظاً.
وعن عبد الله بن عمرو (كنت أكتب كل شيئ أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه ونهتني قريش وقالوا تكتب شيئ سمعته من رسول الله ﷺ ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ فأمسكت عن الكتاب فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ شفأومأ بإصبعه إلى فيه وقال (اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق)
وعن أنس بن مالك وعن عبد الله بن عمرو قالا: قال رسول الله ﷺ(قيدوا العلم بالكتاب)
وهل من علم أجل بعد كتاب الله من علم نأخذه عن النبي ﷺ
وهل من علم أجل بعد كتاب الله من علم نأخذه عن النبي ﷺ
وروي عن سعد بن عبادة رضي الله عنه أنه كان يملك صحيفة جمع فيها طائفة من أحاديث الرسول وسننه وكان ابن هذا الصحابي الجليل يروي من هذه الصحيفة. وقال البخاري أن هذه الصحيفة كانت نسخة من صحيفة عبد الله بن أبي أوفى الذي كان يكتب الأحاديث بيده وكان الناس يقرأون عليه ما جمعه بخطه
وقد جمع سمرة بن جندب أحاديث كثيرة في نسخة كبيرة ورثها ابنه سليمان ورواها عنه. وكان لجابر بن عبد الله صحيفة.
قال عبد الله بن عمرو: ما يرغبني في الحياة إلا خصلتان الصادقة والوهن فأما الصادقة فصحيفة كتبتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما الوهم فأرض تصدق بها عمرو بن العاص كان يقوم عليها. وقد ذكر أنها كانت ألف حديث.
ويجب أن ننوه بالصحيفة التي كتبت في السنة الأولى من الهجرة وهي صحيفة حقوق المهاجرين والأنصار واليهود وعرب المدينة فجاء فيها: (هذا كتاب النبي محمد رسول الله بيت المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم: إنهم أمة واحدة من دون الناس)
وقد عني عبد الله بن عباس بكتابة الكثير من سنة الرسول ﷺ وسيرته في ألواح كان يحملها معه في مجالس العلم، وقد تواتر أنه حين وفاته ترك حمل بعير من كتبه. وقد كان تلميذه سعيد بن جبير يكتب عنه ما يملي عليه وقد ظلت صحف ابن عباس معروفة متداولة مدة طويلة من الزمن فقد ورثها ابنه علي
متى بدأ تدوين السنة؟
بداية تدوين الحديث لا يعني بداية تناقل وحفظ أحاديثه ﷺ ، فالتدوين بدأ كما ذكرنا سابقا في زمن النبي ﷺ ومن يحتج بنهي النبي ﷺ استدلالا بالحديث فيجب أن يكون منهجه أيضا الاستدلال بإباحة كتابة الحديث خصوصا في فترة متأخرة كفتح مكة.
بداية تدوين الحديث لا يعني بداية تناقل وحفظ أحاديثه ﷺ ، فالتدوين بدأ كما ذكرنا سابقا في زمن النبي ﷺ ومن يحتج بنهي النبي ﷺ استدلالا بالحديث فيجب أن يكون منهجه أيضا الاستدلال بإباحة كتابة الحديث خصوصا في فترة متأخرة كفتح مكة.
وعن عروة بن الزبير أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد أن يكتب السنن فاستفتى أصحاب النبي ﷺ فأشاروا عليه بأن يكتبها (وهم صحابة رسول الله وعندهم العلم الذي يفضي بعدم وجود مانع شرعي لمنع جمع السنن، وكذلك رأي عمر بجمع السنن فيه دلالة على عدم وجود المحرم من جمعها)
- يتبع
- يتبع
فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا ثم أصبح يوما وقد عز م الله له فقال (إني كنت أريد أن أكتب السنن وإني ذكرت قوما قبلكم كتبوا كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله وإني والله لا أيوب كتاب الله بشئون أبدا.
وكان هذا الأمر بسبب خوف عمر رضي الله عنه من ترك الناس لكتاب الله وانشغالهم بما دونه خصوصا أن زمن عمر كثرت فيها الفتوحات الإسلامية والأولى أن ينشغل الناس الداخلين في الإسلام بالقرآن. وتم تدوين السنن لاحقا بعد استقرار الإسلام والقرآن في نفوس الناس وحفظوه.
ولا ننسى أن كثيرا من الناس في الأمصار المفتوحة اختلفوا في القرآن في زمن عثمان رضي الله حتى قام بجمعه مرة أخرى في القصة المعروفة.
ولقد كان أول تدوين للسنة على يد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز وليس كما يظن بعض من غاب عنه هذا العلم ظانا بأن البخاري هو أول من قام بجمع الحديث بعد أكثر من ٢٠٠ عام من وفاة النبي ﷺ
فقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم عامله على المدينة كتابا قال فيه (انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ أو سنة ماضية أو حديث عمرة فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب أهله
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار الأخرى إلى الولاة وغيرهم (أنظروا إلى حديث رسول الله ﷺ فاجمعوه) وقد مات عمر بن عبد العزيز قبل جمع الحديث وبهذا اعتبر كثير من العلماء أن عمل عمر بن عبد العزيز هو أول جمع للحديث.
وقد كان سبب جمع الحديث هو زوال سبب الكراهة بعد أن استقر حفظ القرآن الكريم في صدور الناس فلا مجال لالتباس القرآن بالحديث، والسبب الثاني هو الخوف من ضياع الحديث بعد أن كان يتداول في الحديث في الصدور حفظا
والثالث هو تفرق العلماء في الأمصار والرابع وهو الأهم ظهور الوضاعين للحديث الذين كذبوا على النبي ﷺ فنسبوا للنبي ﷺ أحاديثا مكذوبة يريد البعض أن يستدل بها لنصرة حجة له
وقد كانت المحاولة الفعلية لكتابة الحديث على يد الإمام محمد بن شهاب الزهري وهو من بني زهرة بن كلاب من قريش، وكان محبا للحديث شغوفا به ومحاولته هذه كانت تمهيدا لمن بعده لذلك قال العلماء (لولا الزهري لضاع كثير من السنة)
وقد ولد الزهري في منتصف القرن الأول الهجري في زمن معاوية وتوفي ما يقرب من عام ١٢٤ هـ وهو تابعي جليل
ومن المهم الاشارة إلى قول الضحاك لم مزاحم الهلالي (لا تتخذوا للحديث كراريس ككراريس المصاحف ) فهو يخاف من خلط الناس خصوصا حديثي الإسلام بين المصحف والحديث فقال بكتابتها في كراريس بنوعية مختلفة
ويحسب لأئمة علم الحديث نقلهم لأقوال الكراهة في تدوين الحديث ونقلهم لأحاديث إباحتها وهذا دليل على سلامة منهجهم ولو كان منهجهم باطلا لما نقلوا لنا أحاديث كراهة كتابك الحديث التي يستخدمها من يحتج ببطلان السنة.لكن أصحاب الهوى يأخذون ما يريدون وينقلون من أئمة الحديث جزءا ويتركون غيره
جاء في القران الكريم (وإنك لعلى خلق عظيم ) فكيف كنا سنعرف أخلاقه وتعامله مع الناس ومع أصحابه وأهل بيته إن لم نأخذها من السنة!
فلنتخيل أننا لا نعرف عن رسول الله ﷺ إلا ما وصلنا عنه في القران الكريم.
جاري تحميل الاقتراحات...