هل الشعب المصري متواطئ مع حالة التردي الرهيبة اللي وصلتلها أوضاع مصر السياسية من ٢٠١٣ حتى الآن؟
هل المصريين اشتركوا في اللي حصل ده ودافعوا عنه وأيدوه وبالتالي الوضع الراهن هو بيعكس خُلاصة القدرة السياسية والثقافية للمجتمع المصري ونتاج "طبيعي" لمروره بالتجربة دي؟
هل المصريين اشتركوا في اللي حصل ده ودافعوا عنه وأيدوه وبالتالي الوضع الراهن هو بيعكس خُلاصة القدرة السياسية والثقافية للمجتمع المصري ونتاج "طبيعي" لمروره بالتجربة دي؟
السؤال ده سؤال كبير ومعقد ومُلح وبمثابة هاجس بيطاردني طول الوقت، غالباً لإن الإجابة عليه بـ "أيوة" هاتريح مخي من التعامل مع أسئلة تانية كتير مؤلمة جداً ومرهقة للعقل والضمير.
"أيوة" هي بمثابة نقطة و من أول السطر لقفل القصة بتاعة كل ما يربطني بالبلد دي وبجدوى الكلام في أي حاجة فيها، معناها ان دول مجموعة من معدومي الكرامة والضمير، انحازو لشئ هما شايفينه غلط وإجرامي بإرادتهم واشتركوا في صناعة واقع عارفين انه هايحصل على أنقاض حيوات آلاف من البني آدمين
في سببين رئيسيين مش مخليني راضي أقبل الإجابة دي أبداً، وهي أسباب شخصية جداً متعلقة بتجربتي أنا الشخصية واللي شفته وضميري والقناعات اللي تخليني راضي عن نفسي وعن دماغي وعن علاقتي باللي بيحصل حواليا، مش كل الناس لازم توافقني في الرؤية دي ولا تشوف الموضوع من نفس المنظور.
أولاً: شاء حظي الرائع والبشع إني أكون في فريق كتابة "البرنامج" في موسمه الأخير على mbc فبراير ليونيو ١٤، بعد شهور من إقصاء مرسي، وأثناء التحضير لترشح عبد الفتاح السيسي للرئاسة بالرغم من إعلانه عن عدم رغبته في الترشح، ثم بعد ذلك إعلانه الترشح، ثم بعد ذلك إيقاف البرنامج.
الفترة دي الوظيفة كانت بتطلب إننا نتفرج حرفياً على مجاري التليفزيون المصري عشان نطلع المادة اللي بتتعمل منها الحلقات، وفي أكتر من حلقة كانو بيغطوا الطريقة اللي الإعلام كان بيهيأ بيها الشعب المصري لمجئ السيسي (أنصح بمشاهدتهم دلوقتي لتنشيط الذاكرة).
نا شفت في الفترة دي عجائب وغرائب كانت بتتحشي في أدمغة الشعب المصري، بغض النظر عن التفخيم الأسطوري في شخصية السيسي وتصويره كملاك ربنا بعته من السما لإنقاذ الشعب وتصوير البلد كحظيرة من البهايم مفيهاش كائن وحيد الخلية غيره ينفع للمنصب والكلام ده..
الشئ الأخطر والعجيب جداً واللي ساعدني أفهم كتير عن علاقة التخلف في البلد دي بالسلطوية كان ضخ كمية غريبة جداً من المادة التليفزيونية الخزعبلية والفقرات الأشبه بالهلوسة وخلطها بالمادة السياسية دي
فقرات تفسير أحلام على علماء طاقة على أبراج على طبخ على أي شئ مرتبط بالخرافة والجهل وحشر كلام عن السيسي في النص، بالإضافة لتحفيز حالة عامة من الرداءة عموماً، أغاني عجيبة ومظاهر غير مفهومة من التفسخ في التأييد والرقص وحاجات أشبه بأحلام نومة العصر.
وربما القصة بتاعة جهاز الكفتة كانت قمة الخلطة السحرية دي، اللي هي لعبة غرضها الأساسي في رأيي كان تفكيك المناقشات السياسية المعقدة والمركبة اللي كانت حاصلة في الوقت ده حوالين المواطنة والعدالة الاجتماعية والحريات الشخصية والدستور وكل مكونات الحكم (المنطقية) دي..
..واستبدالها بسحابة من الوهم كدة مافيهاش شئ ملموس ولا مُقنع غير صورة الديكتاتور المنقذ المحاط بهواجس وكوابيس الأعداء وأهل الشر،
المطلوب كان إخضاع الناس لفكرة ان اللي جي حاجة مفيهاش مكان لرأيك ورأيي، اللي جي "قدر" والقدر صح ولو كان غلط، والقدر مفيهوش نقاش.
الشغل ده كان بيتعمل بضمير وإخلاص وتحضير واهتمام بأدق التفاصيل ممن في الشئون المعنوية عشان تخدير العقل المصري وتفريغه تماماً من الأجسام المضادة للمنطق السلطوي وتفطيسه وتفطيس المناقشة السياسية لحد ما نلاقي نفسنا في لحظة وجود السيسي فيها في الحكم حاجة أقرب للنكتة منها للحقيقة..
حاجة أصلاً ما تستحقش نشتبك معاها ولا نتناقش في خطورتها لانحطاط المستوى اللي هانضطر نوصل له في المناقشة مع ناس بتدعم قناعتها بأحلام وإرادة ربنا ومخططات تقسيم مصر ومصر أم الدنيا والحاجات دي.
الشغل ده اتعمل على نار هادية جداً وببطء شديد وطولة بال، وبحساب لنوعيات الجمهور المستهدفة وتوفير مواد متنوعة ليهم تناسب خلفياتهم المختلفة وفيما يبدو باستخدام نظريات علمية معقدة جداً في سيكولوچيات الجماهير والحرب النفسية والمعنوية.
ده عنصر يخليني "أعذر" - بكثير من التحفظ - قرارات ناس كتير قوي من الجماهير قليلة التعليم اللي انساقت ورا اللي بيحصل ده، حتى في توحشهم اللي تفجر بعد كدة وبدّعوا في التجويد فيه عشان يكتموا أصوات تأنيب ضميرهم ويرتاحو لاختياراتهم المشينة..
ويخليني أعذر - بس بتحفظ أكتر بكتير - أصحاب الأدوار الثقافية والاجتماعية البارزة اللي حسو بالإهانة من إضطرارها للدخول في مناقشات بالمستوى ده فخدت جنب وسكتت حماية لكرامتها من مهانة المعافرة مع شلال من الجنون، حتى لو ده حولهم بعد كدة لجزء من الواقع ده بقدرتهم على التكيف معاه.
انياً:
أنا شايف ان واحدة من المشاكل الكبيرة قوي في الأدوار اللي لعبوها مثقفين عصر جمال عبد الناصر اللي مهدوا الطريق للمنطق الثقافي والاجتماعي اللي جيلنا طلع عشان يتعامل مع آثاره..
أنا شايف ان واحدة من المشاكل الكبيرة قوي في الأدوار اللي لعبوها مثقفين عصر جمال عبد الناصر اللي مهدوا الطريق للمنطق الثقافي والاجتماعي اللي جيلنا طلع عشان يتعامل مع آثاره..
هي انهم الطيب والشرير والمخدوع والجميل فيهم وحتى المعارضين ليه والمكتوىين بناره، كلهم تقريباً كانو زيهم زيه وزي نظامه في رؤيتهم للشعب المصري كمجموعة من البهايم..
والمنطق المختل ده هو جوهر الفكرة السلطوية أصلاً، ويشبه بالظبط المنطق العنصري بتاع الاستعمار، انه الحرية دي حق للناس النضيفة والمتعلمين والناس البيض لأنهم أصلاً نُضاف فمش هايسيئوا استخدامها، بينما البهايم دول ما ينفعش ياخدوا حريتهم لأن البهايم لو خدت حريتها هاتزروط الدنيا.
الإحساس ده بالانفصال عن الشعب بتغذيه طبعاً التجربة الرديئة اللي اسمها "الحياة في مصر" واللي بتضطر الإنسان انه ياكل عدد لا يُستهان بيه من المقالب والعُلق والتجارب السيئة من "الشعب" ده، بواب بقى، سواق تاكسي، عامل ديلڤري، خدامة... إلخ..
..فالناس شايلة من بعض جامد ومش محتاجين مجهود عشان تقنعهم انهم عايشين مع بهايم، حتى لو كانو هما نفسهم البهايم دي في قصة أحدهم.
المنطق ده بيلعب دور مهم جداً في عملية "شرعنة العنف"، والتطبيع مع فكرة القمع الممنهج والعقاب البدني والانتهاك لكل الحقوق الأساسية لـ "البهايم" لأنه زي ما البهايم بتعيش في زرايب وتنضرب بالخرازانات عشان احنا ناكلها..
..الإنسان البهيمة برضه لازم يتعامل كدة عشان احنا ناكله وده مش عيب ولا حاجة لأنه الإنسان ده اختار يكون بهيمة فطبيعي يتعامل كبهيمة، وعشان الدور ده بالتحديد أنواع معينة من المثقفين وصانعي الثقافة مسموح لهم يكونو موجودين ومؤثرين في الرأي العام وأنواع تانية لأ.
قبولي لفكرة ان الواقع اللي احنا فيه ده صنيعة شوية البهايم دول، مش صنيعة الناس اللي سهرانة في مكاتب ترسم وتخطط وتعمل تليفونات عشان تقعد شهور وسنين تقنع وتفكر البهايم دول انهم بهايم، هايكون أول خطوة على طريق عزل نفسي عنهم بنفس الأسلوب..
لا لشئ إلا عشان أريح ضميري اللي كل شوية يفكرني بالعجز اللي شالِلني زيي زي كل البهايم، العجز اللي فشلنا بسببه في المحاولة اليتيمة اللي كنا عاوزين نعمل بيها حاجة حلوة تخلينا عايشين كويس..
..العجز ده هو اللي بيطلب بإلحاح التعويض بتاع "أنا أنضف من كل دول، أنا الوحيد اللي فاهم وكل دول جبانات وبهايم".
..وأنا مش حاسس اني أقدر أكمل حياة سعيدة وفيها مزيد من التطور والتصالح مع النفس مبنية على قرار جبان زي ده.
عجزي أنا قابله وراضي بيه لأنه كان عجز في خناقة غير متكافئة على الإطلاق، خناقة بين ناس بسيطة عايزة تعيش عادي فقط لا غير، وناس ماتعرفش تعيش من غير ما تذل كرامة الآخرين، ناس واقفة بتزعق في الشارع عشان ما تنضربش على قفاها، وناس بتعقد صفقات بمليارات عشان تفضل في كراسيها..
..فده مش عجز تقاعس، ولا عجز خيبة، ده عجز إدراك لجحم مشكلة طلعت أكبر بكتير من اللي أنا وزملائي البهايم كنا بحسن نية في الأول متصورينها بسيطة وهاتتحل بـ ١٨ يوم من الجدعنة.
القناعة دي مش معناها اني أتعاطف مع سجناء/شركاء الواقع المعفن اللي مصر عايشاه، التعاطف ده كمان برضه هاييجي من موقع تعالي واستنضاف للذات، دي بس تذكير لنفسي بمحدودية قدراتي وطبيعية سذاجتي وغبائي وحسن نيتي واحتياجي للتعليم والخبرة اللي بييجو بتمن غالي جداً، زيي زي كل اللي حواليا.
..وعشان كدة الإجابة بالنسبة لي لأ، المصريين - إختزالاً كدة - مش مسئولين لأني شايف انه في أي قصة شبه دي المسئولية دايماً على اللي فوق مش اللي تحت.
وتعالا نجرب نخلق واقع بديل يبقى فيه فرصة للناس تختار تصور حر فعلاً عن حياتها بدون تخويف ولا تهويل ولا هلوسة ولا نصب ونشوف هايختارو إيه..
..طبعاً الفرصة دي مش هاتيجي لوحدها ولا هايتعطف علينا بيها حد، الفرصة دي مش هاتيجي غير لما الناس نفسها توصل لدرجة ما من اليأس أو الأمل تدفعها دفعاً للاتفاق على خلق الفرصة دي بإصرار وحذر و استعداد لمواجهة أي ظروف والاستعداد لدفع التمن كامل، بس على كبير قوي بقى المرة دي.
وختاماً تحياتي للسودان.
جاري تحميل الاقتراحات...