anas ghanayem
anas ghanayem

@AnasGhanayem2

11 تغريدة 321 قراءة Dec 20, 2021
أدهم نابلسي
قبل فترة كنت أستمع لسورة المائدة، وحين وصل مولانا المنشاويّ حدّ الآيات التي يتحدث فيها موسى مع قومه محاورًا إياهم في شأن دخول الأرض المقدسة، استوقفتني هذه الآية:
(قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ). ما دفعني للتوقف في شأنها توهّمي بأنّ المنشاوي قد أخطأ في قراءتها إذ قال:
(قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليها) ولم يقل (قال رجلان من الذين يخافون [الله] أنعم الله عليهما)!
رجعت إلى الآيات، فوجدتها كما سمعتها لا كما توهمت. حينها فهمت المعنى على غير ما فهمت أول الأمر، إذ جعل القرآن الرجلين -وهما من نقباء بني إسرائيل-من جملة الخائفين من العماليق
فأثبت لهم الخوف أولًا، لكنّ الله أسبغ عليهما نعمته، فاطّرحا حفيظة النفس، وهتفا في قومهم: ندخل عليهم، فإن تمّ لنا ذلك، نقاسمهم أسيافنا، لنا الغمد، ولصدورهم الحد، وتذكّروا الله، والإيمان، فإنه لا يصدق ويصبر في اللقاء إلا "مستبصر في دين، أو ممتعض من ذلّ".
ما يحكيه القرآن عن وصف الرجلين، أنّ أوّل الشجاعة خوف، ثمّ تأتيك العزمات، ولا عزمة أعظم من الإيمان بالله! وعلى ذلك يكون حد الشَجاعة "سعة الصدر، بالإقدام على الأمور المتلفة"، وعلى مذهب عمرُو بن معد يكرب:
(وجاشت إليّ النفس أوّل مرة ... وردّت على مكروهها فاستقرّت)
ما قام به أدهم النابلسي جهادٌ أكبر، وتمام شجاعة، وسخاء نفس، إذ المشاهير والمؤثرون والشخصيات العامة هم أكثر عرضة لتطوير عقلية نرجسية وإمكانية دخولهم في "فقاعة العظمة" –كما يسميها البعض- أدعى وأحرى.
أولًا: يُحاط الشخصيات العامة دائماً بالمعجبين المتوددين، والمعجبات المتوددات، وهذا الإغراء المستمر المقرون بالتزلف والتملق، يحجبك عن مساءلة نفسك، خاصة مع وجود حاشية من المداهنين، تقوم مقام حمايتك من الجماهير…
فأنت لست مضطرًا حينها لمواجهة ما يدور في خلدك، ويضجّ في صدرك من أسئلة وهواجس...هناك من يفعل هذا بدلاً منك! ثانيًا: حين ترى بأنّ كل أفعالك تحت بؤرة الضوء بفعل الملاحقة الإعلامية –بغض النظر عن أهميتها- فمن السهل أن تظن بأن كل ما تفعله مهم ومثير ومسلٍ.
ثالثًا: يمتلك الشخصيات العامة الناجحة من الرياضيين أو السياسيين أو الممثلين، ما يكفيهم من المال لشراء أي شيء يريدونه وفي أي وقت، وهذه القدرة على إرضاء كل رغباتهم و خيالاتهم تعزز لديهم صفات الاندفاع والإهمال والشعور بالعظمة.
أن تبقِ عقلك على أرض الواقع، وتعمد لتحدي معتقداتك و اختبارها، في لحظة صدق وصفاء، وتخلص إلى خطابٍ دينيٍ بسيط وصلب في آن واحد (توبة، طاعة-معصية، غاية وجود...) فهو شيء طيب وظريف.
خطاب النابلسي الذي ذكره يكاد يتلاشى اليوم في "عصر علماني" (تايلور) أو في عصر "شراء بوذا وبيع الرومي" (صوفيا أرجان)، أو في القاموس اللاهوتيّ لقدّيسي الإنفلونسر وهم ينشرون إنجيلهم على الإنترنت ليقوم الآخرون بالعبادة وال تبتل...والله أعلم

جاري تحميل الاقتراحات...