هذه الأسئلة مقدمة لموضوع سبق أن تكلمت فيه على فترات؛ هو المذكر والمؤنث. وأحاول هنا زيارته ثانية، لأجمِّع معكم أفكاری، وأعيد ترتيبها أو صياغتها.
لن أقدم إجابات. إنما هی تصوراتی الذاتية للغتی أنا، التی هی قوام أفكاری ومادة الحقيقة والمعرفة فی اعتقادی. (وكذلك أی لغة لمتكلمها)
لن أقدم إجابات. إنما هی تصوراتی الذاتية للغتی أنا، التی هی قوام أفكاری ومادة الحقيقة والمعرفة فی اعتقادی. (وكذلك أی لغة لمتكلمها)
لنفترض أولاً أن دلالة اللغة على المذكر والمؤنث دلالة وضعية، مبنية على فهم المتأخرين للغةِ الأوَّلين. فهمٌ لا يُشترط أن يكون محيطاً بكل دلالات الاستعمال اللغوی التی حصروها فيه. فتجوز لنا مراجعته بل هدمه، وبناء فهم آخر محله، ما دام فهمنا يستشهد بالتراث اللغوی نفسه الذی استشهدوا به.
ولنفترض ثانياً أن اللغة العربية قد نبعت من نظرة كونية أشمل من الذكورية والأنثوية؛ حالة كونية جامعة، قَصَرَ عن الإحاطة بها علماء اللغة الأوائل لما نسبوها إلى المذكر والمؤنث وحصروها فيهما. يظهر قصورهم هذا فی التضاربات التی وقعوا فيها، و’شذوذات‘ تذكير الأفعال وتأنيثها حتى فی القرآن،
وقد اضطرهم فهمهم القاصر—أو المضلل—إلى تصنيف المؤنث مرة مجازیاً وحقيقیاً، ثم مرة لفظیاً ومعنویاً. ومضوا يضعون حالات لما يجوز فيه التأنيث وما يجب فيه، إلخ. وهذا من اختراع علوم كالنحو والصرف، التی مع ضروريتها الزمنية، أدت—كأی قاعدة صماء—إلى تثبيت الطبيعة السائلة للغة، أو كانت سائلة؛
تثبيتها فی بنية جنسية جامدة، جعلت المتكلم غير واع بالنظام الكونی الذی ينبغی للغته أن تعبر عنه، وأبعد اتصالاً بمعانيه ودلالته.
أما الباب الذی حشر فيه العلماء القدامى هذه البنية، وسمُّوه التذكير والتأنيث، فهو أوسع من ذلك وأرحب، لأنه كان ينبغی أن يعبر عن حالات للوجود غير ثابتة.
أما الباب الذی حشر فيه العلماء القدامى هذه البنية، وسمُّوه التذكير والتأنيث، فهو أوسع من ذلك وأرحب، لأنه كان ينبغی أن يعبر عن حالات للوجود غير ثابتة.
لا أريد تسمية هذه الحالات. إنما يكمن الشيطان فی محاولات التسمية والتضييق والحصر فی تصنيفات. بل ينبغی بقاؤها سائلة، حرة، متعالية على التصنيفات الجامدة القسرية.
لكننا قد نميزها إلى حالة عامة شاملة غير مخصصة، تقابلها حالات خاصة من الوجود، أو ضمنية فی الحالة الوجودية الأعمّ؛
لكننا قد نميزها إلى حالة عامة شاملة غير مخصصة، تقابلها حالات خاصة من الوجود، أو ضمنية فی الحالة الوجودية الأعمّ؛
وأن اللغة فی صرف كلماتها وبنية كلامها عبَّرت عن هذه النظرة الكونية بالعلامات واللواحق كالهاء والألف، واستعمالات الأفعال والأسماء التی فيها يتقاطع الجمع والمفرد، وتعدد صيغ الجموع، وبغير ذلك من طرق تعبيرنا، التی سبَّبت تضاربات التذكير والتأنيث عند العلماء المؤسسين للنحو العربی؛
وأن العرب الفطريين كانوا يُعبِّرون عن أفكارهم بهذه الحالات الوجودية حسب كل ثنائية يقتضيها ظرف الكلام: كالعمومية والخصوصية، الكثرة والقلة، الجمع والإفراد. ثنائيات عديدة، لا يعدو التذكير والتأنيث واحدةً منهن، أو حتى فرعاً ضمنياً تحتها. لا هو كل الباب، ولا حتى معظمه.
لو وافقنا جدلاً على هذه الفرضية، تبدأ عُقَدٌ من الكلام تنحلُّ لنا، واضطراباتٌ تنتظم فی نظرنا، ولا نضطر إلى الاجتهاد فی تخريجات عجيبة نفسر بها التناقضات والمفارقات اللغوية، وما يتهيأ لنا أنه شذوذات فی بنية المذكر والمؤنث المزعومة للغة، أو تصنيفات معقدة ما تفتأ يتفرع بعضها من بعض.
وقد تفتح لنا سبيلاً إلى الإطلال على العقل الوليد للغة المبكرة، ذلك الذی جعل كلامهم عن الشمس مثلاً يكون بحالة الوجود الخاصة (التی سمَّاها العلماء—غلطاً وقصوراً منهم فی رأيی—المؤنث) وعن القمر بحالة الوجود العامة (التی سمُّوها المذكر)
اللغة آنذاك لم تكن تبتذل تصوراً ثابتاً للأشياء،
اللغة آنذاك لم تكن تبتذل تصوراً ثابتاً للأشياء،
بل تُطوِّر حدساً بالمعنى يجاوب السياق ويتغير معه.
هكذا قد ’نحدس‘ الفرق بين المرضعة والمرضع، والحاملة والحامل؛
ولماذا تلحق الهاء بأسماء كلها رجولة وفتوة كأسامة وحمزة وقسورة، ولماذا تلحق بمصادر؛
ولماذا قد نجمع الجمع جمعاً أكبر (يُصنَّف مؤنثاً تجاوزاً) فنقول بيوتات ورجالات وسادات،
هكذا قد ’نحدس‘ الفرق بين المرضعة والمرضع، والحاملة والحامل؛
ولماذا تلحق الهاء بأسماء كلها رجولة وفتوة كأسامة وحمزة وقسورة، ولماذا تلحق بمصادر؛
ولماذا قد نجمع الجمع جمعاً أكبر (يُصنَّف مؤنثاً تجاوزاً) فنقول بيوتات ورجالات وسادات،
ولماذا قد نقول أحياناً: قال النساء؛
وأن المذكر والمؤنث، وتغليب أحدهما على الآخر، ليس مذكراً ولا مؤنثاً ولا حتى تغليباً، بل عودة إلى حالة وجودية أولى، أو أصل كائن فی كلا الجنسين أو يشتركان فيه، أو سابقاً على تمايزهما الجنسی، أو جامعاً لجنسهما وجنس كل الكائنات، والجمادات أحياناً.
وأن المذكر والمؤنث، وتغليب أحدهما على الآخر، ليس مذكراً ولا مؤنثاً ولا حتى تغليباً، بل عودة إلى حالة وجودية أولى، أو أصل كائن فی كلا الجنسين أو يشتركان فيه، أو سابقاً على تمايزهما الجنسی، أو جامعاً لجنسهما وجنس كل الكائنات، والجمادات أحياناً.
هذه فرضية، كما بدأت كلامی بتوضيح ذلك. بحثها يتطلب تعمقاً وتبحراً، لا فی اللغة العربية وأصولها وتراثها وحدها، ولكن كذلك ينبغی له أن يمتد إلى شجرتها اللغوية وجذور تركيباتها، وصداها فی اللغات الأخرى من بنات عمومتها. وقد يمتد أبعد؛ إلى اللغة الأصل التی وُلِد منها كل اللغات والتصورات.
جاري تحميل الاقتراحات...