2. استيقظ مرة عند الأذان الأول لصلاة الفجر، فلما توضّأ ولبس نعله، لدغته عقرب وآذتْه أذية شديدة، فتحامَل على نفسه، وذهب للمسجد النبوي، وانتظر حتى أقيمت الصلاة، فصلّى بالناس وعندما انتهى من الصلاة سقط من شدة الإعياء، فأخذه الناس للطبيب، فلما سئل عن ذلك، أخبرهم الأمر
3. وقال: خشيت أن أذهب إلى الطبيب قبل الصلاة فتفوتني الصلاة، وخشيت إذا عجّلتُ الإقامة عن وقتها أن تفوت الجماعة على مَن يأتي بعيداً...
4. تعود أصول الشيخ إلى مدينة عنيزة بالقصيم، فقد ولد بها عام 1297هـ 1880م، ونشأ بها وطلب العلم على أيدي علمائها آنذاك، كالشيخ صالح القاضي، وابن سعدي وعلي الناصر رحمهم الله وغيرهم، ورحل للمدينة المنورة عام 1334هـ 1916م لطلب العلم، فقرأ على الشيخ محمد الشنقيطي وغيره من العلماء،
5. فدرس الفقه والحديث والعقيدة والتفسير والعلوم العربية.. وقد فتح دكّاناً لبيع الأقمشة ليسترزق منه ... كان رحمه الله مُلْهماً قوي الحفظ سريع الفهم، آية في الورع والزهد والتقى والاستقامة، وكان محبوباً عند أهل المدينة كلها كبيرهم وصغيرهم..
6. عند قامت الحرب الكبرى على الدولة العثمانية، وشارك فيها العرب بقيادة الشريف حسين، أخرج القائد العثماني فخري باشا أهالي نجد من المدينة المنورة، فعاد حينها الشيخ صالح إلى بلدته عنيزة مع جملة من الناس الذين خرجوا معه، وبعد إجلائه لازم الشيخ صالح القاضي وتعلم أصول الدين وفروعه.
7. وحينما وحّد الملك عبد العزيز رحمه الله المملكة عاد الشيخ إلى المدينة، وعينه الملك إماماً للمسجد النبوي، وكان يدرّس الناس ويخطب بهم، ويرشدهم ويعظهم، كما تولّى رئاسة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..
8. كان رحمه الله ملازماً للمدينة ولا يخرج منها إلا للحج، وعرف عنه البعد عن الشهرة، وحبّه للمساكين وحنوّه على الفقراء.. وكان ذا صوت رخيم عذب إذا صلّى بالناس مَلَك قلوبهم وأسماعهم..
9. يذكر أنه دخل في الصلاة مرة، فاحتاج للوضوء فأشار للناس أن ابقوا مكانكم، ثم ذهب فتطهّر وعاد للصلاة ولم يستخلف... ومثله فعل الشيخ علي الحذيفي حفظه الله قبل سنوات في حادثة مشهورة ..
10. قال عنه الشيخ عبد الله البسام رحمه الله: كان حافظاً لكتاب الله تعالى مجوّداً له، حسن القراءة جميل الصوت، وقد كنتُ في مدة إقامتي في المدينة المنورة عام 1364هـ أصلّي خلفه، واستمتع بحسن قراءته وحلاوة أدائه ، وأحضر درسه بعد المغرب في المسجد النبوي الشريف.
11. وأضاف: وسُمِع رحمه الله مرة في صلاة الليل يقرأ في أول الليل سورة البقرة، ثم عاد هذا المستمع في آخر الليل إلى المسجد فوجده يقرأ في سورة النحل، وأُخْبِرتُ أيضاً أنه في مدة إمامته في المسجد النبوي التي تجاوزت عشرين سنة لم يتخلّف أبدا وكان لا يُنيب أحداً .
12. وقال عنه الشيخ محمد بن محمد المختار حفظه الله: ولم يفته رحمه الله فرض، وكان يصلّي فيلزم المسجد حتى يصلي العشاء ما يخرج إلا لغدائه أو أمر لازم، ومعروف عنه ذلك حتى ضُرِب به المثل، ومما يُذكر عنه أنه لم يَسْهُ في صلاته مدة أدائه للإمامة في المسجد النبوي مع أنها تقارب ربع قرن.
13. كان الشيخ رحمه الله يصلّي بالمسجد النبوي الفروض كلها منفرداً، وكان من العباد المنقطعين للعبادة وكثير التلاوة والذّكر...وكان يدرس في المسجد النبوي وفي منزله الحديثَ والفرائض والنحو والفقه وغير ذلك، وله ميزة وتخصص في الفرائض والمناسك وكان واسع الاطلاع في الفقه رحمه الله..
14. مرض في آخر حياته، وكان ينيب عنه الشيخ عبد العزيز بن صالح رحمه الله في الإمامة حيث اشتدّ عليه المرض، إلى أن وافته المنيّة في شهر رجب من عام 1372هـ عن عمر يناهز 73 سنة، ودفن في البقيع، وخرج الناس في جنازته وبكتْه العيون، وحضر للصلاة عليه جمعٌ غفيرٌ، رحمه الله رحمة واسعة.
جاري تحميل الاقتراحات...