ياسر الجعيدي
ياسر الجعيدي

@yaseraljaaidi

25 تغريدة 29 قراءة Nov 27, 2022
هل #تحليل_السلوك_التطبيقي أو مايعرف اختصارا ب #ABA هو تدخل علاجي "مؤذي"؟ يتضمن "إساءة معاملة"؟
سلسلة تغريدات تتضمن آراء شخصية.
هناك موجة انتقادات تصل إلى هجوم وتجريم لمنهجية تحليل السلوك التطبيقي وممارسيها في الولايات المتحدة. هذه الموجة ليست بالجديدة، ولكنها تكتسب زخما مع الوقت
بعض البالغين المصابين بالتوحد هم من ضمن الأشخاص الذين يقودون هذه الموجة.
وهذا يمنح هذه الموجة مصداقية حقيقية ويفرض على المختصين سماعها ومراعاة ماتتضمنه. يمكن لهذه السلسلة أن تكتب بشكل تفصيلي موسع، ولكن مراعاة للسياق، سأبذل جهدي في الاختصار.
أولا- خلفية تاريخية:
لايعرف الكثير أن تحليل السلوك التطبيقي اسم حديث نسبيا لتطبيقات منهجية أقدم. بمعنى آخر، سكنر مؤسس هذا الاتجاه أو المقاربة في دراسة السلوك الإنساني لم يكن يسمي مايقوم به (ABA).
بدون الدخول في تفاصيل تقنية: سكنر كان يستخدم تسمية تحليل السلوك (Behavior Analysis) وهي التسمية المرتبطة بالمنهجية الجديدة ككل. ويضم تحته: السلوكية الراديكالية، تحليل السلوك التجريبي، وتحليل السلوك التطبيقي.
أحد الملامح المهمة لتطور ممارسات تحليل السلوك التطبيقي يرتبط بالنرويجي إيڤار لوڤاس، في دراسته الشهيرة التي قام فيها بتنفيذ برنامج علاجي للأطفال المصابين بالتوحد مبني على تحليل السلوك التطبيقي و تمكن بنهايتها من تحقيق ما أسماه "تعافي" (Recovery) لدى ٥٠٪ من الأطفال.
يمكن القول أن لوڤاس لعب الدور الأبرزفي اشتقاق ممارسات علاجية من مجال تحليل السلوك التطبيقي وتنفيذها بشكل مخصص للأفراد المصابين باضطراب طيف التوحد. وبغض النظر عن رأينا "حاليا" في منهجية لوڤاس، إلا أن الآثار الإيجابية والسلبية، الصحيحة والخاطئة التي نتجت عن عمله يمكن وصفها بالهائلة
الآثار الإيجابية للوڤاس: نجح لوڤاس في اشتقاق منهجيات وممارسات شديدة الفعالية وممنهجة وقابلة للتكرار، وهذا برأيي أعظم إسهامات لوڤاس للمجال. أعاد لوڤاس الأمل للكثير بإمكانية تحسن الأفراد المصابين بالتوحد وبدرجات كبيرة. دفعت أبحاث لوڤاس الكثير من الوكالات الحكومية الأمريكية
إلى تغيير منهجيات وسياسات التعليم والرعاية الاجتماعية لتأخذ بعين الاعتبار فرص النمو والتطور للأفراد المصابين بالتوحد. وبالتالي منح فرص أكبر لهم داخل النظام التعليمي الحكومي، وتمويل تكاليف التعليم كجزء من مسؤولية الدولة. الأمر الذي خفف من الأعباء المالية على الأسر.
الآثار السلبية للوڤاس:
الكثير ينتقد لوڤاس على عمله باتجاه "تطبيع" الأطفال، أي جعلهم "طبيعيين" مثل أقرانهم (Normalization).
مثال؟
السلوكيات النمطية، أحد ملامح تشخيص التوحد الأساسية، ولسنوات طويلة كانت توصف بأنها سلوكيات "غير وظيفية" أو (Non functional behaviors)
عمل لوڤاس باجتهاد لإزالة أو خفض هذه السلوكيات على اعتبار أنها ليست طبيعية ويجب علاجها حتى لو لم تعيق بشكل مباشر عملية التعلم أو التواصل.
الدراسات مؤخرا وجدت أن الكثير من السلوكيات النمطية وظيفية ومهمة جدا للأشخاص المصابين بالتوحد. وتمثل طريقة فعالة لخفض التوتر والقلق لديهم.
نقطة أخيرة حول لوڤاس:
برأيي أن هناك أخطاء كبيرة ارتكبها لوڤاس، هذا الرأي ناتج عن رفاهية تاريخية، بمعنى أنني أعيش بعد مرور حوالي ٥٠ سنة على أبحاث لوڤاس، رأيت نتائجها وسلبياتها وتعلمت من تطور الأبحاث عبر العقود الماضية، وهذه الرفاهية تمنح شخصا مثلي أن يقول: (لوڤاس أخطأ)
تجب الإشارة هنا (باختصار وبدون خوض في تفاصيل) إلى أن جزء لا بأس به من الهجوم على تحليل السلوك التطبيقي ولوڤاس يأتي من قبل بعض المدافعين عن الشذوذ الجنسي لأسباب يطول شرحها.
ثانيا- ماهو الوضع الحالي لتحليل السلوك التطبيقي؟
يمكن القول وبثقة عالية جدا أن ممارسات تحليل السلوك التطبيقي تطورت بشكل هائل خلال العقود الماضية، أصبح الطفل هو محور العملية العلاجية، والإجراءات والممارسات العلاجية تكتسب أهميتها من قدرتها على مساعدة الطفل بشكل حقيقي.
يفخر ممارسو تحليل السلوك التطبيقي بالفعالية الشديدة لمنهجيات وتقنياتهم العلاجية، في العقود الأخيرة تراجعت قدسية الإجراءات لصالح قدسية الطفل أو الفرد الذي تخدمه هذه الإجراءات. لم يعد تحليل السلوك التطبيقي مجرد ساعات طويلة من التعليم بالمحاولات المنفصلة.
أصبح التعليم في البيئة الطبيعية والتعليم العرضي والتعليم أثناء اللعب ممارسات عالية الجودة، وتعكس كفاءة الممارس. لم يعد من المقبول تعريض الطفل لإجراءات تتسبب له بالألم ولو كانت فعالة. صار التركيز على مالذي يحتاجه الطفل في حياته اليومية وليس ماتقوله أدوات التقييم.
أصبح الممارسون لتحليل السلوك التطبيقي يبذلون جهدا مضاعفا لضمان سعادة ورضا الأطفال - بأقصى قدر ممكن - أثناء العمل الحثيث لتحقيق "الأهداف العلاجية".
إذا كان بإمكانك أن تعلم الطفل بالاستعانة بالمساعدة (prompt)، فليس من المقبول أن تعرضه لإحباط المحاولة والفشل.
مثال توضيحي:
الهدف: أن يطلب الطفل باستخدام كلمة (موية).
طريقة أولى لفعل ذلك: تضع كأس الماء أمام الطفل، وتردد (موية)، ولاتعطيه الماء حتى ينطق كلمة (موية)
طريقة ثانية: تمسك بكأس الماء أمام الطفل وتقول (موية) ثم تعطيه الكأس فورا ليشرب منه. وتكرر ذلك لحين يصبح الطفل قادرا على الطلب
كلا الطريقتين يمكن إسنادها لمبادئ تحليل السلوك التطبيقي، لكن الثانية تمثل تطور تحليل السلوك التطبيقي باتجاه تعظيم قدر الطفل ورعايته وتعليمه بأقل قدر ممكن من الإحباط
للمختصين: الإجراء المستخدم في الطريقة الثانية يسمى:
Echo - To - Mand stimulus control transfer procedure
وهو إجراء شديد الفعالية، ويصون كرامة الطفل، ويحمي علاقتك بالطفل من أي توتر أو إحباط.
وعليه، يقع الدور الأكبر على الوالدين (لسوء حظهم) في التأكد من أن المنهجية المستخدمة مع الطفل فعالة جدا، وفي نفس الوقت تراعي كرامة الطفل وترحم ضعفه. لايمكن أن تكون الجلسات العلاجية خالية من لحظات بكاء أو إحباط، لكن من غير المقبول أن تكون لحظات البكاء والإحباط هي السمة الغالبة
وليس من المقبول ألا يكون لدى الممارس خطة أو تصور واضح لتقليل لحظات البكاء والإحباط التي يواجهها مع الطفل.
ينطبق هذا الكلام على الوضع لدينا. هناك ممارسين لتحليل السلوك التطبيقي يعملون بأعلى مستويات الفعالية ومراعاة الطفل. وأعتقد أن هذا الاتجاه يتزايد لدينا بفضل الله
بالمقابل هناك ممارسين تعلموا إجراءات تحليل السلوك التطبيقي وأتقنوها، لكنهم أخفقوا في وضع الطفل وكرامته وطفولته على رأس الأولويات.
وإليكم مثال مررت به في منصة عالمية للمختصين:
طفل مصاب بالتوحد عمره ٥ سنوات، المحلل السلوكي المسؤول عنه صمم برنامج تدريب استخدام الحمام وبدأ بتطبيقه.
الطفل تحسن كثيرا وأصبح قادرا في الغالب على قضاء حاجته دون أي حوادث. ولكن بعد فترة بدأت الحوادث (الطفل يقضي حاجته في ملابسه) تتكرر، فقرر المحلل أن يستخدم إجراء عقابي ألا وهو ترك الطفل في ملابسه المتسخة لمدة نص ساعة، ثم بعد ذلك يسمح بتنظيفه رغم بكاء الطفل وتضايقه.
يمكن تبرير طريقة المحلل على اعتبار أن هذا إجراء عقابي يؤدي إلى خفض سلوك قضاء الحاجة في الملابس. والعقاب هو إجراء علمي وحياتي واقعي.
لكن السؤال: هل هذه أفضل طريقة لفعل ذلك؟
هل هي أفضل طريقة من حيث الفعالية؟
هل هي أفضل طريقة من حيث حماية الطفل وصون كرامته وضمان رضاه؟
الجواب بكل تأكيد: لا.
ولذلك، وبعيدا عن المعايير التخصصية: تأكد من أن طفلك يشعر بالسعادة -غالبا- خلال الجلسات العلاجية،أو أن هناك خطة للوصول لجلسات تملؤها السعادة والتعلم.
تهدف هذه السلسلة لتوضيح الهجوم الذي يتعرض له تحليل السلوك التطبيقي وفهمه.
ربما نناقش بعض النقاط الواردة لاحقا

جاري تحميل الاقتراحات...