عبدالملك العمر
عبدالملك العمر

@TeaNippon

28 تغريدة 70 قراءة Dec 31, 2021
1
سلسلة تغريدات "هيكلة التنظيمات السرية وطرق تجنيدها"
لن أتحدث تاريخياً عن التنظيمات السرية، أو أقوم بلمحة تاريخية. سيكون التركيز على التشابه الكبير بين التنظيمات السرية من حيث الهيكلة البنائية، وطرق الاستقطاب. من أجل فهم أعمق سأتخذ من الحشاشين مثالاً لهذا الموضوع.
2
الماسونية، المتنورون، الخناقون، فرسان المعبد، ، جمجمة وعظام، الخ من التنظيمات بعيدة عنا حضارياً وثقافياً. بينما الحشاشون هم امتداد لذات طبيعتنا الثقافية والتاريخية. وهم عموماً لا يختلفون عن أي تنظيم آخر ظاهرياً من حيث البناء و الاستقطاب.
3
القضية موضوعية، والتشابه لا يعني التطابق. وإنما يدل على التأثر بمن سبقوا. لا يوجد مؤسس لأي تنظيم سري لم يقرأ عن المنظمات السرية واستفاد من تجاربها. التأثر التنظيمي بالعقائد القديمة مهما تكن، لا يمكن الحكم عليها بأثر رجعي. فكل تنظيم هو ابن بيئته و زمنه.
4
النازية مثلاً كانت مرحباً بها ستالينياً، و أوروبيًا بين المثقفين والصحفيين، وخصوصاً في بريطانيا في الثلاثينيات، وبعد الحرب تم تجريمها حتى يومنا. بعض التنظيمات تتبنى هيكلاً وجدولاً وعملاً سرياً مقتبساً بالكامل من منظمات أخرى تتضاد معها في العقيدة والهدف.
5
الغاية هو تضمين و ملئ الهيكل التنظيمي وأسس عمله السري بمحتوى عقدي/ سياسي/ اجتماعي اختراقي/ أمني/ اقتصادي مختلف تماماً، والعمل على أساسه. فمثلاً، بعض التنظيمات تتغيَّا العمل السلمي وتدعي أن أسسها تعتمد على الأخلاق وحماية الحقوق.
6
ولكن لأنها اقتبست عملها من تنظيم يستخدم العنف، فإن هذا التنظيم السري مهما ادعى المثالية فسيستخدم العنف. وسيصل لحد الاغتيال الجسدي والمعنوي لمخالفيه.
7
الماسونية تأثرث جداً بتنظيم الحشاشين الذي أسسه الحسن بن الصباح. رغم الاختلاف العقدي و الغائي الواضح، إلا أن الطبيعة التنظيمية تكاد تكون متطابقة في كافة جوانبها. هنا تتساءل كمهتم: ما الذي يجمع ماسون أوروبا ذوي الأصول المسيحية بالنزارية الإسماعيلية ذوي الأصول الإسلامية؟
8
لهذا السبب يحدث الخلط بين كثير من التنظيمات ويظنها القارئ أنها امتداد لبعضها، وتصبح نظرية مؤامرة أن الجميع رغم الاختلاف الجوهري بينهم (تاريخي/ اجتماعي/ ديني/ حضاري) إلا أنهم ينضوون تحت منظمة سرية واحدة ذات طابع عالمي شمولي، ومحكومة بشخصية ظِلِّية غامضة الخ.
9
فرسان الهيكل تأثروا بالحشاشين، والماسونية تأثرت بفرسان الهيكل (الاسبتارية بالذات)، الجماعة الإسلامية في الهند اقتبست صراحةً الهيكل التنظيمي الشيوعي لأنه شمولي وهي تعترف بذلك. ولكن لا يمكن إثبات الارتباط بين هذه التنظيمات، إذ لا يوجد.ولكن التشابه يشبه حد التطابق أحياناً.
10
تتبنى جميع التنظيمات شعارات ظاهرية، وعقيدة باطنية. من تاريخنا أستحضر أبرز ثلاث أمثلة:
-مسجد الضرار كحادثة تاريخية وثقت قرآنياً، وهو أبرز مثال على تنظيم سري في تاريخنا، كان يعادي الدولة المدنية الناشئة، بأنه يُظهر الدين وباطنه هدف الاغتيال وزعزعة الدولة.
11
-علي بن عبدالله بن عباس صاحب الدعوة السرية لتأسيس الدولة العباسية وشعارها (الرضا من آل محمد) وأول ضحاياهم كانوا من الشيعة.
-الحشاشون. وهم المثال الحاضر في هذه السلسلة.
12
حيث طريقة هيكلهم القيادي، وأساليب الاستقطاب والتجنيد لديهم تكاد متطابقة تاريخياً مع جميع التنظيمات السرية، حتى يومنا هذا. أسسها الحسن بن علي بن محمد بن جعفر الصباح عام 1086م / 480هـ. بقلعة آلاموت بإيران.
كانت الهيكلة التنظيمية لجماعة الحشاشين تنقسم لسبع طبقات:
13
(1) رئيس الطريقة. و دائماً يبقى حتى يموت، مهما بشروا في فكرهم عن المساواة والأخوة والندّية. الحسن بن الصباح أسس تنظيمه وحكمه حتى مات.
(2) كبار الدعاة، وهم قلة. و صلتهم مباشرة بزعيم التنظيم. و مهمتهم الرئيسية إدارة دعاة التنظيم. والحشاشين والقرامطة هم أول من سك مصطلح الدعاة.
14
(3) الدعاة. درسوا فنون الدعوة، وهم الذين ينتشرون للتبشير بمنهج التنظيم. وهم وصلوا لدرجة من الثقة بأن يأخذوا العهد على المنتمين الجدد، وتعليمهم أصول المذهب.
(4) الرفقاء. تعلموا أصول الدعوة ولكن لم يسمح لهم بالتبليغ. وهم ملاصقون للدعاة.
15
(5) الفدائيون. وهم أشهرهم، وهم من يقوم بالاغتيال وتصفية الخصوم. ولاؤهم مطلق، وطاعتهم عمياء حرفياً.
(6) اللاصقون. المبتدؤون ومحبي الطريقة، ويأخذوا العهد على الناس للانضمام للطريقة لكن بدون شرح أو تعليم. هدفهم تكثير أتباع الطريقة. وهم عامةً من طبقة الجهلة.
16
(7) المستجيبون. العامة الذين اقتنعوا بطريقة التنظيم والجماعة. لا ينخرطون في طريقة التنظيم أو التبشير بعقائده، لكنهم مقتنعون بها ومتعايشون.
17
هناك برنامج كامل للاستقطاب يمر بهذه المراحل:
(1) التفرّس. وهو النظر فيمن يُرغب بتجنيده، هل هو صالح أو لا. ولا يتم أبداً تجنيد الفطِن والذكي كثير النقاش والسؤال، ولا الغبي بطيء الفهم سيء الاستيعاب. بل يتم تجنيد المتوسط بينهم، بحيث يجمع بين الفهم الكافي والاستجابة الدقيقة.
18
(2) التأنيس. وهو ببساطة تعظيم المُستهدف بالتجنيد، ونفخه و نفخ إمكانياته وإشعاره بأنه عبقري فعلاً، ومدح مبالغ لكل ما يقول أو يفعل. التأنيس يكسر الحاجز النفسي للقبول، فيشعر المُستهدف بالانتماء للوسط الجديد، مع ارتياح نفسي كامل أن هناك من يفهمه ويستوعبه ويقدر إمكاناته.
19
(3) التشكيك. في المرحلة هذه يتبنى التنظيم "ظاهرياً" عقائدك وانتماءاتك كافة، ويناقشك فيها وكأنه لا يفهمها ويريدك أن تشرحها له، لكن الخطة تكمن في النهاية حين تُواجه و تُقذف عليك أسئلة، ظاهرها النقاش والاستفسار+
20
+ وحقيقتها تشكك في كل ما تؤمن به. التنظيم تبناك وهو أفهم منك وأعلم، إذ يستحيل تجنيد واستقطاب كفاءات عقلية فذة يصعب تشكيكها. وحين تشك وتحتار في الجواب يكون التنظيم أوصلك للمرحلة التالية.
21
(4) التعليق. في هذه المرحلة أنت لم تنل جوابًا على الشبهات، لكنك فقدت إيمانك السابق بما كنت تقتنع به. اليقين في هذه المرحلة ينضرب في صميمه لدى المُستهدف.
22
(5) التدليس. يبدأ بث بعض عقائد التنظيم، وتعزيز مفهوم الطاعة والتبجيل لزعيم التنظيم/الطريقة/الحزب الخ. المُستهدف بعد تعليقه وامتلائه بالشكوك يحتاج لملئ الفراغ. وهذا الفراغ المعرفي يجهزه للمرحلة التي بعدها.
23
(6) الانكشاف التام. يُصارح المستهدف الذي أصبح الآن عضواً بماهية التنظيم، وأهدافه، وتاريخه.
(7) الخلع. وهو خلع العضو الجديد من كل شيء كان يؤمن به (دينياً/ سياسياً/ اجتماعياً) ويتبنى الآن دين التنظيم وسياسته ومفهومه الاجتماعي.
24
جميع التنظيمات السرية بلا استثناء تنقسم على نفسها، ويصبح ذات التنظيم منقسم لعدة تنظيمات يصل بعضها للمئات. وهذه سمة عامة لأي عمل سري. الانقلاب على نفسه. حيث يتشتت الهدف المعنوي وتحضر الأهداف الشخصية والتصفيات الجسدية. و وقودها أعضاء الجماعة.
25
كون مؤسس التنظيم على قدر من العلم والصدق والإخلاص والتزهد، هذا لا يعني بأن فكره صائب، أو يُعذر أن يصنع تنظيماً سرياً. أيضاً، اختراق المنظمات السرية لبعضها البعض بهدف حرْفها أو إفسادها وتشتيتها، ولهدف استقطاب كفاءات معينة وتجنيدهم، هذا ثابت ومشاهد. لكن هذا موضوع مختلف تماماً.
26
جميع التنظيمات بلا استثناء هي تنظيمات ذات عقائد باطنية، مهما كانت شعاراتهم سواءً الظاهرة أو السرية والخاصة. وتاريخياً يغلب على جميع التنظيمات السرية كلما طالت زمنياً أنها تعزز التجديف والميل للإلحاد. وأفضل أحوالهم أن يكونوا ربوبيون.
27
لمزيد من الاطلاع والاستزادة:
-فون هايمر (تاريخ الحشاشين)
-مقدمة سهيل زكّار لترجمته لكتاب: (الحشيشيّة: الاغتيال الطقوسي عند الإسماعيلية النزارية)
28
"..التاريخ هو قصة الحرب بين المنظمات السرية.." – إسماعيل ريد
ا.هـ

جاري تحميل الاقتراحات...