د.ملاك الجهني Malak Aljuhan
د.ملاك الجهني Malak Aljuhan

@Malakii11j

11 تغريدة 43 قراءة Dec 17, 2021
في "أطياف ماركس" تحدث دريدا (المسيحانية) باعتبارها الوصول الذي لا يمكن له أن يحدث في أي مستقبل كان.. فهي الشيء الذي لن يمثل حضورا كاملا ولن ينتهي أبدًا أو يُفرغ منه.. ومن هذه الفكرة انطلقت الأديبة الجزائرية-الفرنسية هيلين سيكسو في حديثها عن (جزائريتها) والوصول الذي لن يحدث أبدا..
ومنها تتشكل أجنبية الذات (المنزلة بين المنزلتين) التي تعبر عنها سيكسو بقولها:
البشر مهيؤون للحياة اليومية بطقوسها وكمالياتها وعندما يقع حادث يطردنا من ذواتنا فإننا لا نعود ندري كيف نحيا ولكن يجب علينا أن نحيا، وهكذا يجري إطلاقنا إلى فضاء زمني تختلف نظائره عن كل ما اعتدنا عليه ..
ولأنه لايمكن لحرمان سابق أن يكون نموذجا في كل الأوقات على السواء فإن أوضاعه تكون جديدة بصورة مريعة وهذه من أهم التجارب في تاريخ البشر إذ تقذف بهم إلى الغرابة
وكون المرء يحيا في (المنفى) الذي تصفه بالمنزلة بين المنزلتين ينطوي على سخرية لاذعة من الاكتفاء الذاتي حيث العدو هو الذات..
اللافت أن كتابات كُتّاب المنافي عن (المنفى الدائم) فكرة متكررة في كتاباتهم حيث لا وصول
ولا استقرار .. لكن هذه الفكرة نفسها وصفت بكونها فكرة مهاجرة ومنفية بطريقتها الخاصة،
إذ تشكلت بطرق مختلفة كما المهاجرين أنفسهم ..
وتتشابه عبارة سيكسو " إنني أريد مفهوم الوصول والحركة وعدم الانتهاء في حياتي..
وأنا أكتب أيضا من منطلق المغادرة"
مع عبارة لإدوارد سعيد تجسد نفس الفكرة والشعور ..
فيذكر أن اختفاء المغادر وكونه مفقودا وربما مفتقدا إضافة إلى ذلك الإحساس القوي والتكراري والمتوقع بالنفي الذي ينتزعك من كل ماهو أليف ومريح مايستثير إليك الحاجة إلى المغادرة بسبب منطق مسبق لكنه من صنعك أنت.وأعظم مايخيف في المغادرة أنها حالة من الهجران على الرغم من أن الهاجر هو أنت.
في تصوير دقيق وصف عبدالفتاح كليطو إدوارد سعيد بالمثقف الحَمَّال استنادا إلى الصورة التي أودعها سعيد في مذكراته حول عادته في اصطحاب أكبر قدر ممكن من الأمتعة عند تنقله-وإن إلى وسط المدينة-وتحليل سعيد لها بالخوف الدائم من عدم العودة..
ليغدو المنفى حالة تلقي بظلالها على حياة بكاملها!
كريستيفا كذلك تناولت فكرة المنفى وتفادي الغرق في مستنقع الفهم الشائع حيث يطغى شعور المرء بالغربة على لذة المنفى ولكنها لم تدرك هي نفسها كيف ألقت انتماءاتها القومية ظلالها على حالة المنفى في كتاباتها وظهرت في تماهياتها المتقلّبة مع صور الأمم الأخرى كما في كتاباتها عن الصين مثلا..
ويبقى أن المنفيّ لا يمكنه التخلص كليًا من الزمن القومي أو الزمن المحلّي ما يجعله في حالة من الارتباك الدائم وهو زمن وصفه غوته بالزمن الممتلىء بتفاصيل الحياة اليومية الخاصة بشعب معين والتي تعمّق محليّته بحيث لو فرض على أهله توقيتا آخر لأوقعهم في الحيرة والارتباك ..
وما يحياه المنفيون هو شكل من أشكال الزمن المزدوج أو المنشطر .. زمن عصي على التماسك كما هو عصي على الامتلاء بالتفاصيل ذاتها ..
تتعالق أشكال التعقيد والكثافة في تجربة المنفى مع تجارب إنسانية أخرى لكنها تظل تجارب فريدة في فرديتها التي تجر معها تاريخ الجماعة حيث لاتتلاقي ولا تنفصل تمامًا .. حالة من عدم الحسم والانتظار الدائم لما لا يأتي ..
إنها المنزلة بين المنزلتين كما تصفها سيكسو ..

جاري تحميل الاقتراحات...