محمد سعد آل جابر
محمد سعد آل جابر

@mohammadsaadj

21 تغريدة 1,249 قراءة Dec 06, 2021
من عاش فترة التسعينيات الى بداية الالفية في السعودية، يذكر كيف كانت الأسعار ثابتة لفترة طويلة، لدرجة ان الناس تحفظ أسعار عشرات من المنتجات عن ظهر قلب ويتوقعون نفس الأسعار في كل محل
فجأة من عام 2005 بدأت موجة ارتفاع أسعار بوتيرة متسارعة ،ماذا حصل؟
سلسلة تاريخ اقتصادي⏬
شرح التضخم في سلسلة واحدة مهمة مستحيلة، لذلك سوف نأخذ فقط تعريف مبسط هنا، للإجابة عن سؤال لماذا كانت الأسعار ثابتة "نسبيا" لفترة طويلة في السعودية
كذلك لن يكون الحديث هنا عن التضخم الحاصل في الوقت الحالي سواء محليا او عالميا (موضوع منفصل)
لنبدأ
نقصد بالتضخم الارتفاع المستمر في المستوى العام للأسعار في الاقتصاد. يعرف كذلك بانه انخفاض القوة الشرائية للعملة، ويحدث بسببين:
1/ ارتفاع التكاليف (Cost Push inflation) أي ان ارتفاع تكلفة المدخلات من مواد او أجور عمالة وغيرها ارتفعت ومن ثم تسبب تضخم الأسعار
السبب الثاني للتضخم:
2/ ارتفاع الطلب (Demand Pull Inflation) يحدث حين يزداد الطلب بوتيرة أسرع من زيادة المعروض "مواكبة الإنتاج للطلب الجديد"
يحدث حين دخول قوة شرائية فجأة، مثل سياحة مفاجأة او زيادة معروض نقدي او ارتفاع الانفاق الحكومي
وبسبب أن الاقتصاد آلة معقدة، حتى في الاقتصاديات المتقدمة والمستقرة يحدث تضخم، يوجد مدى مقبول وهو بين (1% الى 3%)، وإذا كانت نسبة النمو الاقتصادي نفس معدل التضخم او يزيد عنه فلا يعتبر مشكلة
يكون التضخم مشكلة في حال الارتفاع بدون نمو اقتصادي، وهنا القوة الشرائية تنخفض
لشرح تاريخ التضخم في السعودية، سأتحدث عن ثلاثة مراحل:
الحقبة الاولى: تضخم الطفرة (1971 - 1981)
الحقبة الثانية: استقرار وثبات الاسعار (1982 - 2004)
الحقبة الثالثة: عودة التضخم (2005 -2013)
الحقبة الأولى: تضخم الطفرة
مع تضاعف دخل الدولة في بداية السبعينات من إيرادات النفط، توسع الانفاق الحكومي، خاصة الرأسمالي (يعني مشاريع البنية التحتية من بناء جامعات ومدراس ومباني وموانئ وغيرها) حيث أن نصف الميزانيات من 71 الى 1982 ذهبت الى الانفاق الرأسمالي
كذلك، تم فتح باب التوظيف الحكومي بشكل كبير وبرواتب عالية وضخ أموال في الضمان والمكافآت وغيرها، وهذا خلق قوة استهلاكية لم توجد من قبل.
سبب ذلك تضخم كبير، متوسط التضخم في الفترة كان بحدود 11%، بحكم أن الدولة ناشئة وقاعدة الإنتاج بسيطة، لم يتمكن الاقتصاد من استيعاب الانفاق العالي
مع بداية الثمانينات بدأ السوق في التوازن، تأسست شركات كثيرة للاستيراد، وكثرت المحلات التجارية وكذلك تضاعفت التسهيلات الممنوحة من البنوك للتجارة والاستيراد من 500 مليون في 1971 الى 19 مليار في 1983.
ساهم ذلك في استقرار الأسعار، ولكن العام 82 كان بداية انخفاض لأسعار النفط
الحقبة الثانية:
بسبب الانخفاض في أسعار النفط، بدأت الميزانية العامة "المحرك الأساسي للاقتصاد" في الانكماش، ومع استمرار انخفاض الإيرادات، كان لدى الدولة قرار، اما تخفيض الرواتب والدعم وخصخصة الخدمات "الانفاق التشغيلي" او عدم الصرف في مشاريع البنية التحتية "الانفاق الرأسمالي"
الانفاق التشغيلي من الصعب تخفيضه بشكل كبير، باستثناء تثبيت الرواتب وتقليص التوظيف وتخفيض ميزانيات الصيانة
ولكن كان من الاسهل تخفيض الانفاق الرأسمالي فورا، عبر إيقاف أي مشاريع جديدة وهذا ما حدث، وحتى المشاريع التي تم البدء بها، تم جدولة ميزانيتها على فترة زمنية أطول
نلاحظ أن الميزانية انخفضت ثم استقرت وبدأ الانفاق الرأسمالي يتلاشى، فحين كان يستحوذ على نصف الميزانية فترة الطفرة، حصته من 85 الى 2004 كانت فقط 15%
وذلك واضح فمثلا عدد الجامعات لم يتغير من الثمانينات حين كان عدد طلبة المرحلة الثانوية 100 ألف طالب، الى 2004 حين وصل العدد 900 ألف
استمر الصرف بشكل مقنن حتى مع ارتفاع الدين العام ولكن مع ثبات عدد الموظفين الحكوميين وبدون زيادة للرواتب وعدم وجود توظيف يذكر في القطاع الخاص بسبب اعتماده على الانفاق الحكومي،
أصبح الطلب ضعيف وأصبحت المنافسة على تقديم أرخص الأسعار من قبل المحلات التجارية لتقاسم الكعكة المحدودة
ما ذكرته يشرح عدم النمو في الطلب،
لكن بحكم أننا نستورد أغلب ما نستهلك، لماذا لم نتأثر بالتضخم المستورد (من الدول المصدرة)؟
هناك عدة اسباب أهمها:
1/ لا يعني انخفاض معدل التضخم حتى لو وصل الى الصفر ان جميع الأسعار لم تتحرك، يوجد سلع وخدمات تنخفض وأخرى ترتفع بنسب متفاوتة
2/ فترة التسعينات صادفت فترة انخفاض في التضخم في أمريكا، وارتفاع لسعر صرف الدولار امام بعض العملات
3/ بحكم ان السوق شديد الحساسية السعرية كان إيجاد مصادر أرخص للسلع المرتفعة ضروري لتمكن التجار من البيع، ووجود خيارات استيراد جديدة من ضمنها الصين، مكن من تخفيف استيراد التضخم
ملخص ما ذكرت:
- قوة شرائية ضعيفة
- عدم وجود نمو اقتصادي
- رواتب عمالة وافدة منخفضة وثابتة
- مواد أولية مدعومة
- رسوم حكومية بسيطة وثابتة
وعليه ذلك يؤدي الى عدم تحمل الطلب لأسعار اعلى، ولا يوجد ضغط كبير من جهة التكاليف لرفع الأسعار، فظلت الاسعار شبة ثابتة لتلك الفترة
عودة للشاورما:
المطاعم مثلا، السوق لم يحتمل أن تغير أسعارها لفترة طويلة، وعلى ذلك القطاع كله لم يتغير لفترة طويلة، جودة المطاعم وهويتها والأفكار وقوائم الطعام تجمدت طيلة الفترة، وبحكم ضعف الأرباح وعدم تقبل العملاء لمنتجات مختلفة بأسعار اعلى، لم يكن القطاع جاذب للاستثمار والتطوير
عودة التضخم الى السعودية:
سَبّب النقص الشديد في الاستثمار في البنية التحتية لفترة طويلة مع النمو السكاني العالي الى الحاجة الى التعويض في فترة قصيرة
وكان تحسن أسعار النفط من 2004 و2005 داعم لأكبر نمو في الانفاق الحكومي منذ الطفرة، حيث تضاعفت الميزانية 5 اضعاف في اقل من 10 سنوات
ومع الانفاق الحكومي الكبير على المشاريع، وارتفاع الانفاق على بنود الرواتب والتعويضات ومعاودة الاقتصاد السعودي للنمو، بدأت الأسعار في الارتفاع بسبب ارتفاع الطلب السريع،
كذلك كان هناك اجراءات لتصحيح وضع سوق العمل وزيادة الرقابة ورفع جودة القطاعات ساهمت في رفع التكاليف
يوجد تحيز في تذكر الماضي، فنتذكر الإيجابيات وننسى السلبيات، استقرار الأسعار نسبيا لفترة طويلة كان نتيجة لضعف الطلب وضعف النمو الاقتصادي وقلة الاستثمار، مثل من يقل وزنه بسبب مرض وليس بسبب نظام صحي.
الاقتصاد الذي ينمو طبيعي أن يكون به تضخم، ولكن يجب ان لا يخرج عن السيطرة
يمكن معالجة انفلات التضخم من جهة العرض بعدة أمور منها زيادة توطين الصناعات، دعم التحول للأتمتة والتقنية لتحسين كفاءة الاعمال، تسهيل إجراءات الاستثمار وغيرها،
لكن أيضا من جهة الطلب، تحسين الدخل وتحول الأسر الى دخلين وليس دخل مفرد يساعدهم في العيش مع آثاره.
اشكر لكم المتابعة..

جاري تحميل الاقتراحات...