إبّـريز
إبّـريز

@pr_f4z

21 تغريدة 177 قراءة Dec 01, 2021
منذُ عدة أيَّام وأنا أقرأ عن مجاهدة السلف أنفسهم على الطاعة:
يقول محمد بن المنكدر:
"كابدتُ نفسي أربعينَ عاماً (أي جاهدتها وأكرهتُها على الطاعات) حتى استقامت لي"!!
.
وقال ثابت البناني:
"كابدت نفسي على قيام الليل عشرين سنة!! ثم تلذذت به عشرين سنة".
وفي كل مرة أتساءل:
كيف استطاعوا المواظبة على العبادة وهم فاقدين للذَّتها؟
كيف جاهدوا أنفسهم كل تلك السنوات؟
خاصة قيام الليل الّتي هي قرة عيون العابدين والتي قال عنها أحد السلف الصالح: ما شيء أجده في قلبي ألذّ عندي من قيام الليل!!
ولكني لم أجد جوابا.
حتى قرأت في إحدى المقالات موقِفََا لإحدى الأخوات تقول فيه؛ أنها كانت مُجتهدة جداََ بالعبادة في رمضان وخاشعة ومعتكفة تماما
.
وفجأة اختفت كل مشاعر اللَّذة والخشوع والبكاء،
فانهارت تماما وجلست تفكر في الذنب الذي اقترفته وتسبب في حرمانها، رغم أنها معتكفة وتقضي وقتها في الطاعات فقط!
ثم اتَّصلتْ بشيخها، فضحك منها وقال: أن الله يريد أن يمتحنها.
لترى هل كانت تؤدي الطاعات من أجل الله فقط أم من أجل استشعار لذة العبادة؟
.
انتهت قصة الأخت وبدأت رحلتي مع فهم جديد للعبادة.
وظلَّ سؤال الشيخ يتردد في ذهني،
هل نعبد الله من أجل القُرب منه سبحانه؟
أم نعبده لنتذوق لذة العبادة؟
وإذا فقدنا تلك اللذة، هل نفتر ونبتعد أم نحافظ على الوصال؟
ثم وجدتُ بعدها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: (والمجاهدُ مَن جاهَد نفسَه في طاعةِ اللهِ والمهاجرُ مَن هجَر الخطايا والذُّنوبَ)
وهنا بدأت الصورة تضَّح رويدا رويدا..
فالصبر على الطاعات ومجاهدة نفسك بالعبادة هي صورة من صور الجهاد في سبيل الله.
وتركُ المعاصي والابتعاد عنها هي صورة من صور الهجرة في سبيل الله.
ومن الطبيعي أن يُصيبك الفتور كل فترة لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن لكل عمل شِرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت شرته إلى سنتي فقد أفلح، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك)..
فالفُتور وافتقاد لذَّة العبادة سنة كونية..
ومن الفِطنة أن نُحسن التعامل معها ونأخذ النَّفس باللَّين بحيث لا تُفرط في الفرائض مع إلزام النفس بما تطيقه من النوافل.
وقد قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله : "أفضل الأعمال ما أُكرهت إليه النفوس".
لأن الأجر وقتها يكون على قدر المشقة التي تكابدها في ظل الاستمرار على الطاعة رغم افتقارك للذة والخشوع.
لكن يبقى السؤال، كيف يمكننا الحصول على تلك اللذة؟
الجواب وجدتُه في الحديث القدسي الذي يقول فيه الله عز وجل: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني،
فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي،
وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خيرٌ منهم،
وإن تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا،
وإن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا،
وإن أتاني يمشي أتيته هرولةً)
فالسر هنا في:
- إحسان الظن بالله واليقين به سبحانه أنه لن يضيع أجر من أحسن عملا وأنه سيذيقك من لذة العبادة والشوق إليه ما يروي ظمأَك.
- الاهتمام بالعمل والأخذ بالأسباب لتستحق تلك اللذة،
بدايةََ من ذكره في نفسك وطاعته في السر إلى طاعته وذكره علانية.
وقد قال بعض السلف: (من أطاع الله في السر، أصلح اللّٰه قلبه شاء أم أبى)..!
- فعبادةُ السر هي البوابة لطريق الإخلاص.
لكن ماذا لو جاهدت نفسك على العبادة ولم تُوفَّق إليها؟
كيف يكون الحل؟
.
قال رجل لإبراهيم بن أدهم رحمه الله: إني لا أقدر على قيام الليل فصف لي دواء؟!!
فقال : لا تعصه بالنهار وهو يقيمك بين يديه في الليل، فإن وقوفك بين يديه في الليل من أعظم الشرف، والعاصي لا يستحق ذلك الشرف..!!
وقال رجل للحسن البصري: أعياني قيام الليل!!
فقال: قيَّدتك خطاياك.
.
فجاهد نفسك وألزِمها الطاعات حتى تنالَ لذّتها
مع المداومة على التوبة والاستغفار والبُعد عن المعاصي،
لأنك لو لم تُلزمها بالطاعة، فبأي وجه تطلب من الله الاستشعار بلذتها؟!
دايماً تذكر أحوال السلف مع مكابدة الطاعة
- كان عامر بن عبد الله بن قيس رحمه الله إذا قام من الليل يصلي يقول : "أبت عيناي أن تذوق طعم النوم مع ذكر النوم".
- وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: "إني لأستقبلُ الليل من أولِه فيهولني طوله فأفتتح القرآن فأصبح وما قضيت نهمتي"
( أي ما شبعت من القرآن والصلاة ).
ولما احتضر العبد الصالح أبو الشعثاء رحمه الله بكى فقيل له : "ما يبكيك؟" !!
فقال : “إني لم أشتفِ من قيام الليل” !!
سبحان الله، يبكي عند موته لأنه لم يشبع من قيام الليل!
وقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
"ومن علامات صحة القلب: أن لا يفتر عن ذكر ربه، ولا يسأم من خدمته،
ولا يأنس بغيره، إلا بمن يدله عليه، ويذكره به، ويذاكره بهذا الأمر".
فلنسأل أنفسنا:
هل نعبدُ الله من أجله سبحانه وتعالى؟
أم نعبدهُ من أجل لذّة العبادة؟

جاري تحميل الاقتراحات...