فصار هؤلاء يقتنصون فرصة انشغال أولئك بحرب المسلمين معهم فيهجموا من ناحيتهم، كذلك ثورة الزط في البصرة وما حولها لا تزال قائمة ولئن استمرت فإن بغداد ستدخل في حالة ركود تجاري وأزمة اقتصادية مؤثِّرة.. هذا على مستوى الاضطرابات.
وأما على مستوى رجال الدولة فقد «وجد المعتصم نفسه في وضع حرج، فقد خيَّب المأمون أمل الخراسانيين من جديد بنكبته لبني سهل وبتركه لمرو ورجوعه إلى بغداد، وكان العرب في وضع متضعضع بعد مقتل الأمين، وزاد الطين بلة إلتفاف قسم كبير من الخراسانيين وجندهم حول العباس بن المأمون ضد المعتصم
فنَكَّل بزعمائهم وأساء الظن بهم، وكانت الدولة مهددة بثورة بابك المستفحلة، وبخطر البيزنطيين على الحدود، وبتذمر أهل الشام ومصر، فكان المعتصم بحاجة إلى عنصر عسكري جديد يسند سلطانه، فالتجأ إلى عنصر بدأ يتوارد كرقيق إلى البلاد الإسلامية قبله، كما أخذ الإسلام ينتشر في بلاده بصورة بطيئة
وذلك هو عنصر الترك وكانت خطوة المعتصم هذه بعيدة المدى بنتائجها، فالترك آنئذ شعب بدوي ميزته الوحيدة الشجاعة العسكرية، فهو لا يفهم الأسس المعنوية للدولة العباسية، ولا خبرة له بالإدارة، ومجرَّد من كل ثقافة.
على أنه ينبغي أن ننتبه إلى أن بداية الأتراك لم تكن من المعتصم،
على أنه ينبغي أن ننتبه إلى أن بداية الأتراك لم تكن من المعتصم،
وإنما بدأت منذ المأمون، إلَّا أنَّ المعتصم استكثر منهم فزاد في شرائهم من بلادهم بل واشترى ما كان منهم مملوكا في بغداد من أصحابهم وجعل اعتماده عليهم حتى بلغ عددهم لديه 4 آلاف ثم ما زالوا يزيدون حتى بلغوا نحوا من 20 ألفًا، فشكلوا فرقة متميزة عن الجند
ثم إن المعتصم بطبيعته الأقرب إلى العسكرية من المدنية ركز كل اهتمامه على تقوية الجانب العسكري فقيل في شأنه «ملك من آلات الحرب والدواب ما لم يتفق لغيره»، وهو وإن استكثر من الأتراك واعتمد عليهم إلا أنه لم يهمل الآخرين تمامًا، بل كوَّن قسما آخر من الجيش سماه «المغاربة»
وكان فيه جنود من حوف مصر وحوف اليمن وحوف قيس وغيرهم.
وهكذا، فلئن كان المأمون قد خاف من مساهمة الجند والأمراء في الانقلاب على أصحاب الخلافة كالأمين وإبراهيم بن المهدي فقد رأى المعتصم كيف كان هذا وشيكا عليه هو ذاته!
وإذن فقد كانت المزية الكبرى للأتراك متمثلة في قوتهم العسكرية
وهكذا، فلئن كان المأمون قد خاف من مساهمة الجند والأمراء في الانقلاب على أصحاب الخلافة كالأمين وإبراهيم بن المهدي فقد رأى المعتصم كيف كان هذا وشيكا عليه هو ذاته!
وإذن فقد كانت المزية الكبرى للأتراك متمثلة في قوتهم العسكرية
مع خُلُوِّهم من الأفكار المتمردة كالشعوبية والخارجية … ، فيما كانت المشكلة الكبرى أنهم قوم بلا حضارة، يغلب عليهم طابع الجفاء والغلظة، غير مستوعبين للمعاني المدنية الحضارية والأصول التي قامت عليها الخلافة العباسية.
وقد زرع الأتراك على هذين السبيلين أعمالًا مؤثِّرة،
وقد زرع الأتراك على هذين السبيلين أعمالًا مؤثِّرة،
فلقد انتفعت الدولة والخلافة بقوتهم العسكرية أيما انتفاع ولكنها انتكست بعسكريتهم وبداوتهم وجهلهم بالحضارة والمدنية أسوأ انتكاس!
فعلى المستوى العسكري:
أنقذوا الدولة العباسية عسكريًّا، وحافظوا على بقائها، وحاربوا الثورات التي اشتعلت في الشرق والغرب والشمال والجنوب وأخمدوها،
فعلى المستوى العسكري:
أنقذوا الدولة العباسية عسكريًّا، وحافظوا على بقائها، وحاربوا الثورات التي اشتعلت في الشرق والغرب والشمال والجنوب وأخمدوها،
وبهم ظلت الخلافة العباسية كيانا يحتفظ بالقوة والصلابة والوجود ، ولربما لو أن المعتصم لم يهتد لاستخدام الجند الأتراك لكانت الخلافة العباسية نسخة أخرى من الخلافة الأموية التي ما أكملت المائة عام حتى انهارت بعد أن أنهكتها الثورات وحركات التمرد
لقد أعطى الأتراك دولة العباسيين مائة عام على الأقل من الحياة!
ولم تكن قوة الأتراك العسكرية كقوة الفارسيين بل كان التركي أقوى وأصبر على القتال بطبيعته البدوية
بدا واضحًا منذ اللحظة الأولى أن القوم عسكريون وبدو أقحاح، فنشبت بينهم وبين أهل بغداد الاشتباكات والمعارك
ولم تكن قوة الأتراك العسكرية كقوة الفارسيين بل كان التركي أقوى وأصبر على القتال بطبيعته البدوية
بدا واضحًا منذ اللحظة الأولى أن القوم عسكريون وبدو أقحاح، فنشبت بينهم وبين أهل بغداد الاشتباكات والمعارك
فلا هؤلاء استوعبوا أنهم في عاصمة الدنيا ثقافة وحضارة ولا هؤلاء تحملوا بينهم قوما بأخلاق العسكر والصحراء.
وأدرك المعتصم نفسه الفارق بين الأتراك وبين الفارسيين، وبدا متحسرا وهو يسأل إسحاق بن إبراهيم بن مصعب الطاهري والي بغداد في لحظة صفاء ومودة: «يا أبا الحسين، في قلبي أمر
وأدرك المعتصم نفسه الفارق بين الأتراك وبين الفارسيين، وبدا متحسرا وهو يسأل إسحاق بن إبراهيم بن مصعب الطاهري والي بغداد في لحظة صفاء ومودة: «يا أبا الحسين، في قلبي أمر
أنا مفكر فيه منذ مدة طويلة وإنما بسطتك في هذا الوقت لأفشيه إليك. فقلت: قل يا سيدي يا أمير المؤمنين
قال: نظرت إلى أخي المأمون وقد اصطنع أربعة أنجبوا واصطنعت أنا أربعة لم يفلح أحد منهم، قلت: ومن الذين اصطنعهم أخوك ؟
قال: نظرت إلى أخي المأمون وقد اصطنع أربعة أنجبوا واصطنعت أنا أربعة لم يفلح أحد منهم، قلت: ومن الذين اصطنعهم أخوك ؟
قال: طاهر بن الحسين فقد رأيت وسمعت وعبد الله بن طاهر فهو الرجل الذي لم ير مثله وأنت فأنت والله لا يتعارض السلطان منك أبدًا وأخوك محمد بن إبراهيم، وأين مثل محمد.
وأنا اصطنعت الأفشين فقد رأيت إلى ما صار أمره وأشناس ففشل آيه وإيتاخ فلا شيء ووصيف فلا مغنى فيه.
وأنا اصطنعت الأفشين فقد رأيت إلى ما صار أمره وأشناس ففشل آيه وإيتاخ فلا شيء ووصيف فلا مغنى فيه.
فقلت: يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك أجيب على أمان من غضبك؟
قال: قل، قلت: يا أمير المؤمنين أعزك الله نظر أخوك إلى الأصول فاستعملها فأنجبت فروعها واستعمل أمير المؤمنين فروعا لم تنجب إذ لا أصول لها.
قال: يا إسحاق لمقاساة ما مر بي في طول هذه المدة أسهل علي من هذا الجواب.
قال: قل، قلت: يا أمير المؤمنين أعزك الله نظر أخوك إلى الأصول فاستعملها فأنجبت فروعها واستعمل أمير المؤمنين فروعا لم تنجب إذ لا أصول لها.
قال: يا إسحاق لمقاساة ما مر بي في طول هذه المدة أسهل علي من هذا الجواب.
ومن الفوارق المهمَّة بين الفرس والأتراك أن علاقة العباسيين بالفارسيين كانت ثمرة دعاية طويلة كان الترك بعيدين عن تأثيرها، فلم يكن يربطهم بالخلفاء ولاء روحي أو تفاهم عقلي.
وبعد وفاة المعتصم استولى القادة الأتراك شيئًا فشيئًا على مقدرات الدولة، وعظم نفوذهم
وبعد وفاة المعتصم استولى القادة الأتراك شيئًا فشيئًا على مقدرات الدولة، وعظم نفوذهم
ودخلت بهم الدولة العباسية لأول مرة في مرحلة «الحكم العسكري» بكل ما فيه من سلبيات وكوارث بالغة الضرر على الأُمَّة والخلافة والدولة، لقد طاولوا الخلفاء، بل جاوزوهم واستولوا عليهم، وصاروا يولون ويعزلون بل ويعاقبون ويقتلون، مما أذهب هيبة الخليفة كشخص وهيبة الخلافة كمنصب
فيما ظل كيان الخلافة قائما، وبدأت بسببهم ظاهرة جديدة في التاريخ الإسلامي، ظاهرة من يملك ولا يحكم، وهي ظاهرة يمثلها قول الخليفة المغلوب على أمره في لحظة طلب فيها مالا ولم يُعطه:
أليس من العجائب أن مثلي
يرى ما قلَّ ممتنعا عليه
وتُملك باسمه الدينا جميعًا
وما من ذاك شيء في يديه
أليس من العجائب أن مثلي
يرى ما قلَّ ممتنعا عليه
وتُملك باسمه الدينا جميعًا
وما من ذاك شيء في يديه
وقد تحمل المعتصم على هذا المستوى نقدًا كثيرًا من المؤرِّخين، غير أن أحدًا فيما أعلم لم يقدم بديلا كان على المعتصم اتخاذه في هذه الظروف العصيبة التي استلم فيها أمر الخلافة!
وما من الإنصاف أن يتحمل المعتصم مسئولية ضعف الخلفاء من بعده وتسلط الأتراك عليهم، فكم من مريد للخير لا يدركه
وما من الإنصاف أن يتحمل المعتصم مسئولية ضعف الخلفاء من بعده وتسلط الأتراك عليهم، فكم من مريد للخير لا يدركه
ولم يكن اعتماد الخلافة العباسية على الأتراك من الأمور التي مرت بسهولة آنذاك ..».
نقلها لكم تويتر : مناور سليمان وعسى ان ينال اعجابكم ❤️
نقلها لكم تويتر : مناور سليمان وعسى ان ينال اعجابكم ❤️
جاري تحميل الاقتراحات...