١- لماذا أمريكا الشمالية أكثر تطورا من أمريكا الجنوبية؟
ليس هناك سبب واحد، لكن أحد الأسباب المهمة هو اختلاف "عقلية" الشماليين عن الجنوبيين.
وهذا يعيدنا إلى أطروحة ماكس فيبر الشهيرة (أن البروتستانتية مهدت ظهور الرأسمالية). وهو هنا يقلب أطروحة ماركس رأسا على عقب.
كيف؟
ليس هناك سبب واحد، لكن أحد الأسباب المهمة هو اختلاف "عقلية" الشماليين عن الجنوبيين.
وهذا يعيدنا إلى أطروحة ماكس فيبر الشهيرة (أن البروتستانتية مهدت ظهور الرأسمالية). وهو هنا يقلب أطروحة ماركس رأسا على عقب.
كيف؟
٢- يرى ماركس أن الوضع الاقتصادي للشعوب يشكّل عقلياتهم (ثقافاتهم وأخلاقهم). فالطبقة الفقيرة لها أخلاقيات وأدبيات مغايرة للطبقة الغنية. وهكذا فإن من يريد تغيير عقلية أي مجتمع فعليه أن يغير الظروف المادية (الاقتصادية تحديدا).
أما فيبر فيجعل تغيير الثقافة سببا لتغير الوضع الاقتصادي.
أما فيبر فيجعل تغيير الثقافة سببا لتغير الوضع الاقتصادي.
٣- لاحظ فيبر أن دول وسط وشمال أوربا مع بريطانيا – وهي التي ظهرت فيها البروتستانتية- هي نفس الدول التي ازدهر فيها النشاط الاقتصادي العصري (الرأسمالية)، أما الدول الكاثوليكية (جنوب أوربا في الأغلب) فظلت خاملة اقتصاديا.
فلماذا كانت البروتستانتية حافزا للعمل الاقتصادي؟
فلماذا كانت البروتستانتية حافزا للعمل الاقتصادي؟
٤- من عقائد البروتستانتية إعادة العلاقة الروحية بين المرء وربه، وإبعاد دور الكنيسة وتدخلاتها.وهذا عزز من روح الفردانية والتحرر من التقاليد. لكن الأهم أنها أيضا ربطت مفهوم العمل الاقتصادي برضا الله. فمن المحرم دينيا ألا يعمل الإنسان، بل حتى الإنسان الغني يجب أن يعمل ليكسب رضا الله
٥- لكن مارتن لوثر كان يحرم الربا، ومن هنا جاء كالفن وأجرى تعديلات جوهرية على البروتسانتية تسمح لهم بالمرابحة والسعي وراء الرفاه. وهكذا تغلغل السعي وراء السعادة والربح في النسيج العقلي للمجتمع، حتى انتعش النشاط المادي فظهرت الرأسمالية بمعناها الحديث.
٦- لكن من المهم القول إن هناك مبادئ أخرى لعبت دورا كبيرا في نجاح الرأسمالية. فالفردانية كما قلنا عامل مهم وهي ليست اختراعا للبروتستانية فقط؛ إذ كان الإنسانويون (الهيومانيون) يشددون على الفردية. كما أن الفردية تنطوي ضمنا على الإعلاء من شأن الحرية الشخصية.
٧- أما العامل الأهم فهو العقلانية. وللعقلانية صور: فهناك عقلانية دينية، وعلمية، ونقدية، و...إلخ. لكن فيبر يتحدث أيضا عن العقلانية الاقتصادية (الرشيدة). فالسعي وراء الربح بدون عقلانية رشيدة سيؤدي إلى الأنانية وتراكم الثروة في أيدي القلة فلا يستفيد منها المجتمع.
٨- ومن ملامح العقلانية الرشيدة اختيار الأهداف بعناية، وتنظيم الوسائل الناجعة لتحقيق الأهداف، والأهم: تقسيم العمل. من هنا صار المجتمع يشارك في الإنتاج المادي وصارت فرص التوظيف كبيرة. وظهرت البيروقراطية لإدارة العمل وتوزيع الأرباح، وحدثت هجرة ضخمة من الأرياف والقرى نحو المدن.
٩- من ثم ظهرت المدن الصناعية، وهي مدن يجتمع فيها خلق كثيرون لا تربطهم سوى علاقات المال والأعمال. ولا يهم عندها من تكون ولا ما هو أصلك وفصلك ودينك. فصارت الفردية والحرية الشخصية والتنوع الاجتماعي شروطا ضرورية لنجاح المدن الصناعية (الرأسمالية). وتغيرت العقليات بتغير الوضع الاقتصادي
١٠- هكذا نرى أن أطروحة ماركس تعود ولكن هناك سوابق غير اقتصادية لها كما أشرنا: إعادة صياغة العقلية الاجتماعية أولا. ثم تأخذ الدورة التاريخية التطورية مسارها الآلي.
الأخلاق أصبحت أخلاق المنفعة،
والسياسة تحولت إلى الليبرالية،
والقانون صار وضعياً،
والدين أضحى شأنا فرديا.
الأخلاق أصبحت أخلاق المنفعة،
والسياسة تحولت إلى الليبرالية،
والقانون صار وضعياً،
والدين أضحى شأنا فرديا.
١١- شمال وغرب أوربا تطور على مستويات شتى، بينما ظلت دول الجنوب وخاصة إيطاليا وأسبانيا والبرتغال تصارع من أجل الخروج من الاقتصاد التقليدي. لكن الكاثوليكية التي تمجد الفقر وتحرم المرابحة وتسرق جيوب الناس باسم الرب كانت عائقا أمام التطور الاقتصادي.
١٢- فرنسا كاثوليكية ولكنها لم تخرج من سجن التقليدية إلا بالثورة العارمة على الكنيسة، بينما لم تحدث ثورة عنيفة ضد الدين في هولندا وبريطانيا وألمانيا، لأن البروتستانية ومذاهبها (كالكالفينية والتقوية وغيرها) كانت أكثر عصرية من نظيرتها الكاثوليكية.
١٣- نعود الآن للسؤال:
لماذا كانت أمريكا الشمالية أكثر تطور من أمريكا اللاتينية؟
السبب أن الأولى تم استعمارها من قبل بلدان أوربية رأسمالية كبريطانيا وفرنسا (أو نجحت في تطبيق الرأسمالية بشكل ناجع بسبب الطابع الليبرالي لها).
فأمريكا الشمالية نجحت بقدر نجاح الدول التي استعمرتها.
لماذا كانت أمريكا الشمالية أكثر تطور من أمريكا اللاتينية؟
السبب أن الأولى تم استعمارها من قبل بلدان أوربية رأسمالية كبريطانيا وفرنسا (أو نجحت في تطبيق الرأسمالية بشكل ناجع بسبب الطابع الليبرالي لها).
فأمريكا الشمالية نجحت بقدر نجاح الدول التي استعمرتها.
١٤- أما أمريكا اللاتينية فاستعمرها الأسبان والبرتغاليون، وهم شعوب لم تتحرر من الفكر الديني التقليدي والأخلاق الكنسية. فورثت أمريكا اللاتينية مشكلات دول جنوب أوربا.
وبقدر إخفاق أسبانيا والبرتغال أخفقت أمريكا اللاتينية في تجاوز المشكلات الموروثة.
وبقدر إخفاق أسبانيا والبرتغال أخفقت أمريكا اللاتينية في تجاوز المشكلات الموروثة.
١٥- هكذا كان الوضع الثانوي أشبه بمرآة تعكس الوضع الأصلي.
حدثت تطورات لاحقا في دول جنوب أوربا بفضل دعم الشمال وتأثرهم به. أما أمريكا اللاتينية فتورطت في أيديولوجيات لا تصون الحريات الفردية والعقلانية كالأيديولوجيا الشيوعية فزادت مشاكلها مشاكل فوق حدها.
حدثت تطورات لاحقا في دول جنوب أوربا بفضل دعم الشمال وتأثرهم به. أما أمريكا اللاتينية فتورطت في أيديولوجيات لا تصون الحريات الفردية والعقلانية كالأيديولوجيا الشيوعية فزادت مشاكلها مشاكل فوق حدها.
جاري تحميل الاقتراحات...