د. عبدالله الفيفي
د. عبدالله الفيفي

@alfaifawiP

11 تغريدة 7 قراءة Nov 28, 2021
في القرن الثاني الهجري ظهر مُفكّر مسلم يسمى عبد الله بن المقفع، وقد اشتهرت له أعمال أدبية، ولكن له أيضاً كتابات فلسفية مثل شرح منطق إيساغوجي وغيره، وله رسالة جميلة بعثها إلى الخليفة تسمى (رسالة الصحابة) وفيها تعبير عن أفكار مدنية راقية.
سأقف معكم على أبرز ما جاء فيها.
قبل أن أدخل في التفاصيل أرجو منكم التركيز على تاريخ نشاطه.
هذا الشخص ظهر في القرن الثاني الهجري، يعني في وقت مبكر جداً جداً.
ونشأ في نفس البيئة الإسلامية ونهل من ذات الثقافة وعرف ما يعرفه غيره.
ولكنه شق طريقاً مختلفاً عن طريق الفقهاء والحشوية.
ودعونا الآن نتعرف على فكره.
في (رسالة الصحابة) لا يقصد المصطلح المعروف صحابة الرسول، بل يقصد أصحاب الخليفة ومن حوله، وكأنه يقول (رسالة من محبيك).
وغالباً المفكرون والفلاسفة لهم ارتباط بالولاة والساسة لأنّهم يعلمون بأنّ مفاتيح الحياة بأيديهم، خلافاً للفقهاء الذين يميلون إلى مجافاة السلطة وإساءة الظن بها.
وقد وصف الجاحظُ ابنَ المقفع بأنّه كان جواداً فارساً جميلاً.
وكان قوي العقل والعلم واللسان، وعُرِف عنه الكرم وتقدير الصداقة، ورغبته الصادقة في صلاح الحياة واستقامتها.
وهو من أوائل الأدباء والمفكرين والفلاسفة في الثقافة العربية، وله أعمال كثيرة وصَلَنا بعضها وفقدنا بعضها.
قدم ابن المقفع توصيات للخليفة تتعلق بتنظيم الجيش وتحديد القوانين وتبصير الجنود بما لهم وما عليهم؛ لأنّ الدولة في ذلك العصر كانت ناشئة وأعداؤها كثر وتنظيماتها ارتجالية، وابن المقفع يقوم بواجبه كمواطن صالح رأى بعض الثغرات، فاتصل بالخليفة ليلفت نظره إلى ما قد يغيب عنه.
من الملاحظات التي ذكرها ابن المقفع أنّ ترك الشؤون المالية بيد الجيش أفضى إلى استعلاء بعض القادة واستقواؤهم بما لديهم، مما حفز بعضهم على الخروج عن الدولة.
كما نصحه بتغيير بعض القادة الذينهم أقل كفاءة مع بعض مرؤوسيهم، والاهتمام بتثقيف الجنود وتوعيتهم وتعليمهم مكارم الأخلاق.
ثم انتقل إلى القضاء وتحدث عما سماه (فوضى القضاء) وطلب من الخليفة منع الاجتهادات وتوحيد القوانين، وبذلك يكون هو أول شخص في تاريخ الإسلام يتحدث عن تقنين الشريعة.
وهذه نقطة يجب أن نقف عندها كثيراً؛ لأنّ بعض المعاصرين يتوقع بأنّه هو من اخترع تقنين الشريعة بينما هي فكرة قديمة.
كما أنكر المبالغة فيما يُسمى (السُنة) حيث إنّ بعض المفتين يتساهل في إهدار المصالح بذرائع ليس عليها دليل صريح، إلا ما يتوهّم بأنّه سنّة فعلها من قبله.
وفي نفس الوقت حذّر من الاجتهادات الفردية التي ليس لها سند أو عضيد من أهل الرأي والحكمة.
وأشار على الخليفة أن يتولى هو شأن القضاء.
وقال بأنّ الأحكام يجب أن تُراعى فيها مصلحة الناس مع العدل، وأن تُغلّب على السنن والآثار التي تحوم حولها خلافات كثيرة، وهي غالباً ما تخضع لسياقات قديمة قد لا يكون القاضي ماهراً في استنباط القياس وتحديده.
لذلك يجب أن تكون القاعدة الرئيسية في القضاء هي المصلحة والعدل.
واقترح على الخليفة وضع قانون رسمي عام يشمل كافة أنحاء الخلافة.
ثم تحدث عن (الخَراج) وهو ميزانية الدولة، وقدم بعض توصياته الإجرائية والتنظيمية بما يعود بالمنفعة على الراعي والرعية.
ثم ختم بتأكيد أهمية دور القائد في صلاح الحياة، وعظم المسؤولية الملقاة على عاتقه.
هذه نافذة على أفكار واحد من الفلاسفة القدماء الذين طمسهم الغثاء الحشوي.
رتب @rattibha

جاري تحميل الاقتراحات...