ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

19 تغريدة 1,673 قراءة Nov 27, 2021
طفل يتيم من بريدة يركض خلف إحدى قوافل العقيلات، يتحين الفرصة كي ينضم إليها متسللًا، بعد محاولات مضنية نجح في ذلك؛ فلم يزل متعلقًا بها حتى وصل إلى لندن، كيف ذلك؟! ومن هو؟ وما علاقة الأمر بالملك فيصل يرحمه الله..
#حياكم_تحت 🌹
لم يتفهم كثيرا ما يحدث؛ فقد كان عمره صغيرا على أن يعي الأمر، فقط ما لاحظه هو جلبة وتحركات غير معهودة، فيما جميع الأهل قد قدموا وأحاطوا ببيته، ولا يراه أحد إلا ويمس على رأسه إشفاقا وطلبًا للأجر، لقد ماتت أمه في ذلك اليوم، وأرُسِلت عنه بعيدًا إلى غير رجعة، وأضحى وحيدًا إلا من أبيه.
في ظل أحزانه ووجومه المستمر، تزوج أبوه من امرأة جديدة، لقد وجد الطفل في بيته امرأة بديلة عن أمه، تأمل منها خيرًا مع ما أظهرته بداية من عطف، لكن لم تمض كثير من الأيام حتى تغيرت معاملتها له وباتت من السوء بمكان بحيث ضاق الفتى ذرعا بكل شيء، وأصبح خارج المنزل ملاذًا له معظم الأوقات.
في خضم هذا الحزن العميق الذي استطال به، بدت أمامه بارقة أمل، لقد كان يرى كثير من قوافل العقيلات متزاحمة حوله وفادة وترحالا، وبخياله الصغير تمنى لو أنه علق ذات يوما بأحدها، عله يجد بهذا التعلق حياة جديدة مغايرة لما هو عليه من ضيم وقهر في ظل معيشته في كنف زوجة أب لا تعرف الرحمة.
لم يكن خياله إلا دليلا له في قادم أحداثه، فما إن انطلقت القافلة حتى تبعها من بعيد دون أن يلحظه أحد، يسير والصحراء من حوله ثابتةً لا تغير وجهها، فيما القافلة تتقدم وهو ورائها دون انقطاع، مرت ساعات وساعات والطفل متعلق بقافلته من البعد البعيد، كادت تغيب عنه إلى أن توقفت فجأة فتوقف.
شخص من القافلة يركض نحوه، هل يجب أن أختبئ؟! أين وهذه الصحراء تحيط بي، انتظر في محله حتى جاءه القادم من القافلة فقال له من أنت ولماذا أنت هنا؟ لم ينبس الطفل ببنت شفة، فأخذه معه إلى قائد القافلة، استمر الطفل صامتًا، حتى اسمه لم يعرف به خوفًا من إعادته، كل ما قاله:"ابي اروح معكم"
رأى قائد الحملة تمسك الطفل بالسفر معهم ، ولبعدهم عن نقطة انطلاقهم ؛ اضطر قائدها إبراهيم الحميدان أن يوافق على انضمام الطفل؛ على أن يرجع ثانية معهم وقت عودتهم نحو بريدة، ومع عدم إفصاح الطفل عن اسمه بدايةً؛ أطلق عليه أفراد القافلة "عيارة" حيث أسموه "شلوف" وهو الاسم الذي عرف به.
كانت الحملة متجهة من بريدة إلى فلسطين، بشغف كبير انضم إليها الصبي الصغير، حيث عمل كمساعد لطباخ الحملة، وانطلقت القافلة تتهادي بين الكثبان والأودية والجبال، ومعها الفتى في أشد لحظاته انتباها وهياما من مقدار الموجودات والأمكنة من حوله، والتي كان يعاينها للمرة الأولى في حياته.
بعد أيام وأيام وصلت الحملة إلى بغيتها، حيث فلسطين، إلى معاهدهم المعتادة على أطراف القدس نزل الجميع طلبا لبعض الراحة، ثم قاموا بإرسال "شلوف" يشتري لهم بعض الخبز من إحدى الأسواق القريبة، لكن حداثة عهده وعدم دربته على المكان، فضلا عن سلوكه العنيف لم تمكنه من العودة بالخبز المنشود!
ففي طريقه إلى السوق ووسط زحام غير معتاد له، اعترض طريقه عدد من الفتيان، وجهوا له السباب وأرادوا سرقة ما بحوزته من مال لكن الطفل الصغير ابن الصحراء كان أقوى من أن يسرق هكذا، حيث عبر عن ذاته بأقرب حجر إليه فشج رأس أحدهم ففر الجميع، قبل أن يصل عسكري الدرك ليقبض على شلوف جانب ضحيته.
أودع شلوف مخفر الشرطة الذي كان حينها يسيره الإنجليز، هنا سرى القلق في نفس أفراد القافلة، وبدأوا في البحث، لكن لم يدر في خلدهم أنه في المخفر، أما شلوف فقد بدا ظاهريا قويًا ساكن الملامح، لكن في لحظة ما انفجر باكيًا، مستجمعًا في لحظته هذه غربته ويتمه ووحدته الموحشة ومعاناته في سجنه.
في داخل محل الاحتجاز لم يكن سجانه الا امرأة إنجليزية عتيدة تتبع للانتداب البريطاني، رأت من الطفل بكاء لا ينقطع وهالتها كثيرا قصته وغربته، ويتمه، وعدم وجود أي شخص بجانبه يرعاه أو يتكفل به، سرى في نفسها إشفاقًا كبيرًا بالطفل وقررت على الفور أن تخرجه من مأزقه وأن تتكفل به.
يتيما تقطعت به السبل، هكذا وجدت المرأة الإنجليزية شلوف، فكان طفلها الذي لم تلده، سكن معها في القدس، وحين همت بالرحيل إلى لندن اصحبته معها، حيث غادر إلى هناك بباخرة عظيمة الحجم، ابن الصحراء ركب البحر، كانت عينه تبرق أمام اتساعه وأمام ما يراه من متغيرات حوله، أين صحرائي؟! لقد مضت
حين وصل لندن، هاله برودة الجو، بحث عن شمسه الساطعة على الدوام فلم يرها، ثم سار مع أمه الجديدة نحو بيته الجديد، في الطريق ارتاعت نفسه لتلك المركبات التي تسير في الشوارع، وارتاع من الشوارع ذاتها التي بدت منبسطة بشكل عجيب، ذلك الروع تلاشى رويدًا رويدًا مع ما كان ينتظره من حياة كريمة
اهتمت المرأة الإنجليزية برعايته ، لقد كانت وحيدة فكرست للصغير كل وقتها، وألحقته بمدرسة قريبة، فتعلم اللغة وتفوق في التعليم، وصار مع الوقت فتى طيعًا يرتجى منه مستقبل باهر، ومع ذلك التفوق دعمته الأم مجددا ودوما حتى تخرج من كلية الطيران طيارا مدنيًا
شابًا إنجليزيًا يحمل في قلبه جذوره العربية، حتى أنه لا يزال متقنًا للعربية، وجد الفرصة للالتحاق بطيران الشرق الأوسط في بيروت فلم يفوتها، وفي إحدى الرحلات تفاجأ براكبين من طراز فريد، الملك فيصل وقد كان حينها أميرا في مقتبل عمره، وبصحبته إبراهيم الحميدان قائد قافلته لفلسطين.
مفاجأة مدوية أعادته إلى عمق ذكرياته، أقبل قائد الطائرة نحو ضيفيه، سلّم عليهما بحرارة وقال لهما بلهجة عربية غير منتظمة، ألا تتذكرني يا شيخ حمدان، قال وهل التقينا، اجاب قائد الطائرة أنا شلوف ذلك الطفل الذي تبع قافلتك والتحق بها، تذكره الحميدان وعلامات الانبهار والسرور تملأ وجهه.
حكى شلوف قطوفًا سريعة من حكايته وفرح الحميدان كثيرًا بما آل إليه حاله، بادر شلوف للسؤال عن أبيه، فقال له الحميدان، لقد مات من وقت قريب، وترك خلفه زوجته وحيدة من بعده دون أبناء، فأخرج شلوف مبلغا من المال ليوصله لزوجة أبيه، رحب الحميدان بذلك ودعاه للعودة إلى بلاده لكن قال له شلوف..
لا أستطيع ترك والدتي الإنجليزية فهي مسنة وتحتاج إلى رعايتي، ذلك أقل ما أستطيع تقديمه له نظير رعايته لي وإيصالي لما أنا عليه، لكنني بالطبع يوما ما سأعود.. يا ترى هل عدت ذات يوم يا شلوف؟!

جاري تحميل الاقتراحات...