سليمان المعمري
سليمان المعمري

@almamari20001

26 تغريدة 7 قراءة Nov 27, 2021
في سلسلة التغريدات القادمة سأتحدث عن مارادونا بمناسبة الذكرى الأولى لرحيله في 25 نوفمبر 2020م
تُلحّ علي بشدة وأنا أحاول استيعاب رحيل مارادونا عبارة أنطوان تشيخوف عن أن "أولى علامات الشيخوخة أن تتحوّل من إنسان يحلم إلى إنسان يتذكّر". ها أنا إذن أؤرخ لبداية شيخوختي المبجلة بــ 25 نوفمبر 2020، تاريخ رحيل هذا اللاعب الفذّ الذي قلّما يمكن أن يتكرر بسهولة،
في زمن أصبحتْ فيه كرة القدم –مثل أي أمرٍ آخر- شيئًا يمكن أن يُبنى كعِمارة أو يخطط له كمؤامرة، ويمكن أن يُصنع لاعبٌ جيد بمعادلات هندسية قابلة للتحقق، تؤمن أن الموهبة تُشكَّل كالصلصال لا تُوهب من السماء.
لم يكن مارادونا مجرد لاعب سنحزن أيامًا أو أسابيع على رحيله ثم نواصل حياتنا المعتادة بشكل طبيعي. لقد كان زمنًا شاسعًا مليئًا بالشمس، حُلمَ جيل كامل عاش في كَبَدٍ، وواجه منغصات كثيرة، لكنّ مجرد وجود فتى اسمه دييغو كان يعطيه طاقة أمل في الغد.
إذا كان ثمة كلمة واحدة يمكن أن تختزِل مرحلة يفاعتي في ثمانينيات القرن الماضي هي بلا شك: "مارادونا"، الذي كان يمثل حينئذ لمراهق مثلي أيقونة كبرى، مَثَلًا أعلى في الانتفاض كعنقاء من وسط رماد الفقر وتسلق سلّم المجد بمهارة وخفة، اعتمادًا على موهبته، موهبته الفذة فقط.
قبل مونديال المكسيك عام 1986 لم أكن مهتمًا بكرة القدم أو أخبارها، لكن لأنه المونديال فقد كان مارادونا حديث الساعة، وكنا نشاهد مهاراته التي تذهلنا؛ إنه "يخيط الكرة إلى قدمه، وله عيون في كل أنحاء جسده" كما سيبرع في وصفه بعد ذلك إدواردو غاليانو؛
الذي أخبرنا (أي غاليانو) أن دييغو كان ينام ليلا والكرة بين يديه، وفي النهار يصنع بها المعجزات. كانت أخبار مارادونا تصل إلينا رغمًا عنا. خاصة لفتى مثلي نشأ على حب قراءة الجرائد اليومية.
في هذه السنة – 1986 أعني- وصلت الكهرباء إلى بيتنا في الردة لأول مرة، وتزامن ذلك مع بدء منافسات المونديال، فشاهدتُ بشغف كل مباريات الأرجنتين، من أجله هو فقط. وحتى اليوم لا أتذكّر سبب متابعتي المباراة النهائية في المونديال في مذياع –لا تلفاز- وأنا في سطح بيتنا.
هل انقطعت الكهرباء فجأة؟ هل كان إرسال المحطة التليفزيونية التي تنقل المباراة –حيث لا فضائيات حينها- ضعيفًا؟. هل لأمي التي لا يرضيها أن نسهر – أخي سيف وأنا- أكثر مما ينبغي لتلميذين في السادس الابتدائي، دور في ذلك؟. لا أتذكر.
كل ما أتذكره تلك الفرحة العارمة التي غمرتني وأنا أسمع معلق الإذاعة يعلن عن تسجيل بورتشاغا الهدف الثاني للأرجنتين، مع شيء من الحزن أن مارادونا لم يكن هو مسجّل الهدف.
في ذلك المونديال شاهدتُ بإعجاب المباراة الشهيرة بين الأرجنتين وإنجلترا، ولم أمَلّ حتى اليوم، بعد خمسة وثلاثين عاما، من مشاهدة ذلك الهدف الأسطوري الذي عُدَّ –ولا يزال- أجمل هدف في العالم؛
مارادونا يراوغ منذ منتصف الملعب سبعة من لاعبي المنتخب الإنجليزي متلاعبًا بهم واحدًا تلو الآخر يمنة ويسرة قبل أن يخادع الحارس بيتر شيلتون ويودع الكرة في شباكه، تلك الكرة التي تحب قدميه فلا ترضى أن تفارقهما إلا إلى المرمى.
هنا يقفز للخاطر ما سيقوله بعد ذلك زميله في تلك المباراة خورخي فالدانو: "تبدو الكرة وكأنها على وشك الانفلات منه، ولكن دييغو لا يجعلها تفلت، يعيد التحكم بها، وإخضاعها لإرادته، منتصرًا عليها، فهو لا يتحكم بالكرة، وإنما يروضها".
كان ذلك الهدف الثاني للأرجنتين في المباراة، الهدف الذي أنسى العالم كله –باستثناء الإنجليز بالطبع- هدفه الأول المسروق، الذي نسبه لــ"يد الله". لم أكن حينها أعرف ماذا تعني جزر مالبيناس أو حرب الفوكلاندز، لكنني سأعرف لاحقًا أن لاعب كرة قدم موهوبًا أعاد الروح لأمة منهزمة،
وأن تلك المباراة بالذات أثبتت أن خسارةفي الحرب تستطيع مباراة كرة ببساطة أن تمحوها، وتؤجج في الناس الشعور بالوطنيةوالزهو بالمجدالمستعاد. هذا المجد الذي يجعل صانعه أهم من أي شخص آخر في العالم، وهي الأهمية التي اختصرها الأديب أوسبالدو سوريانو بعنوان قصته:"نعم لمارادونا،لا لغالتييري"
وهذا الأخير (أي غالتييري) هو الجنرال الذي كان يرأس الأرجنتين عام 1982؛ وقت نشوب الحرب وهزيمة الأرجنتين فيها.
في خاتمة تلك القصة التي ترجمها للعربية محمد الفولي يَرِد تساؤل على لسان إحدى الشخصيات يوضح المكانة التي يمكن أن يبلغها في بلاده لاعب كرة موهوب: "لماذا لم نتمكن حتى الآن في وجود لاعب مثل مارادونا من تسديد الدين المستحق لصندوق النقد الدولي؟".
منذ ذلك المونديال أُصِبْتُ بـــ"متلازمة مارادونا" التي رافقتني إلى اليوم: صرتُ برشلونيًا من أجله، وليسقط ريال مدريد، رغم أن برشلونة لم يبدُ في تلك الفترة التي سبقت المونديال بقليل مقدّرًا لنعمة مارادونا، بدليل أنه رفسها ناحية نادٍ إيطالي فقير ومغمور.
أمسيتُ أرجنتينيا بفضله، وليذهب منتخب البرازيل إلى الخسران المبين، برغم أن منتخب البلاد الفضية لن يكرر هذا الفوز بالمونديال بعد ذلك أبدا. أما نابولي فلم أعرفها قبل مارادونا، ولم أحبها بعده.
بكيت عام 1990 أكثر منه وأنا أرى كأس العالم يضيع منه بركلة جزاء مشكوكٍ فيها، ليذهب لألمانيا، ومنذ ذلك التاريخ وأنا أكره شخصًا اسمه لوثر ماتيوس، من يكون هذا الـ"ماتيوس" ليرفع كأس العالم بينما مارادونا مازال على قيد الحياة!.
مع الوقت ازددتُ إعجابًا بدييغو، رغم توالي فضائحه الشخصية وتصرفاته الغريبة. ببساطة لأنه يشبهنا جميعًا، ولم تستطع الشهرة ولا الثراء أن يغيّرا شيئًا من جوهره الإنساني، هو القادم من بيئة فقيرة. كان إنسانًا أرضيًا ولم يحاول أن يصدّر لنفسه صورة غير هذه وهو "النجم" الساطع،
على عكس كثير من النجوم الذين نشاهدهم اليوم وهم يتصرفون على أن النجم لايمكن أن يسكن إلا في السماء. لقد أحببناه جميعا لأننا وجدنافيه بطلنا المنشود كما قال محمود درويش؛"وأجج فينا عطش الحاجة إلى بطل. بطل نصفق له. ندعو له بالنصر، نعلق له تميمة، ونخاف عليه –وعلى أملنا فيه– من الانكسار"
ويحق لدرويش الذي كان يحب دييغو لموهبته الكبيرة، أن يحبه أيضًا لمواقفه النبيلة المناصرة للحق والعدالة الإنسانية، تلك المواقف التي اختصرتْها نائبة بريطانية في تغريدة مؤبِّنة له بعد رحيله بالقول إنه "داعية لنضالات التحرر من أمريكا اللاتينية إلى فلسطين"،
ومازلنا نذكر – في مشهد موثق على اليوتيوب- كيف حضن الرئيسَ الفلسطيني محمود عباس عندما التقاه في روسيا سنة 2018 قائلًا وهو يشير إلى الجهة اليسرى من صدره: "في قلبي أنا فلسطيني".
اليوم لم يمت مارادونا وحده. لقد مات معه ماضٍ جميل لجيل كامل حلم فيه بأشياء كثيرة لم تتحقق: حياة رؤوم تمد ذراعيها في حنو، ربيع مزهر يقضى على أصيافهم شديدة السخونة، مغارة علي بابا تنفتح بلا كلمات سرية كاشفةً عن كنوزها الكثيرة، شمس ساطعة ممتلئة بالشقاوات والهواء النقي وعبق الحرية.
أحلام كثيرة كهذه لم تتحقق، إلا أن مجرد وجود ذكرى يتيمة من هذا الماضي الجميل اسمها "دييجو أرماندو مارادونا" كانت كافية للعزاء والصبر والسلوان. لكن مارادونا طار – كبقية أحلامنا - إلى السماء. فيا لحزننا المضاعف اليوم.

جاري تحميل الاقتراحات...