قبل أن أتخذ القرار النهائي بالعودة لعُمان، سألتُ نفسي أصعب الأسئلة الحياتية التي تجاهلتُها لسنوات. ستعود لعمان يا ماريو! فهل تستطيع أن تتأقلمَ مع الحياة هُناك؟ والسؤال الأخطر: هل ستستطيع السيطرة على انفلاتات غضبك؟ هل ستنسفَ كل شيء بالعودة للمخدرات مثلا؟ أو بانقطاعك عن علاجك؟
قضيت ليالي نابغية هرستني بمعنى الكلمة. أنت لاجئ، ويمكنك الحياة مهاجرا للأبد! ستعود لعُمان، هل تعرف ما الذي لك وما الذي عليك؟
أتصل بالسفير، وأعيد السؤال ألف مرَّة: هل سأسجن؟
- لا.
هل سأستدعى؟
- لا
صفحة جديدة بكل معاني الكلمة.
وتستمر عواصف الأسئلة لأيام وأيام، هل أعود لعمان؟
أتصل بالسفير، وأعيد السؤال ألف مرَّة: هل سأسجن؟
- لا.
هل سأستدعى؟
- لا
صفحة جديدة بكل معاني الكلمة.
وتستمر عواصف الأسئلة لأيام وأيام، هل أعود لعمان؟
في بدايةِ عودتي، كنت خائفا أترقبُ. احتجت شهوراً لأخرجَ من وضعيةِ الذي اعتاد على دخول السجن والخروج منه. يقول لي الجَميع: هذا عفوٌ سامٍ، وأحاول أن أطمئن، ولكن هيهات للمذعور أن تهدأ جوارحُه. أخذت عاماً كاملا لأقتنعَ أنني حقا بدأت حياتي الجديدة، والصفحة الجديدة التي صرتُ أدافع عنها.
لقد رجعتُ لعُمان وأنا الآن [قبالة] لأي مشروع انتقام أو غدر. مرَّت الأيام، ولم يستدعني ادعاء عام، أو أمن. لم يطلب مني أحد أن أسردَ ما حدث قبل تاريخ العفو مما سبب لي المزيد من التوتر، ولا سيما في أول ثلاثة أشهر. وقوع البلاء خير من انتظاره، وعشتُ في خوفٍ وقلق. هل هذا كله حقيقي؟
مرت الشهور، لا إزعاجات تذكر سوى من طائفة الشامتين، أو هؤلاء الذين يغضبهم ألا أكونَ الهائج، مختل العقل، مدمن المخدرات، مداوم الدخول والخروج من السجن. تمسكتُ بحقي القانوني، وتعلمتُ الكتابة مجددا حسب المُتاح في عُمان. أرى البعض يكتب بجرأة، بينما أنا أحسب حساب كل كلمة أكتبها بحذر.
ومر العام، ونصف العامين منذ عودتي. اندمجتُ في هذه الحياة العادية جدا كحبة رملِ. لم يزعجني سوى شجعان طاولات القهوة، أو هؤلاء الذينَ يعيشون جوَّ قادة الثورة،أو الحكوميون أكثر من الحكومة. لم أعد أعبأ بمن يتحيز ضدي، أو يرفضني. ما دام بعيدا عن حقوقي، وعن حياتي الشخصية، لم أعد أهتم له.
ألا تكون مُلاحقا! هذه حياة تستحق أن تُعاش. أن تبقى في عين المجهر شيء، لكن أن تكون تحت تمحيص عدسات مكبرة، أي قلقٍ حارق! سنواتٌ طويلة عشتُ فيها في هذا المحيط أنستني ما يعنيه أن تعيش حالك حال سبيلك، تتمسك بحقوقك، وتقاتل الحياة لكي لا تَظلِم أو تُظلم. التعود على ذلك ليس سهلا.
وعدت للاختيار الذي نبذته عام 2006، في بدايتي في التدوين. قررتُ التركيز على الجانبِ الاجتماعي، وعملت بشعار المعدَّل [دع ما لقيصر لقيصر، وما للناس للناس]. وجدتُ فائدة وأثرا جيداً لهذا النشاط الاجتماعي، الدراجات، الشطرنج، العمل الخيري، وصحبة الصالحين الذين يعلمونني دروسا في النقاء.
أخذتُ وقتاً لأتعلم النأي بنفسي عن تدافع النخب، وعن مسارات الجموع. لذت إلى مربَّع الفردية وأصبحت متطرفاً في الدفاع عنه. لا يعنيني سوى مربعي الذي به حقوقي، لا أسمح لمخلوقٍ أن يتعدى عليه. عدا ذلك، لم أعد أعبأ لاختيار الآخر، ما لم يتعلق بحقوقي وحرياتي، فليختر لنفسه ما يشاء بعيدا عني.
ومع الوقت اندمجت في النشاط الاجتماعي. حياة غير قلقة. لا إزعاجات تُذكر سوى بعض المواقف التي يجود بها شجعان طاولات القهوة، أو متشنجي إطلاق الأحكام، هؤلاء الذين عايشت كثيرا منهم لسنواتٍ جعلتني لا أعبأ مطلقا بأحكامِهم. [تكرهني]؟ حقك، ليس من حقك أن تقتحم ساحتي [بزرَّارِك] الغاضب!
وأعلمُ أنني لستُ جَميلا كما أردت، أو نقيا كما يريدُ الأنقياء من أقرانِهم. أحاولُ فحسبَ أن أتعايشَ مع هذه الحياة دون صناعة المزيد من الأعداء، أو الاستجابة للكراهية. لم أعد غاضباً، صرت ممتنا للحياةِ، ومتصالحاً مع الظروف، ومقاوما عنيداً لأخطائي السابقة. صرتُ عاديا، ومملا، وهادئا.
وهذا ما رسوتُ عليه من قناعات. لكل اختياراتُه، وهو حرٌّ بها. أعمٌّق منهجا فرديا أسير عليه مع كل يوم يمضي، أخفق حينا، تغلبني النفس حينا، أشد على نفسي حينا، كل هذا أصبح داخل المربع الذي أعيش فيه. أجيد الابتعاد عن الذي يؤذيني، وأحبُّ الحفاظ على الصداقات التي بقيت بعد كل المآسي.
وهذه عُمان! أعيش فيها الآن، عُمان التي أحببتها، وهجرتها، وعدت لها. بكل ما فيها من أصدقاء، وأعداء، ومحبين، ومبغضين، ومنصفين، وظالمين،بسخطها، ورضاها. أعيش في بلادي أخيرا! بعد كل تلك السنوات العجائبية التي هرست من عُمري عشر سنواتٍ من الشتات.
جزاك الله خيرا أيها السلطان هيثم بن طارق.
جزاك الله خيرا أيها السلطان هيثم بن طارق.
جاري تحميل الاقتراحات...