المولات تشبه بوابات الانتقال الآني، فبمجرد دخولها، تصير في عالمٍ آخر لا تحكمه أية اعتبارات ثقافية خاصة. فسترى على يمينك -مثلاً- محلًّا لبيع العود والمسك، ويقابله على يسارك محلًا مشرّعة فيه الكلاسين والسوتيانات. مشهد عابر لكنه محمّل بمضامين كبيرة عن العولمة والسيولة وذوبان الحدود.
وفي وسط هذا النشاز العولمي المؤلَّف من إيقاعات بصرية متنافرة غاية التنافر، هنالك شيء واحد داخل المول - عندنا - يبرز بوصفه غير قابل للإذابة، حتى مع كونه بالفعل يشكّل إيقاعًا ضمن نشازه، لكنه أشبه بإيقاع مقام الحجاز أو النهاوند ضمن أغنية pop، هذا الشيء هو العباءة السوداء.
العباءة السوداء هي آخر رموز المقاومة الهووية الظاهرة والتي يتحمّلها النساء وحدهن، يتحمّلنها لكون العباءة السوداء زيهنّ الخاص، ولسببين آخرين. الأول أن العباءة 'سوداء' وهي أيضًا ذات هيئة ومعايير موحَّدة بين معظم النساء؛ فسوادها يجعلها غير قابلة للذوبان في الإيقاعات الملونة حولها،=
=ووحدة معاييرها توحي بوجود فئة حيوية لها خصوصيتها الثقافية، تخوض هذه النشازات العولمية ويتعسر ذوبانها فيها مظهرًا وسمتًا، وإن حاولت؛ ففي حال أن واحدة من هذه الفئة حاولت أن تتجاوز معايير هذا الزي الأسود الموحّد وتذوب في الإيقاع العولمي في أي مكان، فإنها تسقط مباشرةً من الاتجاهين=
=اتجاه زيّها وما يمثّله، واتجاه العولمة، وتصير ملفوظة من كليهما.
أما السبب الثاني فهو تخلي معظم الرجال عن الهوية المظهرية. والهوية المظهرية ليست مجرد زي، فهذه ليست مجرد مقابلة بين نوعين من الملبوسات وحسب، بل هي أطروحة في السمت، فقد يرتدي المرء زيّه الثقافي الخاص لكن سمته متأمرك.
أما السبب الثاني فهو تخلي معظم الرجال عن الهوية المظهرية. والهوية المظهرية ليست مجرد زي، فهذه ليست مجرد مقابلة بين نوعين من الملبوسات وحسب، بل هي أطروحة في السمت، فقد يرتدي المرء زيّه الثقافي الخاص لكن سمته متأمرك.
وبينما تُقرَّع النساء في العباءة السوداء لأدنى تجاوز على تدنيس الوقار الذي تفرضه العباءة، فإن الرجال في المقابل يسرحون ويمرحون رافلين في أنواع الأزياء المتأمركة، وفي حال لم يكن الزي متأمركا فإن السمت يكون كذلك بحيث لا يعود الملبوس -ولو كان هوويًا- يوحي بأي تمايز في انطباع الناظر.
وكما يقول علي حرب «الرجولة أن يهاب الرجل نفسه»، وأظهرُ مظاهرِ مهابةِ الرجلِ نفسَه هو أن يكون سمته رجوليًا هوويًا. — «ومتى فُقدت المهابة فُقدت الرجولة والأنوثة معًا؛ إذ لا أنوثة بلا رجولة، لأن الرجولة هي الهيبة والقبض، والأنوثة هي الأُنْس والبسط، ومن دون…
…الهيبة الباعثة على القبض، يغدو الأمر بسْطًا كله، والبسط مع البسط يؤول إلى تجاوز الحد وإساءة الأدب. فينقلب الأمر، وتفنى المرأة عن أنوثتها ورقتها وحيائها، بعد أن فني الرجل عن هيبته ووقاره». لذا، إن الضامن الأخير لبقاء العباءة رمزًا هوويًا مقاومًا هو اِلتزامُ الرجال السمت الهووي.
جاري تحميل الاقتراحات...