خواطرُ مرقومةٌ على هامش مشهد
أمامي الآن جدار قائمٌ بين جدارين، بارزٌ قليلا عنهما، كأنما يُنادي عينيّ لتنظرا إليه، في أسفله ثلاثُ فتحات متجاورات ليس بينها إلا شبرٌ واحد، حانت مني نظرة إلى الجدار فإذ بحمامة ضعيفةٍ مُنتّفة الريش تمشي،
=
أمامي الآن جدار قائمٌ بين جدارين، بارزٌ قليلا عنهما، كأنما يُنادي عينيّ لتنظرا إليه، في أسفله ثلاثُ فتحات متجاورات ليس بينها إلا شبرٌ واحد، حانت مني نظرة إلى الجدار فإذ بحمامة ضعيفةٍ مُنتّفة الريش تمشي،
=
بدت لي من إحدى الفتحات، منهوكةَ الجسد، ولعلها لا تقوى على الطيران.. لا أدري وأنا أراها تذهب وتجيء، وتلتقط بمنقارها ما تجده مما يصلح للأكل: كيف سلمَتْ من هجوم القطط حتى هذه اللحظة، هل ترحمُ القطط فرائسها؟
=
=
هل أبصرتْها قطةٌ وهي في هذه الحال المزرية فأشفقت عليها، وكرهت أن تجمع عليها بين ألم المرض وألم الافتراس؟ أو لعلها زهدت في جسدها الناحل المريض.. واكتفت بأصناف الطعام المتكدسة في حوض القمامة القريب -أجلكم الله-، فقد أُتخمِت من تلك الأطعمة التي كان أولى بها أن تذهب للفقراء
=
=
أو يُنفق ما يُقابلها من مالٍ على بني آدم، المتضورين جوعًا، الصامتين أنَفةً وكرامة..
دعكَ من القطط، أنا.. كاتب هذه السطور: هل كان انتباهي لهذه الحمامة المسكينة ترفًا أدبيًا أُسيلُ به مدادي، وأجد فيه مخاضًا لأفكاري، حتى تسحَّ وتجودَ بعد طول استعصاء؟
=
دعكَ من القطط، أنا.. كاتب هذه السطور: هل كان انتباهي لهذه الحمامة المسكينة ترفًا أدبيًا أُسيلُ به مدادي، وأجد فيه مخاضًا لأفكاري، حتى تسحَّ وتجودَ بعد طول استعصاء؟
=
هل كان ذلك مني توسلًا بهذا المشهد الحزين لأصوره بكلماتي على مسرح الكتابة فيبتهج به القراء؟ ألم يكن الأولى بي أن أكتب عن الملايين الذين فضّلوا أن يُقلّبوا القمامةَ بحثًا عن الكفاف، بدلا من أن يبذُلوا كرامتهم على أبواب الأغنياء ثم يُرَدّون بلا كرامةٍ ولا مال؟
=
=
ما لي ولهذه الحمامة أسفح كلماتي في الرثاء لها ولا أسفحها على آلاف الآباء المعدمين، مَهيضي الجناح، الذين ضاقت بهم الأرض بما رحبت، فلم يمدَّ لهم المجتمع أياديه، بل استطال كثيرٌ من أغنيائه عليهم وعلى عيالهم بكل وسيلة، مفاخرين عبر الشاشات بإنفاق الأموال الطائلة في أمورٍ تافهة..
=
=
لم يتركوا الأب يتخبط في غابة فقره، حتى أطلقوا عليه وحوشَ التباهي والتطاول، وفتحوا عيون أولاده على لذائذ الدنيا، فهم يرون منها كل َّشيء، ولا يصلون منها إلى شيء!
فما ليَ لا أبكي هذا الأب ولا أستبكي له؟!
ولكن؛ أليس للحمامة المسكينة فضلٌ في تذكيري بكل هذه المعاني؟
=
فما ليَ لا أبكي هذا الأب ولا أستبكي له؟!
ولكن؛ أليس للحمامة المسكينة فضلٌ في تذكيري بكل هذه المعاني؟
=
أليست مشاهد الطبيعة نُسخًا مصغّرةً أو مكبرةً تُرينا من واقعنا ما نَعمى عنه بطول إلفه وتكراره؟ ففي تكالب السباع على الفريسة معنى، وفي سطوع النجوم على صفحة الليل معنى، وفي غروب الشمس وتشييع الأفق الأحمر لها معنى، وفي تدفّق الضياء عند الشروق معنى؟!
=
=
هكذا تبدّت الحمامة فأبدت هذه المعاني المتواردة على الخاطر تواردَ الظباءِ على الماء: لا تُطأطئ رأسها لتشرب إلا رفعتهُ وهي تهجس بذكرى مُريعة، فقدتْ فيها ظبيا عزيزا، فهي تحاذر من مصيره
=
=
فما تكاد ترتشف رشفاتٍ حتى تجفل إلى كِناسها بين الأشجار، متحصِّنة، عصيةً على الصيد.
وحتى يتسنى لها الوِرد، ويأتي بها العطش، ويتهيأ لنا صيدها: أستودعكم الله .
كُتبت يوم الخميس ١٤٤٣/٤/١٣هـ
وحتى يتسنى لها الوِرد، ويأتي بها العطش، ويتهيأ لنا صيدها: أستودعكم الله .
كُتبت يوم الخميس ١٤٤٣/٤/١٣هـ
جاري تحميل الاقتراحات...