ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

30 تغريدة 395 قراءة Nov 18, 2021
"هو الذي رأى كل شيء" ليست جملة عابرة، وإنما هي العنوان البديل لأقدم ملحمة أدبية مكتوبة عرفتها البشرية، أسطورة ملحمية فريدة، لكن ما الحقيقة وراء تأثر التوراة التالية لها زمنيًا بها؟ وهل أتت هذه الملحمة فعلا على ذكر نوح عليه السلام؟!..
#حياكم_تحت 🌹
أخيرًا وجد جورج سميث طريقه للعمل في المتحف البريطاني، لقد كان شغوفًا كأقصى ما يكون بالحضارة الآشورية وخبيرًا في لغتها، لكنه لم يحمل شهادة دراسية تشهد له بذلك، وهذا ما عقد أمر التحاقه بالمتحف، لكن أحد علماء المصريات في المتحف ساعده على تخطي تلك العقبات البيروقراطية.
تم تعيين سميث في المتحف وها هو يشق طريقه بين أكوام مهولة من الألواح المسمارية الآشورية التي اكتشفت في العراق، ومن ثم نُقلت إلى لندن، ألواح ذات خطوط معقدة يصعب فك شفرتها، لكن مداومة سميث على المحاولة والترجمة مهدت له طريقًا باهرًا من الاكتشافات.
وسط آلاف الألواح الرتيبة التي تتحدث عن معاملات مالية اعتيادية، عثر سميث على لوح ذي لغة شعرية، يحكي عن ذلك الطوفان العظيم الذي ضرب الأرض بأمر من الآلهة الغاضبة؛ فأفنى كل من عليها من البشر، إلا ذلك الرجل الذي صنع فلكا وحمل فيه من كل زوجين اثنين!
قصة تتشابه ربما مع قصة نوح عليه السلام الواردة في سفر التكوين التوراتي، لكن من منطلق آخر يتفق ومعتقد الآشوريين حيث تتعدد الآلهة في هذه القصة ويكون لكل إله إرادته الخاصة وتدخلاته في سير الأحداث، لكن المفاجأة أن هذا النص الآشوري كُتب قبل التوراة اليهودية بنحو ألف عام!
يحكي اللوح عن غضب الآلهة حين قرروا محو الحياة على الأرض عبر طوفان عظيم؛ لكن الإله إيا عارض ذلك -تعالى الله عما يقولون- فقصد أحد البشر ويدعى أوتنابشتيم وأخبره بأمر الطوفان وأمره ببناء فلك يحمل فيه من استطاع البشر والحيوانات، وبالفعل نجح في ذلك، ونتيجة لنجاحه مُنح وزوجه الخلود.
اكتشاف سميث الذي كان في أواخر القرن التاسع عشر؛ زلزل المجتمع المسيحي بكامله، حيث رآه البعض تأكيدا ومصداقا لما جاء في التوراة حول الطوفان العظيم، بينما رآه آخرون دليلًا على "زيف" النص التوراتي حيث قالوا باقتباس الأخير لقصة نوح عليه السلام من هذه القصة الآشورية.
عنونت صحيفة واشنطن بوست صفحتها الأولى بمقال يقول إن رقيم الطوفان يكشف "تراثا مختلفا عن الطوفان بعيدا عن ذلك الذي ورد في الكتاب المقدس، الذي ربما يكون أسطوريا مثل البقية".
لم يكن لوح الطوفان الذي عثر عليه سميث إلا الفصل الحادي عشر مما عُرِف لاحقًا باسم ملحمة "جلجامش"، أو ملحمة "هو الذي رأى كل شيء" تلك الملحمة التي تكشفت أجزائها لسميث ولغيره تباعًا حتى اكتملت في اثنى عشر فصلاً.
تدور أحداث هذه الملحمة عن ملك قوي يسمى جلجامش ومملكته أوروك الواقعة بين نهري دجلة والفرات جنوب العراق، ملك نصف إله، حيث أبيه بشري بينما أمه كما تقول الأسطورة إلهة، وهذا أمر أورث فيه صراعًا نفسيًا عميقا، فلا هو ينتمي للبشر ولا هو ينتمي للآلهة.
جعل جلجامش من أوروك أفضل مدينة في العالم القديم، لكنه من جهة أخرى متغطرس مستبد ظالم لشعبه، وهو ما حذا بمواطني مملكته أن يتوسلوا ليل نهار لإله السماء "آنو" كي يعفيهم من ذلك الظلم الواقع عليهم، وهو توسل استجابت له الآلهة وبادرت إلى محاولة دفعه عنهم.
من الطين وفي قلب المناطق النائية تلك التي لا يسكنها أحد، خلقت الآلهة -كما تقول الأسطورة- رجلًا بدائيًا يكسوه الشعر، شديد البأس كي يكون مناظرًا لجلجامش ويفتك به، اسمه أنكيدو، يعيش بين الوحوش في الغابة، يشرب من مائهم ويأكل من مآكلهم، يعرفونه وينتمي إليهم كواحد منهم لا فرق.
في يوم من الأيام رآه أحد الصيادين، رأى فيه بأسًا وقوة لم يؤت أحد مثلها، ارتعد ومادت به الأرض وانطلق إلى أبيه يخبره عنه، نفى أبوه عن أحد أن يفوق جلجامش قوة، وأمر ابنه بإخبار جلجامش عن رؤيته لذلك المخلوق الذي يهدد عرشه، وبالفعل نفذ الصياد ما طُلب منه.
حين بلغ جلجامش ما رأى الصياد، سرى في نفسه قلق، لذا أمر من فوره ببغيٍ، وقال للصياد اذهب بها إلى مورد الماء، حتى إذا ما اقترب هذا الوحش، فلتخلع البغي ثيابها ولتترك أمامه، هكذا فعل الصياد واستجابت البغي، فإذا بانكيدو ينهار أمام مفاتنها واقترب منها وواقعها.
حتى إذا ما استفاق من لذته، عاد أدراجه إلى عمق الغابة، فإذا بالحيوانات التي كانت تستأنس به تفر بعيدا، أما سرعته الفائقة التي واكب بها أقرانه من الحيوانات؛ فقد تعطلت، وقدرته على القفز بين الأشجار تلاشت، لقد خارت قواه، لكن من جهة أخرى اكتسب الفهم ولامس المعرفة.
حاولت البغي استمالة أنكيدو فعلمته كيفية المأكل والمشرب وكيف يعاقر الخمر، وأخذت تروي له عن ذلك الملك جلجامش صاحب أوروك ذات الأسوار المهيبة، والذي لا يدانيه أحد قوة، وكيف يدخل بالعرائس قبل أزواجهم، هنا اشتد غضب انكيدو وقرر أن يتحدى جلجامش.
لم يرتض أنكيدو تلك العادة، وقرر مصارعة جلجامش، جيء به أمام جلجامش، ووافق الأخير أن يتحداه، اثنان متقاربان في القوة، فلمن تكون الغلبة، بذل انكيدو جهده كي يحظى بالانتصار، لكن جلجامش كان أكثر حنكة ودهاء واستطاع أن يهزمه.
هزيمة اعترف بعدها أنكيدو بقوة جلجامش، وفي وقت قصير تحول ذلك العداء المقدور بينهما إلى صداقة عميقة وذات أثر، جعلت من أنكيدو الصديق الأوحد للملك، لذلك لم يفته مرافقة في رحلته إلى أرض الآلهة حيث غابات الأرز في لبنان، والتي شرع فيها جلجامش بحثًا عن عمل عظيم يخلده.
بمباركة الإله "أوتو" ينطلق جلجامش وأنكيدو يرافقهما خمسين شابًا من أقوياء المملكة إلى حيث غابات الأرز، وغايتهم قطع بعض الأشجار ونقلها، فعلوا ذلك تحت نظر حارسها القوي "حواوا"، والذي اضطر إلى مقاتلة جلجامش وأنكيدو، لكن النصر كان حليفهما.
بعد الانتصار النادر والهجوم الجريء على أرض الآلهة ذات المنعة ضجت الأمكنة باسم جلجامش وأنكيدو، وأصبحوا ملء السمع والبصر في كافة الأرجاء، لذلك حاولت الإلهة عشتار التقرب من جلجامش بغرض الزواج، لكنه رفض بقوة وامتنع عنها، فكان انتقامها.
بموافقة مجلس الآلهة -تعالى الله عما يصفون- أرسلت عشتار ثور السماء المقدس كي يقتل جلجامش، لكن الأخير يتمكن من الإمساك بقرنه، ولم يفت أنكيدو أن يعاون صديقه، حيث أجهز على الثور فقتله، هنا انتفضت الآلهة وقررت معاقبة الرجلين لاقترافهما ذنب عظيم في نظرهم، وهو قتل ثور مقدس.
حكمت الآلهة على أنكيدو بالموت كونه بشري بالكامل، حيث أرسلت عليه الداء والمرض، فخر صريعًا، أما جلجامش لم يطله عقاب، كون دماء الآلهة تسري في جسده، حزن جلجامش كثيرا على موت صديقه الأوحد، وقرر ألا يكون مصيره إلى الموت والفناء كصديقه، وهنا بدأت رحلته الأخيرة.
بعد دفنه لصديقه أزاح جلجامش عن جسده ثيابه الفارهة وارتدى من خشن الجلود ما ارتدى وانطلق في البرية بحثًا عن سر الخلود، كانت وجهته هي الوصول إلى الإنسان الوحيد الذي نال الخلود، ألا وهو أوتنابشتم، صاحب الفلك الذي نجى من الطوفان العظيم.
في أثناء بحثه يلتقي بالإلهة سيدوري التي تنصحه بالكف عن البحث والاستمتاع بالحياة، لكنه يأبى، يعبر في صعوبة بحر الأموات، ويعثر جلجامش أخيرا على أوتنابشتم، ويسأله عن سر الخلود، بعد إلحاح وتمسك يقرر أوتنابشتم إخباره عن كيفية الحظو به.
إذا تمكنت من البقاء متيقظًا دون نوم مدة ستة أيام وسبع ليال، فقد كتب لك الخلود، يفشل جلجامش في بلوغ التيقظ كل هذه المدة، لكنه لم يمل في طلب طريق آخر لنيل الأبدية، هنا تشفق على حاله زوجة أوتنابشتم وترشده إلى نبتة في بطون البحار لا تكتب الخلود، لكنها تعيد للمرء شبابه.
يغوص جلجامش في عمق بحر جزيرة دلمون (البحرين) ويستخرج منها نبتته السحرية، وقبل أن يهم في تناولها يخشى الموت بها، فيقرر أن يعود أدراجه إلى أوروك كي يجربها على أحد الطاعنين في السن، لاقى في طريقه بحيرة، هم بالاغتسال، فالتقف النبتة أحد الثعابين وخاب مسعاه.
يكمل جلجامش طريقه إلى أوروك وينظر إلى مدينته العامرة، وذلك السور المعجز المضروب حولها، ويعترف أن لا شيء يُخلّد الإنسان إلا مثل هذه الأعمال العظيمة، يصل جلجامش إلى قصره، ويمر في هدوء إلى الموت الذي يفر منه، ليكلل الحزن سائر مملكته، ويعم البكاء.
احتار المؤرخون حول كون جلجامش شخصية حقيقية أم لا، قبل أن يكتشف ثَبَتُ الملوك السومريين المدوَّن في بداية الألف الثانية قبل الميلاد، والذي نص على أنه الملك الخامس لهذه المدينة، كما تم الكشف عن أطلال سوره المذكور في الملحمة وبفحصه، حُدد أنه عاش بين 2750 و 2600 ق.م.
قصة جلجامش لم تدون في ألواحها المسمارية إلا عام 1800 ق.م، بما يقتضي أنها قبل ذلك التاريخ تم تداولها شفهيًا بين الناس على مدى كل هذه القرون، فتفاعلوا معها وأعطوها من خيالهم وعاطفتهم ومعتقداتهم وخرافاتهم، وبناء على ذلك صُنِفت على أنها ملحمة.
يرى البعض أن التوراة تقاطعت مع جلجامش في بعض الأفكار، لاسيما قصة الطوفان العظيم، ورؤيتي للأمر أن هذا التقاطع لا يقدح في النصوص الدينية بأي حال، ذلك أن الطوفان حدث فعلا، والطبيعي أن تتحدث عنه شعوب مختلفة وتأتي القصة وفق معتقدات كل راوٍ.

جاري تحميل الاقتراحات...