العمامي
العمامي

@Mehoseen

22 تغريدة 6 قراءة Nov 17, 2021
. [2 - توحيد الألُوهِيّه]
وهو إفرادُ اللهِ بالعِبادة، وهُوَ أهَمّ أقسام التوحيدِ لأنهُ وقَعَ فيهِ الشّرك، والشركُ وقَعَ في بَنِي آدم قديماً، وسبَبُ إرسالِ الرّسل هو وقوع الشّرك، وقبلَ وقوعِ الشركِ مَا كانَ للرُّسُلِ حاجةً،
كانَ الناسُ على الطريقِ السَّوِي وعلى الطريقِ المُستقيم، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهُ قال: [كانَ الناس بعدَ آدم عشَرَة قرون على التوحيد، ثُم طرَأَ الشرك فأرسلَ الله أوَّلَ رسولٍ إلى الأرضِ وهو نوحُُ عليهِ السلام]،
قصّ الله علينا قِصتهُ، فأخبرَ في مواضِعَ مُتعدّدة أنهُ قالَ لقومهِ: {اعبُدوا اللّه مَا لَكُمْ مِن إِلَهٍ غيره}، فمَا قال: اعتَقِدوا أنّ اللهَ مُتَفرِّد بالخلق والرّزق والتدبير [أي توحيد الربوبية] لا، لأنهُ معلوم عِندهُم، إنما قال: {اعبُدُوا اللَّه ما لَكُم مِنْ إِلَهٍ غَيرُه}،
وكذلك قال هود، قالَ لِقومه {اعبُدوا اللّه مَا لَكُم مِن إِلَهٍ غَيْرُه}، وكذلكَ قالَ صالح: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّه مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}، وسائرُ الأنبياءِ كلّهم قالُوا هذا القَول، كما قال الله تعالى: {وَلَقَد بَعَثنا فِي كُلّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا الله}،
فالمشركينَ كانو مُقرِّينَ بتوحيدِ الربوبية وتوحيد الأسماءِ والصفات، ما كانَ أحدُُ مٍنَ الخَلقِ يُنكِرُهُما إلّا مُكابِر ومُعاند، بل إنّ الكفارَ الذينَ بُعِثَ الرسول محمد صلى الله عليه وسلم لِدعوَتِهِم كانُوا يُقِرّون بتوحيدِ الربوبية وتوحيد والأسماء والصفات،
وإذا أُنْكِر شيءُُ مِن ذلكَ فهوَ مِن بابِ المُعاندةِ والجُحُود، كما أنكرُوا اسمَ الرحمنِ عِنادا وتَكبّرا، كقولهِ تعالى: {وَهُمْ يَكْفُرونَ بِالرّحمن}، وذلكَ أنهُم أنْكَروا هذا الاسمَ اتِّباعاً لآبائِهِم وما كانَت عليهِ طريقَتَهُم في كِتاباتِهِم،
وكذلك توحيد الربوبيةِ مُقرّين بهِ ويؤمنون به، فهُم يُقِرّون بأنّ الله خالِقَم ورازِقهم، وجعَلَ هذا حُجّةً عليهِم و دليلاً على وجوبِ توحيدِ الألُوهِيّة، كما قال تعالى: {يَا أَيّها الناس اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم}، يعرِفونَ أنّ الله هوَ الذي خلَقهُم وخلَقَ مَن قبلهُم،
ولهذا قال في آخر الآية: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}، أي: تعلمونَ أنَّ الله هُوَ الذي خلقَكم وخلقَ مَنْ قبلَكم فلا تدعُوا معهُ أحداً في العِبادةِ في دعوتِكُم وفي العبادةِ التي تصدُرُ مِنكُم وفي التَّأَلُهِ في القَصدِ والإرادةِ وفي النّية،
لا تجعلوا لهُ نِداً في ذلك [أي توحيد الألوهية] وأنتُم تعلمونَ أنهُ المُتفرِّد بِما ذُكِرَ سابقا [أي توحيد الربوبية]، وكذلكَ ورَد في آياتٍ كثيرة، قال تعالى: {وَلَئِن سَأَلتهم مَن نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنّ اللَّه}،
وقولهُ تعالى: {وَلَئِن سَأَلتهم مَنْ خَلَقَهُم لَيَقُولُنّ اللَه}، وقوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلتهم مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرضَ لَيَقُولُنّ خَلقهن العزِيزُ الْعَلِيم}، يعلمونَ أنّ هذهِ التي يَدعُونَها لا تملِكُ معَ اللهِ شيئاً، وإنَّما يقولون: إننَا نَتوَسّل بِها للتّشفّع،
وكانوا يقولونَ في تلبِيَتِهِم في الحج: [لبّيكَ لا شريكَ لكَ، إلا شَريكا هوَ لكَ تَملِكَهُ وما مَلَك]، وكانوا يُخلِصونَ في بعضِ العِبادات للهِ مثلَ الحَجّ والصَّدقة، يُخلِصونَها لله، وحتى الدُّعاء إذَا وقَعُوا في الضُّرّ والشَّدائِد يُخلِصونَهُ لله عز وجل،
قالَ تعالى: {فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّين}، يعني: إذَا رَكِبُوا في البحرِ وعَصَفَ بهِم تركُوا ما كانوا يعبُدونَ واتَّجهُوا إلى عبادةِ الله وحده، وإذا كانت معَهُم أصنام رمَوْها في البحر، وقالوا: إنَّهَا لا تنفع في هذا المقام،
ولكن إذا نجّاهم الله وعادُوا إلى البرِّ عادوا إلى شِركِهِم اقتداءً بآبائهم {فإذا نجّاهم إلى البرّ إذا هم يشركون}،
بل ويُؤمنون بالحسابِ والقَدَرِ، كما قالَ عنترَةُ في مُعَلّقتهِ وهو جاهلي، قال: [يا عبْلُ أينَ مِنَ المَنِيَّةُ مَهرَبُُ ** إنْ كانَ ربِّي في السماءِ قَضَاها]
وقالَ قتادة: [لا تَسأل أحدا مِنَ المُشركينَ مَن رَبك؟ إلا ويقول ربيَ الله، وهوَ يُشرِك في ذلك]،
وقال ابنُ كثير: [غالِبَ الأُمَم كانت مُقِرّة بالصانِع، ولكِن تعبُد معهُ غيرَهُ مِنَ الوَسائِط التي يَظُنّونَهَا تنفعهم وتُقرّبهم إلى الله زُلفَى]،
وقال تعالى آمِرًا نبيهُ أنْ يسْألهم عمّن يرزقهم: {قُل مَن يرزقكم مِنَ السماء والأرض أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الحيّ مِنَ الميّت وَيُخْرِجُ الميّتَ مِن الحي}، قال الله تعالى: {فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُل أَفَلا تَتَّقُونَ}،
فإذا كانَ الأمرُ هكذا فمَا الذي جعلَهُم خالدينَ في النار؟، لماذا وهُم يُؤمِنونَ بهذا؟، يؤمنونَ بربوبيةِ الله بأنَّهُ هو المُتَفرِّد بالخَلق وأنهُ الرازِق الذي يرزُقَهُم وأنهُ يُجازي العبادَ على أعمالِهِم، وأنهُ هو الذي قضَى الأشياءَ وهو الذي يُحيِي ويُميت، لماذا خالدين في النار ؟
الجواب: الذي جعلَهُم مِنَ المُخَلَّدينَ في النارِ هو شِركَهُم في توحيد الألوهية، أي أنهُم: لم يُفرِدُوا الله بالعبادةِ = كونَهُم جَعلُوا وسائِطَ بينهُم وبينَ ربِّهِم يَدعونَهَا ويطلبونَ مِنهَا أنْ تُقَرِّبهُم إلى الله زُلفَى،
كما قال تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ شُفَعَاءَ قُل أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُون}، يعني: تتَّخِذونَهُم وهُم لا يَملِكونَ شيئاً ولا يعقِلون وتجعَلونَهُم شُفعاءَ لكم!! {قُل لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا}،
والله أرسلَ الرُّسلَ وأنزلَ الكُتُبَ لِبيَانِ حقِّهِ على عبادِهِ ودعوَتُهم إلى إخلاصِ العبادةِ لهُ، لأنَّ أكثرَ أهلِ الأرض يعرِفونَ أنّ اللهَ ربهُم وخالِقَهم، وإنَّما وقعُوا في الشركِ بِصرفِ عِباداتِهِم -أو بعضِها- لغيرِ الله، جهلًا بذلكَ أو عمدًا أوتقلِيدًا لآبائِهِم وأسلافِهِم،
إذًا توحيدَ الألُوهِيَّة هو: إفراد الله بالعبادة، بأنْ لا يتّخذ الإنسان معَ اللهِ أحداً يعبُدهُ ويَتَقرّب إليهِ، بحيثُ لا يصرِفُ الإنسانَ شيئاً مِنَ العبادةِ لغيرِ اللهِ سبحانهُ وتعالى، لا لِمَلَكٍ مُقرَّب ولا لٍنَبِيٍّ مُرسَل ولا لِوَلِي صالِح ولا لِأيِّ أحدٍ مِنَ المخلوقين،
ومَنْ أخلَّ بهذا التوحيد فهو مُشرِك خالد في النارِ وإنْ أقرَّ بتوحيدِ الربوبيةِ وبتوحيدِ الأسماءِ والصِّفات، فلو فُرِضَ أنّ رجُلاً يُقِر إقراراً كاملاً بتوحيدِ الربوبية لكن يذهبُ إلى القبرِ فيعبُد صاحِبَهُ أو يُنذِر لهُ قُرباناً فإنَّ هذا مُشرِك خالِدُُ في النار،
[باب التوحيد/ للعلامة محمد صالح العثيمين] بتصرّف

جاري تحميل الاقتراحات...